انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح مسلم ⁦2655⁩

النووي — المنهاج شرح صحيح مسلم

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ قُلُوب بَنِي آدَم كُلّهَا بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَن كَقَلْبٍ وَاحِد يُصَرِّفهُ حَيْثُ يَشَاء ) هَذَا مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات , وَفِيهَا الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ قَرِيبًا : أَحَدهمَا الْإِيمَان بِهَا مِنْ غَيْر تَعَرُّض لِتَأْوِيلٍ وَلَا لِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى , بَلْ يُؤْمَن بِأَنَّهَا حَقٌّ , وَأَنَّ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد. قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } وَالثَّانِي يُتَأَوَّل بِحَسَبِ مَا يَلِيق بِهَا , فَعَلَى هَذَا الْمُرَاد الْمَجَاز كَمَا يُقَال : فُلَان فِي قَبْضَتِي , وَفِي كَفِّي , لَا يُرَاد بِهِ أَنَّهُ حَال فِي كَفّه , بَلْ الْمُرَاد تَحْت قُدْرَتِي. وَيُقَال : فُلَان بَيْن إِصْبَعِي أُقَلِّبهُ كَيْف شِئْت أَيْ أَنَّهُ مِنِّي عَلَى قَهْره وَالتَّصَرُّف فِيهِ كَيْف شِئْت. فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى مُتَصَرِّف فِي قُلُوب عِبَاده وَغَيْرهَا كَيْف شَاءَ , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء , وَلَا يَفُوتهُ مَا أَرَادَهُ , كَمَا لَا يَمْتَنِع عَلَى الْإِنْسَان مَا كَانَ بَيْن إِصْبَعَيْهِ. فَخَاطَبَ الْعَرَب بِمَا يَفْهَمُونَهُ , وَمَثَّلَهُ بِالْمَعَانِي الْحِسِّيَّة تَأْكِيدًا لَهُ فِي نُفُوسهمْ. فَإِنَّ قِيلَ : فَقُدْرَة اللَّه تَعَالَى وَاحِدَة , وَالْإِصْبَعَانِ لِلتَّثْنِيَةِ. فَالْجَوَاب أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا مَجَاز وَاسْتِعَارَة , فَوَقَعَ التَّمْثِيل بِحَسَبِ مَا اِعْتَادُوا غَيْر مَقْصُود بِهِ التَّثْنِيَة وَالْجَمْع. وَاَللَّه أَعْلَم.

العودة إلى الحديث

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 2 جمادى الأولى 1448 هـ