انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦1436⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( أَتَحَنَّثُ ) بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ : أَتَقَرَّبُ , وَالْحِنْث فِي الْأَصْلِ الْإِثْم , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أُلْقِي عَنِّي الْإِثْم. وَلَمَّا أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي الْأَدَبِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِي آخِرِهِ : وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْيَمَانِ أَتَحَنَّتُ يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَنْ التَّحَنُّتَ التَّبَرُّرُ , قَالَ : وَتَابَعَهُ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ. وَحَدِيثُ هِشَام أَوْرَدَهُ فِي الْعِتْقِ بِلَفْظ " كُنْت أَتَحَنَّتُ بِهَا " يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا. قَالَ عِيَاض : رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُثَنَّاةِ , وَبِالْمُثَلَّثَةِ أَصَحُّ رِوَايَةً وَمَعْنًى.

قَوْله : ( مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَة أَوْ صِلَة ) كَذَا هُنَا بِلَفْظ " أَوْ " وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْب الْمَذْكُورَةِ بِالْوَاو فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَسَقَطَ لَفْظ " الصَّدَقَة " مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر , وَفِي رِوَايَةِ هِشَام الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَتَيْ رَقَبَةٍ , وَحَمَلَ عَلَى مِائَتَيْ بَعِير. وَزَادَ فِي آخِرِهِ " فَوَاللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا فَعَلْت فِي الْإِسْلَامِ مِثْله ".

قَوْله : ( أَسْلَمْتُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ ) قَالَ الْمَازِرِيّ : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي أَسْلَفَهُ كُتِبَ لَهُ , وَالتَّقْدِير أَسْلَمْتُ عَلَى قَبُولِ مَا سَلَفَ لَك مِنْ خَيْرٍ. وَقَالَ الْحَرْبِيّ : مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ لَك مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي عَمِلْتُهُ هُوَ لَك , كَمَا تَقُولُ أَسْلَمْتُ عَلَى أَنْ أَحُوزَ لِنَفْسِي أَلْفَ دِرْهَم , وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْكَافِرَ لَا يُثَابُ فَحُمِلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوهٍ أُخْرَى مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّك بِفِعْلِك ذَلِكَ اِكْتَسَبْت طِبَاعًا جَمِيلَةً فَانْتَفَعْت بِتِلْكَ الطِّبَاعِ فِي الْإِسْلَامِ , وَتَكُونُ تِلْكَ الْعَادَة قَدْ مَهَّدَتْ لَك مَعُونَة عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ , أَوْ أَنَّك اِكْتَسَبْت بِذَلِكَ ثَنَاءً جَمِيلًا فَهُوَ بَاقٍ لَك فِي الْإِسْلَامِ , أَوْ أَنَّك بِبَرَكَةِ فِعْلِ الْخَيْرِ هُدِيتَ إِلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْمَبَادِئَ عُنْوَان الْغَايَات , أَوْ أَنَّك بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ رُزِقْت الرِّزْق الْوَاسِع. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّى عَنْ جَوَابِهِ , فَإِنَّهُ سَأَلَ : هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ ؟ فَقَالَ : أَسْلَمْت عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْر. وَالْعِتْقُ فِعْل خَيْر , كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّك فَعَلْت الْخَيْرَ وَالْخَيْرُ يُمْدَحُ فَاعِله وَيُجَازَى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا , فَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَنَس مَرْفُوعًا " أَنَّ الْكَافِرَ يُثَابُ فِي الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ حَسَنَة ".

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ