حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي قَالَ : " اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا " وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الْوُضُوء , وَأَنَّهُ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد , وَأَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ , وَقِيلَ : الْأَقْرَع بْن حَابِس. وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : " دَخَلَ الْأَعْرَابِيّ الْمَسْجِد فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَلِمُحَمَّدٍ وَلَا تَغْفِر لِأَحَدٍ مَعَنَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ اِحْتَظَرَتْ وَاسِعًا ثُمَّ تَنَحَّى الْأَعْرَابِيّ فَبَالَ فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد " الْحَدِيث
قَوْله : ( لَقَدْ حَجَّرْت وَاسِعًا , يُرِيد رَحْمَة اللَّه ) حَجَّرْت بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم ثَقِيلَة ثُمَّ رَاءٍ أَيْ ضَيَّقْت وَزْنًا وَمَعْنًى , وَرَحْمَة اللَّه وَاسِعَة كَمَا قَالَ تَعَالَى , وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ " حَجَّرْت " بِالرَّاءِ لَكِنْ نَقَلَ اِبْن التِّين أَنَّهَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِالزَّايِ , قَالَ وَهُمَا بِمَعْنًى , وَالْقَائِل " يُرِيد رَحْمَة اللَّه " بَعْض رُوَاته وَكَأَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَنْكَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَعْرَابِيّ لِكَوْنِهِ بَخِلَ بِرَحْمَةِ اللَّه عَلَى خَلْقه , وَقَدْ أَثْنَى اللَّه تَعَالَى عَلَى مَنْ فَعَلَ خِلَاف ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : ( وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدهمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اِغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ) وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى " اِحْتَظَرْت " بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَظَاء مُشَالَة بِمَعْنَى اِمْتَنَعْت , مَأْخُوذ مِنْ الْحِظَار بِكَسْرِ أَوَّله وَهُوَ الَّذِي يَمْنَع مَا وَرَاءَهُ.