انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح مسلم ⁦1277a⁩

النووي — المنهاج شرح صحيح مسلم

قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ : إِنَّ السَّعْي لَيْسَ بِوَاجِبٍ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّف بِهِمَا } وَأَنَّ عَائِشَة أَنْكَرَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ : لَا يَتِمّ الْحَجّ إِلَّا بِهِ , وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُول يَا عُرْوَة لَكَانَتْ فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّف بِهِمَا ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا مِنْ دَقِيق عِلْمهَا وَفَهْمهَا الثَّاقِب وَكَبِير مَعْرِفَتهَا بِدَقَائِق الْأَلْفَاظ ; لِأَنَّ الْآيَة الْكَرِيمَة إِنَّمَا دَلَّ لَفْظهَا عَلَى رَفْع الْجُنَاح عَمَّنْ يَطَّوَّف بِهِمَا , وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى عَدَم وُجُوب السَّعْي , وَلَا عَلَى وُجُوبه , فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا - أَنَّ الْآيَة لَيْسَتْ فِيهَا دَلَالَة لِلْوُجُوبِ وَلَا لِعَدَمِهِ , وَبَيَّنَتْ السَّبَب فِي نُزُولهَا , وَالْحِكْمَة فِي نَظْمهَا , وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَار حِين تَحَرَّجُوا مِنْ السَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة فِي الْإِسْلَام , وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَمَا يَقُول عُرْوَة لَكَانَتْ فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّف بِهِمَا , وَقَدْ يَكُون الْفِعْل وَاجِبًا وَيَعْتَقِد إِنْسَان أَنَّهُ يُمْنَع إِيقَاعه عَلَى صِفَة مَخْصُوصَة , وَذَلِكَ كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاة الظُّهْر وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجُوز فِعْلهَا عِنْد غُرُوب الشَّمْس , فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيُقَال فِي جَوَابه : لَا جُنَاح عَلَيْك إِنْ صَلَّيْتهَا فِي هَذَا الْوَقْت , فَيَكُون جَوَابًا صَحِيحًا , وَلَا يَقْتَضِي نَفْي وُجُوب صَلَاة الظُّهْر. قَوْلهَا : ( وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَنْصَار كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّة لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطّ الْبَحْر يُقَال لَهُمَا : إِسَاف وَنَائِلَة ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , قَالَ : وَهُوَ غَلَط , وَالصَّوَاب مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَات الْأُخَر فِي الْبَاب ( يُهِلُّونَ لِمَنَاة ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( لِمَنَاة الطَّاغِيَة الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ ) قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَ ( مَنَاة ) صَنَم كَانَ نَصَبَهُ عَمْرو بْن لُحَيّ فِي جِهَة الْبَحْر بِالْمُشَلَّلِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدًا , وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي هَذَا الْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ , وَكَانَتْ الْأَزْد وَغَسَّان تُهِلّ لَهُ بِالْحَجِّ , وَقَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : ( مَنَاة ) صَخْرَة لِهُذَيْل بِقُدَيْد. وَأَمَّا ( إِسَاف وَنَائِلَة ) فَلَمْ يَكُونَا قَطُّ فِي نَاحِيَة الْبَحْر , وَإِنَّمَا كَانَا فِيمَا يُقَال رَجُلًا وَامْرَأَة , فَالرَّجُل اِسْمه إِسَاف بْن بَقَاء , وَيُقَال اِبْن عَمْرو , وَالْمَرْأَة اِسْمهَا نَائِلَة بِنْت ذِئْب , وَيُقَال بِنْت سَهْل , قِيلَ : كَانَا مِنْ جُرْهُم فَزَنَيَا دَاخِل الْكَعْبَة , فَمَسَخَهُمَا اللَّه حَجَرَيْنِ , فَنُصِّبَا عِنْد الْكَعْبَة , وَقِيلَ : عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِيَعْتَبِر النَّاس بِهِمَا وَيَتَّعِظُوا , ثُمَّ حَوَّلَهُمَا قُصَيّ بْن كِلَاب فَجَعَلَ أَحَدهمَا مُلَاصِق الْكَعْبَة وَالْآخَر بِزَمْزَم , وَقِيلَ : جَعَلَهُمَا بِزَمْزَم , وَنَحَرَ عِنْدهمَا وَأَمَرَ بِعِبَادَتِهِمَا فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة كَسَرَهُمَا. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ