انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦7305⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث مَالِك بْن أَوْس فِي قِصَّة الْعَبَّاس وَعَلِيّ وَمُنَازَعَتهمَا عِنْد عُمَر فِي صَدَقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي فَرْض الْخُمُس وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا بَيَان كَرَاهِيَة التَّنَازُع , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْل عُثْمَان وَمَنْ مَعَهُ " يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ اِقْضِ بَيْنهمَا وَأَرِحْ أَحَدهمَا مِنْ الْآخَر " فَإِنَّ الظَّنّ بِهِمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَنَازَعَا إِلَّا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَنَد فِي أَنَّ الْحَقّ بِيَدِهِ دُون الْآخَر , فَأَفْضَى ذَلِكَ بِهِمَا إِلَى الْمُخَاصَمَة ثُمَّ الْمُحَاكَمَة الَّتِي لَوْلَا التَّنَازُع لَكَانَ اللَّائِق بِهِمَا خِلَاف ذَلِكَ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق " اِتَّئِدُوا " بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة أَيْ اِسْتَمْهِلُوا , وَقَوْله " أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ " فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " أَنْشُدكُمْ اللَّه " بِحَذْفِ الْبَاء وَهُوَ جَائِز , وَقَوْله " مَا اِحْتَازَهَا " بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الزَّاي ولِلْكُشْمِيهَنِيّ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الرَّاء وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَقَوْله " وَكَانَ يُنْفِق " ولِلْكُشْمِيهَنِيّ " فَكَانَ " بِالْفَاءِ وَهُوَ أَوْلَى , وَقَوْله " فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ " فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " ثُمَّ أَقْبَلَ " وَقَوْله " تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْر فِيهَا كَذَا " هَكَذَا هُنَا وَقَعَ بِالْإِبْهَامِ , وَقَدْ بَيَّنْت فِي شَرْح الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي فَرْض الْخُمُس أَنَّ تَفْسِير ذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَخَلَتْ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة عَنْ ذَلِكَ إِبْهَامًا وَتَفْسِيرًا , وَيُؤْخَذ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ عَنْ الْمَازِرِيّ وَغَيْره مِنْ تَأْوِيل كَلَام الْعَبَّاس مَا يُجَاب بِهِ عَنْ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ اِبْن بَطَّال فِي أَحَادِيث الْبَاب مَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ كَرَاهِيَة التَّنَطُّع وَالتَّنَازُع لِإِشَارَتِهِ إِلَى ذَمّ مَنْ اِسْتَمَرَّ عَلَى الْوِصَال بَعْد النَّهْي , وَلِإِشَارَةِ عَلِيّ إِلَى ذَمّ مَنْ غَلَا فِيهِ فَادَّعَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهُ بِأُمُورٍ مِنْ عِلْم الدِّيَانَة دُون غَيْره ; وَإِشَارَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَمّ مَنْ شَدَّدَ فِيمَا تَرَخَّصَ فِيهِ وَفِي قِصَّة بَنِي تَمِيم ذَمّ التَّنَازُع الْمُؤَدِّي إِلَى التَّشَاجُر وَنِسْبَة أَحَدهمَا الْآخَر إِلَى قَصْد مُخَالَفَته , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى ذَمّ كُلّ حَالَة تَئُول بِصَاحِبِهَا إِلَى اِفْتِرَاق الْكَلِمَة أَوْ الْمُعَادَاة , وَفِي حَدِيث عَائِشَة إِشَارَة إِلَى ذَمّ التَّعَسُّف فِي الْمَعَانِي الَّتِي خَشِيَتْهَا مِنْ قِيَام أَبِي بَكْر مَقَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ اِبْن التِّين مَعْنَى قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة " اِسْتَبَّا " أَيْ نَسَبَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر إِلَى أَنَّهُ ظَلَمَهُ , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِقَوْلِهِ " اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْن هَذَا الظَّالِم " قَالَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَظْلِم النَّاس وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا تَأَوَّلَهُ فِي خُصُوص هَذِهِ الْقِصَّة وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ عَلِيًّا سَبَّ الْعَبَّاس بِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صِنْو أَبِيهِ , وَلَا أَنَّ الْعَبَّاس سَبَّ عَلِيًّا بِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْرِف فَضْله وَسَابِقَته , وَقَالَ الْمَازِرِيّ هَذَا اللَّفْظ لَا يَلِيق بِالْعَبَّاسِ وَحَاشَا عَلِيًّا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ سَهْو مِنْ الرُّوَاة , وَإِنْ كَانَ لَا بُدّ مِنْ صِحَّته فَلْيُؤَوَّلْ بِأَنَّ الْعَبَّاس تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْتَقِد ظَاهِره مُبَالَغَة فِي الزَّجْر وَرَدْعًا لِمَا يَعْتَقِد أَنَّهُ مُخْطِئ فِيهِ , وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرهُ عَلَيْهِ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة لَا الْخَلِيفَة وَلَا غَيْره , مَعَ تَشَدُّدهمْ فِي إِنْكَار الْمُنْكَر , وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُمْ فَهِمُوا بِقَرِينَةِ الْحَال أَنَّهُ لَا يُرِيد بِهِ الْحَقِيقَة , اِنْتَهَى وَقَدْ مَضَى بَعْض هَذَا فِي شَرْح الْحَدِيث فِي فَرْض الْخُمُس , وَفِيهِ أَنَّنِي لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى كَلَام لِعَلِيٍّ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُوم مِنْ قَوْله " اِسْتَبَّا " بِالتَّثْنِيَةِ أَنْ يَكُون وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقّ الْعَبَّاس كَلَام , وَقَالَ غَيْره حَاشَا عَلِيًّا أَنْ يَكُون ظَالِمًا وَالْعَبَّاس أَنْ يَكُون ظَالِمًا , بِنِسْبَةِ الظُّلْم إِلَى عَلِيّ وَلَيْسَ بِظَالِمٍ وَقِيلَ فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره أَيْ هَذَا الظَّالِم إِنْ لَمْ يُنْصِف , أَوْ التَّقْدِير " هَذَا كَالظَّالِمِ " وَقِيلَ هِيَ كَلِمَة تُقَال فِي الْغَضَب لَا يُرَاد بِهَا حَقِيقَتهَا , وَقِيلَ لَمَّا كَانَ الظُّلْم يُفَسَّر بِأَنَّهُ وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه تَنَاوَلَ الذَّنْب الْكَبِير وَالصَّغِير , وَتَنَاوَلَ الْخَصْلَة الْمُبَاحَة الَّتِي لَا تَلِيق عُرْفًا فَيُحْمَل الْإِطْلَاق عَلَى الْأَخِيرَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ