انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦6078⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث عَائِشَة " إِنِّي لَأَعْرِف غَضَبك وَرِضَاك " وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب غَيْرَة النِّسَاء وَوَجْدهنَّ فِي كِتَاب النِّكَاح , قَالَ الْمُهَلَّب : غَرَض الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب أَنْ يُبَيِّن صِفَة الْهِجْرَان الْجَائِز , وَأَنَّهُ يَتَنَوَّع بِقَدْرِ الْجُرْم , فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْعِصْيَان يَسْتَحِقّ الْهِجْرَان بِتَرْكِ الْمُكَالَمَة كَمَا فِي قِصَّة كَعْب وَصَاحِبَيْهِ , وَمَا كَانَ مِنْ الْمُغَاضَبَة بَيْنَ الْأَهْل وَالْإِخْوَان فَيَجُوز الْهَجْر فِيهِ بِتَرْكِ التَّسْمِيَة مَثَلًا أَوْ بِتَرْكِ بَسْط الْوَجْه مَعَ عَدَم هَجْر السَّلَام وَالْكَلَام. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ أَرَادَ قِيَاس هِجْرَان مَنْ يُخَالِف الْأَمْر عَلَى هِجْرَان اِسْم مَنْ يُخَالِف الْأَمْر الطَّبِيعِيّ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قِصَّة كَعْب بْن مَالِك أَصْل فِي هِجْرَان أَهْل الْمَعَاصِي , وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ كَوْن هِجْرَان الْفَاسِق أَوْ الْمُبْتَدِع مَشْرُوعًا وَلَا يُشْرَع هِجْرَان الْكَافِر وَهُوَ أَشَدُّ جُرْمًا مِنْهُمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ أَهْل التَّوْحِيد فِي الْجُمْلَة , وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ لِلَّهِ أَحْكَامًا فِيهَا مَصَالِح لِلْعِبَادِ وَهُوَ أَعْلَم بِشَأْنِهَا وَعَلَيْهِمْ التَّسْلِيم لِأَمْرِهِ فِيهَا , فَجَنَحَ إِلَى أَنَّهُ تَعَبُّد لَا يُعْقَل مَعْنَاهُ. وَأَجَابَ غَيْره بِأَنَّ الْهِجْرَان عَلَى مَرْتَبَتَيْنِ : الْهِجْرَان بِالْقَلْبِ , وَالْهِجْرَان بِاللِّسَانِ. فَهِجْرَان الْكَافِر بِالْقَلْبِ وَبِتَرْكِ التَّوَدُّد وَالتَّعَاوُن وَالتَّنَاصُر , لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَرْبِيًّا وَإِنَّمَا لَمْ يُشْرَع هِجْرَانه بِالْكَلَامِ لِعَدَمِ اِرْتِدَاعه بِذَلِكَ عَنْ كُفْره , بِخِلَافِ الْعَاصِي الْمُسْلِم فَإِنَّهُ يَنْزَجِر بِذَلِكَ غَالِبًا , وَيَشْتَرِك كُلّ مِنْ الْكَافِر وَالْعَاصِي فِي مَشْرُوعِيَّة مُكَالَمَته بِالدُّعَاءِ إِلَى الطَّاعَة , وَالْأَمْر الْمَعْرُوف وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَإِنَّمَا الْمَشْرُوع تَرْك الْمُكَالَمَة بِالْمُوَادَّةِ وَنَحْوهَا. قَالَ عِيَاض : إِنَّمَا اُغْتُفِرَتْ مُغَاضَبَة عَائِشَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَج - لِأَنَّ الْغَضَب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصِيَة كَبِيرَة - لِأَنَّ الْحَامِل لَهَا عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَة الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا النِّسَاء , وَهِيَ لَا تَنْشَأ إِلَّا عَنْ فَرْط الْمَحَبَّة , فَلَمَّا كَانَ الْغَضَب لَا يَسْتَلْزِم الْبُغْض اُغْتُفِرَ ; لِأَنَّ الْبُغْض هُوَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْكُفْر أَوْ الْمَعْصِيَة , وَقَدْ دَلَّ قَوْلهَا " لَا أَهْجُر إِلَّا اِسْمك " عَلَى أَنَّ قَلْبهَا مَمْلُوء بِمَحَبَّتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَوْله : ( أَجَلْ ) بِوَزْنِ نَعَمْ وَمَعْنَاهُ. وَقَالَ الْأَخْفَش : إِلَّا أَنَّ نَعَمْ أَحْسَن مِنْ أَجَلْ فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام , وَأَجَلْ أَحْسَن مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيق. قُلْت : وَهِيَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى وَفْق مَا قَالَ.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ