( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوق الْأُمَّهَات , وَوَأْد الْبَنَات , وَمَنْعًا وَهَاتِ , وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا : قِيلَ وَقَالَ , وَكَثْرَة السُّؤَال وَإِضَاعَة الْمَال ) أَمَّا ( عُقُوق الْأُمَّهَات ) فَحَرَام , وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى عَدِّهِ مِنْ الْكَبَائِر , وَكَذَلِكَ عُقُوق الْآبَاء مِنْ الْكَبَائِر , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ هُنَا عَلَى الْأُمَّهَات لِأَنَّ حُرْمَتهنَّ آكَد مِنْ حُرْمَة الْآبَاء , وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ لَهُ السَّائِل : مَنْ أَبَرّ ؟ قَالَ : " أُمّك ثُمَّ أُمّك " ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَة : " ثُمَّ أَبَاك ". وَلِأَنَّ أَكْثَر الْعُقُوق يَقَع لِلْأُمَّهَاتِ , وَيَطْمَع الْأَوْلَاد فِيهِنَّ , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان حَقِيقَة الْعُقُوق , وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي كِتَاب الْإِيمَان. وَأَمَّا ( وَأْد الْبَنَات ) بِالْهَمْزِ , فَهُوَ دَفْنهنَّ فِي حَيَاتهنَّ ; فَيَمُتْنَ تَحْت التُّرَاب , وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر الْمُوبِقَات , لِأَنَّهُ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ حَقٍّ , وَيَتَضَمَّن أَيْضًا قَطِيعَة الرَّحِم , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الْبَنَات , لِأَنَّهُ الْمُعْتَاد الَّذِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ. وَأَمَّا
قَوْله : ( وَمَنْعًا وَهَاتِ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَلَا وَهَاتِ ) فَهُوَ بِكَسْرِ التَّاء مِنْ ( هَاتِ ). وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّهُ نَهْي أَنْ يَمْنَع الرَّجُل مَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق أَوْ يَطْلُب مَا لَا يَسْتَحِقّهُ , وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَرَّمَ ثَلَاثًا وَكَرِهَ ثَلَاثًا ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَة فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة لِلتَّنْزِيهِ , لَا لِلتَّحْرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.