قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّان ) وَفِي رِوَايَة ( سُئِلَ عَنْ الْكُهَّان فَقَالَ : لَيْسُوا بِشَيْءٍ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه : كَانَتْ الْكِهَانَة فِي الْعَرَب ثَلَاثَة أَضْرِب : أَحَدهَا يَكُون لِلْإِنْسَانِ وَلِيّ مِنْ الْجِنّ يُخْبِرهُ بِمَا يَسْتَرِقهُ مِنْ السَّمْع مِنْ السَّمَاء , وَهَذَا الْقِسْم بَطَل مِنْ حِين بَعَثَ اللَّه نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثَّانِي أَنْ يُخْبِرهُ بِمَا يَطْرَأ أَوْ يَكُون فِي أَقْطَار الْأَرْض وَمَا خَفِيَ عَنْهُ مِمَّا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ , وَهَذَا لَا يَبْعُد وُجُوده , وَنَفَتْ الْمُعْتَزِلَة وَبَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ , وَأَحَالُوهُمَا , وَلَا اِسْتِحَالَة فِي ذَلِكَ , وَلَا بُعْد فِي وُجُوده , لَكِنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ وَيُكَذِّبُونَ , وَالنَّهْي عَنْ تَصْدِيقهمْ وَالسَّمَاع مِنْهُمْ عَامّ. الثَّالِث الْمُنَجِّمُونَ , وَهَذَا الضَّرْب يَخْلُق اللَّه تَعَالَى فِيهِ لِبَعْضِ النَّاس قُوَّة مَا , لَكِنَّ الْكَذِب فِيهِ أَغْلَب , وَمِنْ هَذَا الْفَنّ الْعِرَافَة , وَصَاحِبهَا عَرَّاف , وَهُوَ الَّذِي يَسْتَدِلّ عَلَى الْأُمُور بِأَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَات يَدَّعِي مَعْرِفَتهَا بِهَا , وَقَدْ يَعْتَضِد بَعْض هَذَا الْفَنّ بِبَعْضٍ فِي ذَلِكَ بِالزَّجْرِ وَالطُّرُق وَالنُّجُوم وَأَسْبَاب مُعْتَادَة. وَهَذِهِ الْأَضْرُب كُلّهَا تُسَمَّى كِهَانَة , وَقَدْ أَكْذَبَهُمْ كُلّهمْ الشَّرْع , وَنَهَى عَنْ تَصْدِيقهمْ وَإِتْيَانهمْ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله : ( كُنَّا نَتَطَيَّر قَالَ : ذَاكَ شَيْء يَجِدهُ أَحَدكُمْ فِي نَفْسه فَلَا يَصُدَّنكُمْ ) مَعْنَاهُ أَنَّ كَرَاهَة ذَلِكَ تَقَع فِي نُفُوسكُمْ فِي الْعَادَة , وَلَكِنْ لَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ , وَلَا تَرْجِعُوا عَمَّا كُنْتُمْ عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ قَبْل هَذَا. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُرْوَة بْن عَامِر الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ذَكَرْت الطِّيَرَة عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : ( أَحْسَنهَا الْفَأْل , وَلَا يَرُدّ مُسْلِمًا , فَإِذَا رَأَى أَحَدكُمْ مَا يَكْرَه فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ , وَلَا يَدْفَع السَّيِّئَات إِلَّا أَنْتَ , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِك ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء يَخُطّ فَمَنْ وَافَقَ خَطّه فَذَاكَ ) هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الصَّلَاة.