قَوْله : ( إِنَّمَا مَثَل صَاحِب الْقُرْآن ) أَيْ مَعَ الْقُرْآن , وَالْمُرَاد بِالصَّاحِبِ الَّذِي أَلِفَه , قَالَ عِيَاض : الْمُؤَالَفَة الْمُصَاحَبَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَصْحَاب الْجَنَّة , وَقَوْله أَلِفَه أَيْ أَلِف تِلَاوَته , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَأْلَفهَا نَظَرًا مِنْ الْمُصْحَف أَوْ عَنْ ظَهْرِ قَلْب , فَإِنَّ الَّذِي يُدَاوِم عَلَى ذَلِكَ يُذَلّ لَهُ لِسَانه وَيَسْهُل عَلَيْهِ قِرَاءَته , فَإِذَا هَجَرَهُ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَة وَشَقَّتْ عَلَيْهِ , وَقَوْله " إِنَّمَا " يَقْتَضِي الْحَصْر عَلَى الرَّاجِح , لَكِنَّهُ حَصْرٌ مَخْصُوص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحِفْظ وَالنِّسْيَان بِالتِّلَاوَةِ وَالتَّرْك.
قَوْله : ( كَمِثْلِ صَاحِب الْإِبِل الْمُعَقَّلَة ) أَيْ مَعَ الْإِبِل الْمُعَقَّلَة. وَالْمُعَقَّلَة بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْقَاف أَيْ الْمَشْدُودَة بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ فِي رُكْبَة الْبَعِير , شَبَّهَ دَرْسَ الْقُرْآن وَاسْتِمْرَار تِلَاوَته بِرَبْطِ الْبَعِير الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ الشِّرَاد , فَمَا زَالَ التَّعَاهُد مَوْجُودًا فَالْحِفْظ مَوْجُود , كَمَا أَنَّ الْبَعِير مَا دَامَ مَشْدُودًا بِالْعِقَالِ فَهُوَ مَحْفُوظ. وَخَصَّ الْإِبِل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدّ الْحَيَوَان الْإِنْسِيّ نُفُورًا , وَفِي تَحْصِيلهَا بَعْد اِسْتِمْكَان نُفُورهَا صُعُوبَة.
قَوْله : ( إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا ) أَيْ اِسْتَمَرَّ إِمْسَاكه لَهَا , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم " فَإِنْ عَقَلَهَا حَفِظَهَا ".
قَوْله : ( وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ ) أَيْ اِنْفَلَتَتْ. وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم " إِنْ تَعَاهَدَهَا صَاحِبهَا فَعَقَلَهَا أَمْسَكَهَا , وَإِنْ أَطْلَقَ عُقُلَهَا ذَهَبَتْ " وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع إِذَا قَامَ صَاحِب الْقُرْآن فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار ذَكَرَهُ , وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ.