قَوْله ( وَلَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ الْعُذْر مِنْ اللَّه وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ ) يَعْنِي الرُّسُل , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم " بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ " وَهِيَ أَوْضَح , وَلَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود " وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ الْكُتُب وَالرُّسُل " أَيْ وَأَرْسَلَ الرُّسُل , قَالَ اِبْن بَطَّال : هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَات ) فَالْعُذْر فِي هَذَا الْحَدِيث التَّوْبَة وَالْإِنَابَة كَذَا قَالَ , وَقَالَ عِيَاض : الْمَعْنَى بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَار لِخَلْقِهِ قَبْل أَخْذهمْ بِالْعُقُوبَةِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل ) وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم عَنْ بَعْض أَهْل الْمَعَانِي قَالَ : إِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ الْعُذْر مِنْ اللَّه " عَقِب قَوْله " لَا أَحَد أَغْيَر مِنْ اللَّه " مُنَبِّهًا لِسَعْدِ بْن عُبَادَةَ عَلَى أَنَّ الصَّوَاب خِلَاف مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ , وَرَادِعًا لَهُ عَلَى الْإِقْدَام عَلَى قَتْل مَنْ يَجِدهُ مَعَ اِمْرَأَته , فَكَأَنَّهُ قَالَ إِذَا كَانَ اللَّه مَعَ كَوْنه أَشَدّ غَيْرَة مِنْك يُحِبّ الْإِعْذَار , وَلَا يُؤَاخِذ إِلَّا بَعْد الْحُجَّة , فَكَيْف تُقْدِمُ أَنْتَ عَلَى الْقَتْل فِي تِلْكَ الْحَالَة ؟. قَوْله ( وَلَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ ) يَجُوز فِي " أَحَبّ " الرَّفْع وَالنَّصْب كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُود. قَوْله ( الْمِدْحَة مِنْ اللَّه ) بِكَسْرِ الْمِيم مَعَ هَاء التَّأْنِيث وَبِفَتْحِهَا مَعَ حَذْف الْهَاء , وَالْمَدْح الثَّنَاء بِذِكْرِ أَوْصَاف الْكَمَال وَالْأَفْضَال , قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. قَوْله ( وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ وَعَدَ اللَّه الْجَنَّة ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ أَحَد الْمَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ , وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ أَطَاعَهُ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم " وَعَدَ الْجَنَّة " بِإِضْمَارِ الْفَاعِل وَهُوَ اللَّه , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَرَادَ بِهِ الْمَدْح مِنْ عِبَاده بِطَاعَتِهِ وَتَنْزِيهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ لِيُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ذَكَرَ الْمَدْح مَقْرُونًا بِالْغَيْرَةِ وَالْعُذْر تَنْبِيهًا لِسَعْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَل بِمُقْتَضَى غَيْرَته , وَلَا يُعَجِّل بَلْ يَتَأَنَّى وَيَتَرَفَّق وَيَتَثَبَّت , حَتَّى يَحْصُل عَلَى وَجْه الصَّوَاب فَيَنَال كَمَال الثَّنَاء وَالْمَدْح وَالثَّوَاب لِإِيثَارِهِ الْحَقّ وَقَمْع نَفْسه وَغَلَبَتهَا عِنْد هَيَجَانهَا , وَهُوَ نَحْو قَوْله " الشَّدِيد مَنْ يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب " وَهُوَ حَدِيث صَحِيح مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَقَالَ عِيَاض : مَعْنَى قَوْله " وَعَدَ الْجَنَّة " أَنَّهُ لَمَّا وَعَدَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا كَثُرَ السُّؤَال لَهُ وَالطَّلَب إِلَيْهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهِ , قَالَ وَلَا يُحْتَجّ بِهَذَا عَلَى جَوَاز اِسْتِجْلَاب الْإِنْسَان الثَّنَاء عَلَى نَفْسه فَإِنَّهُ مَذْمُوم وَمَنْهِيّ عَنْهُ بِخِلَافِ حُبّه لَهُ فِي قَلْبه إِذَا لَمْ يَجِد مِنْ ذَلِكَ بُدًّا فَإِنَّهُ لَا يُذَمّ بِذَلِكَ , فَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مُسْتَحِقّ لِلْمَدْحِ بِكَمَالِهِ ; وَالنَّقْص لِلْعَبْدِ لَازِم وَلَوْ اِسْتَحَقَّ الْمَدْح مِنْ جِهَة مَا لَكِنَّ الْمَدْح يُفْسِد قَلْبه وَيُعَظِّمهُ فِي نَفْسه حَتَّى يَحْتَقِر غَيْره , وَلِهَذَا جَاءَ " اُحْثُوا فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب " وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم.