انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح مسلم ⁦1779⁩

النووي — المنهاج شرح صحيح مسلم

قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ أَصْحَابه حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَال أَبِي سُفْيَان فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْر فَأَعْرَضَ عَنْهُ , ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَر فَأَعْرَضَ عَنْهُ , فَقَامَ سَعْد بْن عُبَادَةَ فَقَالَ : إِيَّانَا تُرِيد يَا رَسُول اللَّه ! وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتنَا أَنْ نُخِيضهَا لَأَخَضْنَاهَا ) قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا قَصَدَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتِبَار الْأَنْصَار ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ لِلْقِتَالِ وَطَلَب الْعَدُوّ , وَإِنَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّنْ يَقْصِدهُ , فَلَمَّا عَرَضَ الْخُرُوج لِعِيرِ أَبِي سُفْيَان أَرَادَ أَنْ يَعْلَم أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَابُوهُ أَحْسَنَ جَوَاب بِالْمُوَافَقَةِ التَّامَّة فِي هَذِهِ الْمَرَّة وَغَيْرهَا. وَفِيهِ اِسْتِشَارَة الْأَصْحَاب وَأَهْل الرَّأْي وَالْخِبْرَة.

قَوْله : ( أَنْ نُخِيضهَا ) يَعْنِي : الْخَيْل , وَقَوْله : ( بَرْك الْغِمَاد ) أَمَّا ( بَرْك ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَإِسْكَان الرَّاء هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف الْمَشْهُور فِي كُتُب الْحَدِيث وَرِوَايَات الْمُحَدِّثِينَ , وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْمُحَدِّثِينَ , قَالَ : وَقَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : صَوَابه كَسْر الرَّاء , قَالَ : وَكَذَا قَيَّدَهُ شُيُوخ أَبِي ذَرّ فِي الْبُخَارِيّ , كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْح مُسْلِم , وَقَالَ فِي الْمَشَارِق : هُوَ بِالْفَتْحِ لِأَكْثَر الرُّوَاة , قَالَ : وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ وَالْمُسْتَعْمِلِيّ وَأَبِي مُحَمَّد الْحَمَوِيِّ بِالْكَسْرِ , قُلْت : وَذَكَرَهُ جَمَاعَة مِنْ أَهْل اللُّغَة بِالْكَسْرِ لَا غَيْر , وَاتَّفَقَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ الرَّاء سَاكِنَة إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِإِسْكَانِهَا وَفَتْحهَا , وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف. وَأَمَّا ( الْغِمَاد ) فَبِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَكْسُورَة وَمَضْمُومَة لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , لَكِنَّ الْكَسْر أَفْصَح , وَهُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَات الْمُحَدِّثِينَ , وَالضَّمّ هُوَ الْمَشْهُور فِي كُتُب اللُّغَة , وَحَكَى صَاحِب الْمَشَارِق وَالْمَطَالِع الْوَجْهَيْنِ عَنْ اِبْن دُرَيْدٍ , وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي الشَّرْح : ضَبَطْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْكَسْرِ , قَالَ : وَحَكَى اِبْن دُرَيْدٍ فِيهِ الضَّمّ وَالْكَسْر , وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابه " الْمُؤْتَلِف وَالْمُخْتَلِف " فِي أَسْمَاء الْأَمَاكِن , هُوَ بِكَسْرِ الْغَيْن , وَيُقَال : بِضَمِّهَا , قَالَ : وَقَدْ ضَبَطَهُ اِبْن الْفُرَات فِي أَكْثَر الْمَوَاضِع بِالضَّمِّ , لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا سَمِعْته مِنْ الْمَشَايِخ بِالْكَسْرِ , قَالَ : وَهُوَ مَوْضِع مِنْ وَرَاء مَكَّة بِخَمْسِ لَيَالٍ بِنَاحِيَةِ السَّاحِل , وَقِيلَ : بَلْدَتَانِ , هَذَا قَوْل الْحَازِمِيِّ , وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : هُوَ مَوْضِع بِأَقَاصِي هَجَر , وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : بَرْك الْغِمَاد وَسَعَفَات هَجَر كِنَايَة يُقَال فِيمَا تَبَاعَدَ.

قَوْله : ( وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِم يُصَلِّي فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اِنْصَرَفَ , قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ ) مَعْنَى اِنْصَرَفَ : سَلَّمَ مِنْ صَلَاته. فَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَخْفِيفهَا إِذَا عَرَضَ أَمْر فِي أَثْنَائِهَا , وَهَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخ ( تَضْرِبُوهُ وَتَتْرُكُوهُ ) بِغَيْرِ نُون , وَهِيَ لُغَة سَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات , أَعْنِي حَذْف النُّون بِغَيْرِ نَاصِب وَلَا جَازِم. وَفِيهِ جَوَاز ضَرْب الْكَافِر الَّذِي لَا عَهْد لَهُ , وَإِنْ كَانَ أَسِيرًا. وَفِيهِ مُعْجِزَتَانِ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة إِحْدَاهُمَا : إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَصْرَعِ جَبَابِرَتهمْ , فَلَمْ يَنْفُذ أَحَد مَصْرَعه. الثَّانِيَة : إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْغُلَام الَّذِي كَانُوا يَضْرِبُونَهُ يَصْدُق إِذَا تَرَكُوهُ , وَيَكْذِب إِذَا ضَرَبُوهُ , وَكَانَ كَذَلِكَ فِي نَفْس الْأَمْر. وَاَللَّه أَعْلَم.

قَوْله : ( فَمَاطَ أَحَدهمْ ) أَيْ تَبَاعَدَ.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ