أَحَدُهَا حَدِيث حُذَيْفَة. قَوْله ( حَدَّثَنَا شَقِيق ) هُوَ أَبُو وَائِل بْن سَلَمَة الْأَسَدِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل. قَوْله ( سَمِعْت حُذَيْفَة يَقُول : بَيْنَا نَحْنُ جُلُوس عِنْدَ عُمَر ) تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ. وَخَالَفَ أَبُو حَمْزَة السُّكَّرِيّ أَصْحَاب الْأَعْمَش فَقَالَ " عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ عُمَر " وَقَوْله هُنَا " لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُك " وَقَعَ فِي رِوَايَة رِبْعِيِّ بْن حِرَاش عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ " لَمْ أَسْأَل عَنْ فِتْنَة الْخَاصَّة " وَقَوْله " وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوج كَمَوْجِ الْبَحْر , فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْك مِنْهَا بَأْس " فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " عَلَيْكُمْ " بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رِبْعِيٍّ , فَقَالَ حُذَيْفَة " سَمِعْته يَقُول : يَأْتِيكُمْ بَعْدِي فِتَن كَمَوْجِ الْبَحْر يَدْفَع بَعْضهَا بَعْضًا " فَيُؤْخَذ مِنْهُ جِهَة التَّشْبِيه بِالْمَوْجِ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ الْكَثْرَة فَقَطْ , وَزَادَ فِي رِوَايَة رِبْعِيٍّ " فَرَفَعَ عُمَر يَده فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكنِي , فَقَالَ حُذَيْفَة : لَا تَخَفْ " وَقَوْله " إِذًا لَا يُغْلَق أَبَدًا ؟ قُلْت : أَجَل " فِي رِوَايَة رِبْعِيٍّ " قَالَ حُذَيْفَة كَسْرًا ثَمَّ لَا يُغْلَق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". قَوْله ( كَمَا يَعْلَم أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَة ) أَيْ عِلْمه عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِثْل هَذَا " قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا عَدَلَ حُذَيْفَة حِينَ سَأَلَهُ عُمَر عَنْ الْإِخْبَار بِالْفِتْنَةِ الْكُبْرَى إِلَى الْإِخْبَار بِالْفِتْنَةِ الْخَاصَّة لِئَلَّا يُغَمّ وَيَشْتَغِل بَاله , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ " إِنَّ بَيْنَك وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا " وَلَمْ يَقُلْ لَهُ أَنْتَ الْبَاب وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ الْبَاب فَعَرَّضَ لَهُ بِمَا فَهِمَهُ وَلَمْ يُصَرِّح وَذَلِكَ مِنْ حُسْن أَدَبه. وَقَوْل عُمَر " إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَق " أَخَذَهُ مِنْ جِهَة أَنَّ الْكَسْر لَا يَكُون إِلَّا غَلَبَة وَالْغَلَبَة لَا تَقَع إِلَّا فِي الْفِتْنَة , وَعُلِمَ مِنْ الْخَبَر النَّبَوِيّ أَنَّ بَأْس الْأُمَّة بَيْنَهُمْ وَاقِع , وَأَنَّ الْهَرْج لَا يَزَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث شَدَّاد رَفَعَهُ " إِذَا وُضِعَ السَّيْف فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَع عَنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". قُلْت : أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَأَخْرَجَ الْخَطِيب فِي " الرُّوَاة عَنْ مَالِك " أَنَّ عُمَر دَخَلَ عَلَى أُمّ كُلْثُوم بِنْت عَلِيّ فَوَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ : مَا يُبْكِيك ؟ قَالَتْ : هَذَا الْيَهُودِيّ - لِكَعْبِ الْأَحْبَار - يَقُول : إِنَّك بَاب مِنْ أَبْوَاب جَهَنَّم , فَقَالَ عُمَر : مَا شَاءَ اللَّه. ثُمَّ خَرَجَ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْب فَجَاءَهُ فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْسَلِخ ذُو الْحِجَّة حَتَّى تَدْخُل الْجَنَّة. فَقَالَ : مَا هَذَا , مَرَّة فِي الْجَنَّة وَمَرَّة فِي النَّار ؟ فَقَالَ : إِنَّا لِنَجِدك فِي كِتَاب اللَّه عَلَى بَاب مِنْ أَبْوَاب جَهَنَّم تَمْنَع النَّاس أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا , فَإِذَا مُتّ اِقْتَحَمُوا. قَوْله ( فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا ) اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَمْر لَا يُشْتَرَط فِيهِ الْعُلُوّ وَلَا الِاسْتِعْلَاء.