الفرق بين العالِم والعلاَّمة والداعية والشيخ

منذ ظهور الإسلام وإلى يومنا هذا، تميزت الساحة الدينية بظهور علماء وفقهاء يَدعُون إلى الإسلام ويُعرِّفون بمكارمه وأحكامه ومقاصده، حيث يخاطب كل واحد منهم الناس بوسائل متنوعة، ومقاربات متباينة، بعضها تقليديٌّ صِرْفٌ، وآخَر مستحدَثٌ يواكب العصر، وبينهما مقاربات وَسَطية تنهل من الماضي والحاضر في قالَب معتدِل. وبغض النظر عن التيارات الفكرية والانتماءات المذهبية لهؤلاء، ومدى نجاحهم في إيصال رسالة الإسلام والدعوة إليه، يناقش هذا المقال تعدُّد التسميات والألقاب المرتبطة بهم من خلال تبيان الفرق بين العالِم، والعلاَّمة، والشيخ، والداعية.

بإلقاء نظرة أولى على هذا الموضوع تبدو ألقاب العالِم، والعلاَّمة، والشيخ، والداعية متشابهة ومتقاربة إلى حد كبير، ومن العامة من لا يُفرق بينها فيستخدمها كمترادفات تدل على كل من يشتغل في الحقل الديني، فهناك من يُطْلِق لقب العالم على الداعية، وهناك من يسمي الشيخ علاَّمة، ومن الناس من يطلق التسميات الأربع على خطيب المسجد أو فقيه الحي مثلا، وقد يضيف إليها تسميات أخرى على سبيل التعظيم والتمجيد. والواقع أن هناك فرقا بين هذه التسميات رغم إمكانية اجتماعها في شخص واحد إذا توفرت فيه عدد من الشروط والصفات.

من هو العالم ؟

للعلماء في الإسلام مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة، فهم وَرَثةُ الأنبياء، وحاملوا مشعل هذا الدين، وحُماتُه الفكريون من كل زَيْغٍ أو تحريف أو تزوير. وقد ذَكَرهم الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: [إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ]. والعالِم كما يرى أهل الشرع هو المشتغِل بالعلم الشرعي، المُلِمُّ بأحكام الكتاب والسنة، العارف بقواعد اللغة، المُطَّلِع على أقاويل السلف، المُدرِك لما أجمعوا عليه واختلفوا فيه. وهو الذي لا يَقطع العلمَ عن نفسه، ولا ينقطع عن الناس علمُه. وقد ورد في الأثر أن موسى عليه السلام سأل ربه أي عبادك أعلم؟ قال: (الذي لا يشبع من العلم.)

من هو العلاَّمة ؟

العلاَّمة شخص فاقَ درجة العالِم وتخطَّاها، وينطبق ذلك على كل من شهد له العلماء بغزارة العلم وسلامة الدِّين، وحصافة الرأي، وفصاحة اللسان، والإلمام بأحكام الدين قديمها وحديثها، ظاهرها وباطنها، واضحها ومتشابهها. ومن الإشارات الدالة على علو هذه المرتبة أن لفظة العلاَّمة مبنية على صيغة المبالغة بوزن (فعَّالة)، لذلك يقتصر إطلاق هذا اللقب على صنف مخصوص من أهل العلم يفترض فيهم أن يكونوا متبحرِّين في شتى أنواع المعرفة، عارفين بمختلف فنون العلم وضُروبِه كالنحو والفقه والقراءات والحديث ونحو ذلك.

من هو الداعية ؟

يُطلَق لقب الداعية على من يشتغل بالدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، ويُشترط في الداعية أن تتوفر فيه عوامل التأهيل والتكليف الشرعي، وأن يجمع عددا من المميزات لخصها العلماء في ست صفات أولها أن يلتزم بما يدعو إليه، وثانيها أن يخلص لله عز وجل في الدعوة، وثالثها أن يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة، ورابعها أن يكون متبصرا، وخامسها أن يكون صبورا متحملا لمشاق الدعوة، وسادسها أن يكون صدوقا في القول والعمل. وتنضاف لهذه الصفات المخصوصة صفات عامة كالعفة والأمانة والحياء وغيرها من الصفات الجليلة التي تقرب الداعية من الناس وتقربهم منه.

من هو الشيخ ؟

يُعتبر لقب الشيخ من الإصطلاحات الحديثة التي لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان مقتصرا على كبار السن فقط، وقد ورد في القرآن الكريم على لسان إخوة يوسف بقولهم (وأبونا شيخ كبير). ورغم ذلك، لا يدخل هذا اللقب في باب البدع لأنه وُضِع للتميز والتصنيف فقط. ويرى أهل العلم أن لقب الشيخ يُطلَق على الشخص الذي رسخ في العلم بعد سنوات من الطلب والتحصيل، ويرتبط هذا اللقب غالبا بالعلماء من كبار السن توقيرا لهم وتعظيما لشأنهم واعترافا بحكمتهم العلمية ورزانتهم الفكرية ورؤيتهم الثاقبة للعالم والأشياء من حولهم.

من خلال ما سبق، يتضح أن العلامة يختلف عن العالم من حيث المرتبة ببلوغه أقصى درجات العلم الشرعي والمعرفة الدينية، أما العالم فيختلف عن الداعية من حيث عمق الاجتهاد والإحاطة بالعلوم الشرعية، على عكس الداعية الذي يشتغل في مجال الدعوة بنقل الأحكام والفتاوى التي يصدرها الفقهاء والعلماء. ويتشابه الشيخ مع هؤلاء في إلمامه بالعلوم الشرعية والأحكام الإسلامية، لكنهم يختلف عنهم بالخبرة الطويلة والرؤية العميقة والحكمة والتبصر، كما يختلف عنهم بعمره الطويل وإن كان السن في هذه الحالة مسألة ثانوية.

مشاركة هذا المقال:

تعليقات

  1. مقال جميل جدا .. لكن لازلت غير فاهمة لمرتبة الشيخ فهي تبدو لي مشابهة للعالم .. فهي لا تطلق فقط على الكبار في السن من العلماء .. ولكن ما اظنه انها كلمة دارجة تصلح ان تطلق لكل الانواع الاخرى.