حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ " عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِّمْنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي " بَاب الدُّعَاء قُبَيْل السَّلَام " فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة بِمَا فِيهِ كِفَايَة. قَوْله ( وَقَالَ عَمْرو ) هُوَ اِبْن الْحَارِث ( عَنْ يَزِيد ) هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب وَهُوَ الْمَذْكُور فِي السَّنَد الْأَوَّل , وَأَبُو الْخَيْر هُوَ مَرْثَد بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُثَلَّثَة بَيْنهمَا رَاء مُهْمَلَة. قَوْله ( قَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَصَلَهُ فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث وَلَفْظه " أَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه " وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي شَرْحه. قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي حَدِيث أَبِي بَكْر دَلَالَة عَلَى رَدّ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ اِسْم الْإِيمَان إِلَّا مَنْ لَا خَطِيئَة لَهُ وَلَا ذَنْب ; لِأَنَّ الصِّدِّيق مِنْ أَكْبَر أَهْل الْإِيمَان. وَقَدْ عَلَّمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول " إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ ". وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الدُّعَاء مِنْ الْجَوَامِع ; لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَاف بِغَايَةِ التَّقْصِير وَطَلَب غَايَة الْإِنْعَام , فَالْمَغْفِرَة سَتْر الذُّنُوب وَمَحَوْهَا , وَالرَّحْمَة إِيصَال الْخَيْرَات , فَفِي الْأَوَّل طَلَب الزَّحْزَحَة عَنْ النَّار وَفِي الثَّانِي طَلَب إِدْخَال الْجَنَّة وَهَذَا هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَمْزَة مَا مُلَخَّصه : فِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء فِي الصَّلَاة , وَفَضْل الدُّعَاء الْمَذْكُور عَلَى غَيْره , وَطَلَب التَّعْلِيم مِنْ الْأَعْلَى وَإِنْ كَانَ الطَّالِب يَعْرِف ذَلِكَ النَّوْع , وَخَصَّ الدُّعَاء بِالصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد " وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْء يَنْظُر فِي عِبَادَته إِلَى الْأَرْفَع فَيَتَسَبَّب فِي تَحْصِيله. وَفِي تَعْلِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر هَذَا الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى إِيثَار أَمْر الْآخِرَة عَلَى أَمْر الدُّنْيَا , وَلَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ حَال أَبِي بَكْر وَإِيثَاره أَمْر الْآخِرَة قَالَ : وَفِي قَوْله " ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ " أَيْ لَيْسَ لِي حِيلَة فِي دَفْعه فَهِيَ حَالَة اِفْتِقَار , فَأَشْبَهَ حَال الْمُضْطَرّ الْمَوْعُود بِالْإِجَابَةِ , وَفِيهِ هَضْم النَّفْس وَالِاعْتِرَاف بِالتَّقْصِيرِ , وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِده هُنَاكَ.