قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( غَزَا نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام فَقَالَ لِقَوْمِهِ : لَا يَتْبَعنِي رَجُل قَدْ مَلَكَ بُضْع اِمْرَأَة وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَبْنِيَ بِهَا , وَلَمَّا يَبْنِ , وَلَا آخَر قَدْ بَنَى بُنْيَانًا وَلَمَّا يَرْفَع سَقْفهَا , وَلَا آخَر قَدْ اِشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَات وَهُوَ مُنْتَظِر وِلَادهَا ) , أَمَّا ( الْبُضْع ) فَهُوَ بِضَمِّ الْبَاء , وَهُوَ فَرْج الْمَرْأَة. وَأَمَّا ( الْخَلِفَات ) فَبِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام وَهِيَ الْحَوَامِل. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْأُمُور الْمُهِمَّة يَنْبَغِي أَنْ لَا تُفَوَّض إِلَّا إِلَى أُولِي الْحَزْم وَفَرَاغ الْبَال لَهَا , وَلَا تُفَوَّض إِلَى مُتَعَلِّق الْقَلْب بِغَيْرِهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِف عَزْمه , وَيُفَوِّت كَمَال بَذْل وُسْعه فِيهِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَغَزَا فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ حِين صَلَاة الْعَصْر ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( فَأَدْنَى ) بِهَمْزَةِ قَطْع , قَالَ الْقَاضِي : كَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( فَأَدْنَى ) رُبَاعِيّ إِمَّا أَنْ يَكُون تَعْدِيَة لِدَنَى. أَيْ قَرُبَ فَمَعْنَاهُ : أَدْنَى جُيُوشه وَجُمُوعه لِلْقَرْيَةِ , وَإِمَّا أَنْ يَكُون ( أَدْنَى ) بِمَعْنَى حَانَ أَيْ قَرُبَ فَتْحهَا , مِنْ قَوْلهمْ : أَدْنَتْ النَّاقَة إِذَا حَانَ نِتَاجهَا , وَلَمْ يَقُولُوهُ فِي غَيْر النَّاقَة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَالَ لِلشَّمْسِ : أَنْتِ مَأْمُورَة وَأَنَا مَأْمُور , وَاَللَّهُمَّ اِحْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّه الْقَرْيَة ) قَالَ الْقَاضِي : اُخْتُلِفَ فِي حَبْس الشَّمْس الْمَذْكُور هُنَا , فَقِيلَ : رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجهَا , وَقِيلَ : وُقِفَتْ وَلَمْ تُرَدّ , وَقِيلَ : أُبْطِئَ بِحَرَكَتِهَا , وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة. قَالَ : وَيُقَال : إِنَّ الَّذِي حُبِسَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس يُوشَع بْن نُون قَالَ الْقَاضِي - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبِسَتْ لَهُ الشَّمْس مَرَّتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا يَوْم الْخَنْدَق حِين شُغِلُوا عَنْ صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَرَبَتْ فَرَدَّهَا اللَّه عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْر , ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ , وَقَالَ : رُوَاته ثِقَات. وَالثَّانِيَة : صَبِيحَة الْإِسْرَاء حِين اِنْتَظَرَ الْعِير الَّتِي أَخْبَرَ بِوُصُولِهَا مَعَ شُرُوق الشَّمْس , ذَكَرَهُ يُونُس بْن بُكَيْرٍ فِي زِيَادَته عَلَى سِيرَة اِبْن إِسْحَاق. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتْ النَّار لِتَأْكُلَهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ فَقَالَ : فِيكُمْ غُلُول ) هَذِهِ كَانَتْ عَادَة الْأَنْبِيَاء - صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ - فِي الْغَنَائِم أَنْ يَجْمَعُوهَا فَتَجِيء نَار مِنْ السَّمَاء فَتَأْكُلهَا , فَيَكُون ذَلِكَ عَلَامَة لِقَبُولِهَا , وَعَدَم الْغُلُول , فَلَمَّا جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْمَرَّة فَأَبَتْ أَنْ تَأْكُلَهَا عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ غُلُولًا , فَلَمَّا رَدُّوهُ جَاءَتْ فَأَكَلَتْهَا , وَكَذَلِكَ كَانَ أَمْر قُرْبَانهمْ إِذَا تُقُبِّلَ جَاءَتْ نَار مِنْ السَّمَاء فَأَكَلَتْهُ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَوَضَعُوهُ فِي الْمَال وَهُوَ بِالصَّعِيدِ ) يَعْنِي : وَجْه الْأَرْض. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : إِبَاحَة الْغَنَائِم لِهَذِهِ الْأُمَّة زَادَهَا اللَّه شَرَفًا , وَأَنَّهَا مُخْتَصَّة بِذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.