جَاءَت أُمُّ حَفِيد بِنتُ الحارِث، وهِي هُزَيلَة بنت الحارث جاءَت إلى أُخْتِهَا مَيْمُونَة زَائِرَةً لَها ومَعها شَيءٌ من الهدَايا وكان من ضِمْن الهدَايا ضَبٌّ، وقَدْ حَضَرَ ذَلِكَ الْغَدَاء أَبْنَاءُ أَخوَات ميمونة، فخالد بن الوليد هُو ابن أُخْتِها؛ ميمُونة خَالَتُه، وعبدالله بن عباس والفضل بن عباس هي خالتُهما أيضاً.
ولما وُضِعَ الغَدَاءُ ومَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم يَدَهُ إلى اللحْمِ لِيَأْكُل منْه قالت نِسْوَةٌ ممن في البيت أخْبِرُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بما يريد أنْ يَأْكُل، فقِيلَ لَه: إنَّه لَحمُ ضب فرفع يدَه ولم يأكل فقال له خالد: أحرامٌ هو يا رسول الله؟ قَال: لا ولكنه لم يكُن بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُني أعافُهُ، أي: أتقذر منه قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر.
من فوائد الحديث
جواز أكل الضب.
أن الكراهة الطبيعية من النبي -صلى الله عليه وسلم- للشيء لا تحرمه؛ لأن هذا شيء ليس له تعلق بالشرع، ومرده النفوس والطباع.
حُسنُ خُلُقِ النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ لم يعب الطعام، وهذه عادته الكريمة، إن طاب له الطعام أكل منه، وإلا تركه من غير عيبه.
أن النفس وما اعتادته، فلا ينبغي إكراهها علَى أكل ما لا تشتهيه وما لا تستطيبه، فإن الذي لا ترغبه لا يكون مريئا، فيخل بالصحة.
فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ الله-صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ
أَي مَدَّ يَدَهُ إِلَيْه لِيَأْكُلَ منه.
أعَافُهُ
أَكْرَهُهُ تَقَذُّراً.
شرح آخر
أحَلَّ اللهُ سُبحانَه الطَّيِّباتِ لِلنَّاسِ وحَرَّمَ عليهمُ الخَبائِثَ، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعافُ أكْلَ الضَّبِّ، ولكِنَّه لم يُحرِّمْه.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ أبو أُمامَةَ بنُ سَهلِ بنِ حُنَيْفٍ الأنصاريُّ: إنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخبرَه أنَّ خالدَ بنَ الوَليدِ الَّذي يُقالُ لَه: سَيفُ اللهِ، وهوَ اسمٌ لَه سَمَّاهُ بِه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أخبرَه أنَّه دَخلَ مَع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أمِّ المؤمنين مَيمونَةَ رضِيَ اللهُ عنها، وهيَ خالةُ خالدِ بنِ الوَليدِ وخالةُ ابنِ عَبَّاسٍ، «فوَجدَ عِندَها ضَبًّا» وهو حيوانٌ مِن الزَّواحفِ، ويَكثُر في الصَّحارِي العَرَبيَّةِ يأكُلُه العَرَبُ «مَحْنُوذًا»، أي: مَشويًّا، قَدِمَت بِه أُختُها حُفَيدَةُ بِنتُ الحارثِ مِن نَجْدٍ، وهي أحَدُ أقاليمِ شِبهِ الجزيرةِ العربيَّة التاريخيَّةِ، وأكبَرُها مساحةً، وتُشَكِّلُ اليومَ مَنطِقةُ الرِّياضِ، ومَنطِقةُ القصيم، ومَنطِقةُ حائِل، والأجزاءُ الشَّرقيَّةُ لِمَنطقةِ مكَّةَ المكَرَّمة، ومناطِقُ نجدٍ الشَّرقيَّة؛ مِثلُ هَضبةِ الصمان، فَقَدَّمت مَيمونةُ رَضيَ اللهُ عنها الضَّبَّ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، «وَكان قَلَّما يُقدِّمُ يَدَه لِطعامٍ حتَّى يُحدَّثَ به ويُسمَّى لَه»، يَعني: يُذكَرَ لَه نَوعُ الطَّعامِ، فأَهوى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه إلى الضَّبِّ، يريدُ أن يأخُذَ منه ويأكُلَ، فأمَرَتِ امرأةٌ من الحاضرين -قيل: هي ميمونةُ بنتُ الحارِثِ رَضِيَ اللهُ عنها- أن يخبِروا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما يأكُلُ، وَقَالَتْ: هوَ الضَّبُّ يا رَسولَ اللهِ، فامتَنَع النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الأكلِ منه، ورجع بيَدِه، فظَنَّ خالِدٌ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه محَرَّمٌ، ولذلك سأل النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن امتناعِه عن أكلِ الضَّبِّ، وهل حرامٌ أكلُه؟ فَقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا، وَلكِنْ لَمْ يَكنْ بأرضِ قَومي، فأجِدُني أَعَافُه»، يَعني: لَمْ يَكنْ مَعروفًا في مَكَّةَ وَما حَولَها فأجِدُ نَفْسي تَكرَهُه، وَلا تَتوقُ إليه.
فَقالَ خالدٌ بَعْد أنْ تَأكَّد مِن أنَّه حَلالٌ: «فَاجتَررْتُه» أي: سَحَبْتُه، «فأكلْتُه ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنظُرُ إليَّ». وعلى هذا فقد امتَنَع النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أكلِ الضَّبِّ؛ لكراهيةِ نفسِه له لا كراهيةِ الشَّرعِ؛ فدلَّ عَلَى أنَّه ما ترَكَه تَديُّنًا، بل لنُفرةِ طبْعِه منه، ولو كان الضَّبُّ حرامًا ما ترَك أحدًا مِن أصحابِه يأكُلُه.
وفي الحَديثِ: مَشروعيَّةُ أكْلِ الضَّبِّ، وإقرارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك.
وفيه: أنَّ ما عَافَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأَنفِتْ منه نفْسُه مِن أنواعِ الطَّعامِ بسَببِ عدَمِ اعتيادِه عليه؛ ليس مُحرَّمًا.
وفيه: بيانُ أدبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الطَّعامِ، وأنَّه كان إذا كَرِه طَعامًا تَرَكه ولم يَعِبْه.
أحكام العلماء
العالم
الحكم
المحكوم عليه
المصدر
مسلمت 261 هـ
صحيحصحيح
الحديث
صحيح مسلمرقم 1945
أحكام على روايات أخرى (13)
صحيحالألبانيصحيح — صحيح أبي داود (3794)
إسناده صحيحشعيب الأرناؤوطإسناده صحيح على شرط الشيخين — تخريج صحيح ابن حبان (5267)
إسناده صحيحشعيب الأرناؤوطإسناده صحيح على شرط الشيخين — تخريج صحيح ابن حبان (5263)
إسناده صحيحشعيب الأرناؤوطإسناده صحيح على شرط الشيخين — تخريج المسند لشعيب (16813)
إسناده صحيحشعيب الأرناؤوطإسناده صحيح — تخريج المسند لشعيب (16815)
صحيحالبخاريصحيح — صحيح البخاري (5537)
صحيحالبخاريصحيح — صحيح البخاري (5391)
صحيحمسلمصحيح — صحيح مسلم (1946)
أبو داودسكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح — سنن أبي داود (3794)
صحيحابن حبانأخرجه في صحيحه — صحيح ابن حبان (5267)
صحيحابن حبانأخرجه في صحيحه — صحيح ابن حبان (5263)
إسناده صحيحالعينيطريقه صحيح — نخب الافكار (13/114)
إسناده صحيحابن جرير الطبريإسناده صحيح — مسند عمر (1/162)