يخبرنا حُصين بن عبد الرحمن رحمه الله عن محاورة جرت بينه وبين سعيد بن جبير رحمه الله في شأن الرقية، وذلك أن حصينًا لدغته عقرب وارتقى منها بالرقية المشروعة، ولما سأله سعيد عن دليله أخبره بحديث الشعبي الذي يبيح الرقية من العين والسم، فامتدحه سعيد على ذلك، ولكنه روى له حديثًا يحبذ ترك الرقية، هو حديث ابن عباس الذي يتضمن الصفات الأربع التي من اتصف بها استحق الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهي عدم طلب الرقية، وعدم الاكتواء، وعدم التشاؤم، وصدق الاعتماد على الله تعالى ولما طلب عكاشة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو له أن يكون منهم أخبره بأنه معهم، ولما قام رجل آخر لنفس الغرض تلطف معه النبي صلى الله عليه وسلم في المنع سدًّا للباب وقطعًا للتسلسل.
- الكوكب
- النجم.
- انقضَّ
- سقط منه الشهاب.
- لدغْت
- لدغته عقرب -واللدغ: اللسع- أي أصابته بسمها.
- ارتقيت
- طلبت من يرقيني، والرقية: قراءة القرآن والأدعية والشرعية على المصاب بمرض ونحوه.
- ما حملك على ذلك؟
- ما سبب فعلك ذلك أو ما حُجَّتك على جواز ذلك؟
- لا رقية
- لا رقية أنفع وأولى.
- عين
- العين: إصابة العائن غيرَه بعينه.
- أو حُمَة
- الحمة: سم العقرب وشبهها.
- من انتهى إلى ما سمع
- أخذ بما بلغه من العلم بخلاف من يعمل على جهل أو لا يعمل بما يعلم.
- عرضت علي الأمم
- قيل كان ذلك ليلة الإسراء، أي أراه الله مثالَها إذا جاءت يوم القيامة.
- الرهط
- الجماعة دون العشرة.
- ليس معه أحد
- لم يتبعه من قومه أحد.
- سواد عظيم
- أشخاص كثيرون.
- فظننت أنهم أمتي
- لكثرتهم وبعده عنهم فلا يميز أعيانهم.
- فخاض الناس في أولئك
- تباحث الحاضرون واختلفوا في تعيين السبعين ألفًا.
- بلا حساب ولا عذاب
- لا يحاسبون ولا يعذبون قبل دخولهم الجنة لتحقيقهم التوحيد.
- لا يسترقون
- لا يطلبون من يرقيهم استغناء عن الناس.
- ولا يكتوون
- لا يسألون غيرهم أن يكويهم بالنار ولا يعالجون أنفسهم بالكي.
- ولا يتطيرون
- لا يتشاءمون بالطيور ونحوها.
- وعلى ربهم يتوكلون
- يعتمدون في جميع أمورهم عليه لا على غيره ويفوّضون أمورهم إليه.
- سبقك بها عكّاشة
- سبقك إلى إحراز هذه الصفات أو سبقك بالسؤال.
شرح آخر
في هذا الحديثِ يُخبِرُ التابعيُّ عامِرُ بنُ شَراحيلَ الشَّعبيُّ أنَّه سَمِع الصَّحابيَّ عِمرانَ بنَ حُصينٍ رضِي اللهُ عنه يقولُ: «لا رُقْيةَ إلَّا مِن عَيْنٍ أو حُمَةٍ»، أي: ليس هناك أنفَعُ وأكثرُ شِفاءً مِن الرُّقية لِمَن أصابَتْه عَينُ الحسدِ، أو لدَغَتْه الهوامُّ، مثلُ العقاربِ والحيَّاتِ؛ فإنَّ الرُّقيةَ بأسماءِ اللهِ وصِفاتِهِ وبالقرآنِ تَنفَعُ في ذلكَ. وكان سَبَبُ هذا الحديثِ ما رواه مُسلمٌ عن حُصَينِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: كنتُ عند سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، فقال: أيُّكم رأى الكوكَبَ الذي انقَضَّ البارحةَ؟ قلتُ: أنا، ثمَّ قُلتُ: أمَا إنِّي لم أكن في صلاةٍ، ولكِنِّي لُدِغْتُ، قال: فماذا صنَعْتَ؟ قلت: استرقيتُ، قال: فما حملك على ذلك؟ قلتُ: حديثٌ حَدَّثَناه الشَّعبيُّ، فقال: وما حَدَّثكم الشَّعبيُّ؟ قُلتُ: حَدَّثَنا عن بُرَيدةَ بنِ حُصَيبٍ الأسلميٍّ، أنَّه قال: لا رُقيةَ إلَّا مِن عينٍ أو حُمَةٍ، فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكِنْ حَدَّثَنا ابنُ عَبَّاسٍ، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ... كما سيأتي.
فذكر حُصينُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ قولَ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رضِي اللهُ عنه للتابعيِّ سَعيدِ بن ِجُبَيرٍ مُستَفهِمًا عن صِحَّةِ هذا القَولِ، فأجابه سَعيدٌ بما رواه ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «عُرِضَتْ عليَّ الأممُ»، أي: يومَ القيامةِ، ومَاذا يكونُ حالُهُم، وذلكَ مِن إِعلامِ اللهِ له، وممَّا عُرِضَ عليه أنَّ النَّبيَّ والنَّبيَّينِ يَمُرُّون مَعَهُم الرَّهْطُ، والرَّهْطُ: هُم الجماعةُ مِنَ الثَّلاثةِ إلى العَشرةِ، ويمُرُّ النَّبيُّ ليسَ معَه أحدٌ آمَنَ بهِ في الدُّنيا، حتَّى رُفِعَ له سَوادٌ عَظيمٌ، أي: جُموعٌ كَثيفةٌ مَلأَتِ المكانَ والجِهةَ التي أَتتْ منها، فسأل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنهم وظَنَّهم أمَّتَه، فقيلَ له: هذا موسى عليه السَّلامُ، ومن أسلم وآمَنَ باللهِ معه، ثم قيل للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انظُرْ إلى الأُفُقِ الظَّاهِرِ من بعيدٍ، فإذا سَوادٌ يَمَلأُ الأُفقَ، ثمَّ قيل له: انظرْ هاهنا وهاهنا في آفاقِ السماءِ ونواحيها، فإذا سَوادٌ قد ملأَ الأُفقَ، قيل له: هذهِ أُمَّتُكَ، والأفُق هو الجِهةُ، والمعنى: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأى كَثرةَ أتْباعِهِ يومَ القيامةِ بِالمُقارنةِ إلى أَتباعِ الأنبياءِ الآخرينَ، فالمسلمونَ أَعدادُهُم مَلَأتِ الجِهاتِ مِن كَثرَتِها، وهذا مِن فضْلِ اللهِ على نَبيِّه وعلى أُمَّةِ الإسلامِ، ثمَّ أخبَرَ أنَّه «يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعونَ أَلْفًا بِغَيرِ حِسابٍ»، ثُمَّ دخَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُجْرتَه بعد أن حَدَّثَهم بهذا القَدْرِ مِن الحديثِ، ولم يُبيِّنْ لهم صِفاتِ هؤلاءِ الذينَ لا يُحاسَبونَ، فأَفاضَ القَوْمُ، أي: جَعَلوا يُكثِرون الكلامَ في تَعْيينِ السَّبعينَ ألفًا ومَن هم؟ بعْدَ حَديثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهم، وَقالُوا: نَحنُ الذينَ آمنَّا بِاللهِ واتَّبَعْنَا رَسولَهُ، فنحن أَوْلى بأنْ نكونَ مِن السَّبعينَ ألْفًا لهذا السبَّبِ، وقالوا أيضًا: أَوْ أولادُنا الذينَ وُلِدوا في الإِسلامِ؛ فإنَّا وُلِدْنا في الجاهِلِيَّةِ، فَبلَغَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يقوله القوم وما يَتحدَّثون به، فَخَرَجَ فقالَ لهم مُوَضِّحًا صفاتِهم: «هُمُ الَّذينَ لا يَسْتَرْقونَ»، أي: لا يَطْلُبونَ الرُّقْيَةَ مِن أَحدٍ مُطلقًا؛ وذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَكُّلِهمْ على اللهِ وإيمانِهِم بأنَّه المَلْجأُ، «وَلا يَتَطَيَّرونَ»، أي: لا يَتشاءَمونَ بالطُّيورِ ونحوِها، كما كانت عادةُ النَّاسِ قبل الإسلامِ، «ولا يَكْتَوُونَ» بالنَّارِ طَلَبًا للشِّفاءِ، ولا يَعتَقِدون أنَّ الشِّفاءَ يكونُ بالكَيِّ كما كان يعتَقِدُ أهلُ الجاهليَّةِ، وقد ورَدَ النَّهيُ عن الاكْتِواءِ. وهُمْ في كلِّ أحوالِهمْ -ومِنها ما سبَقَ ذِكرُهُ- يَتوكَّلونَ على اللهِ حَقَّ تَوكُّلِهِ، فيُفَوِّضون أمورَهم إليه تعالى في ترتيبِ المُسَبَّباتِ على الأسبابِ مع تهيِئَتِها؛ فاستَحَقُّوا بذلك أن يَدْخلوا الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ، «فقالَ عُكَاشةُ بنُ مِحْصَن: أمِنْهُم أنا يا رَسولَ اللهِ؟» أي: مِن الذين يَدخُلون الجَنَّةَ بغَير حِسابٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نعمْ. وفي روايةٍ أُخرى في الصَّحيحَينِ أنَّه قال للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ادْعُ اللهَ لي يا رسولَ اللهِ أن يجعَلَني منهم. فقال «اللهُمَّ اجعَلْه منهم»، فطَمِع رجلٌ آخرُ في أنْ يكونَ منهم، فقام فقال: «أمِنْهُم أَنا؟ قالَ: سَبَقَكَ بِها عُكَّاشَةُ» وفاز بها لاستِباقِه إليها.
ولعلَّ سَببَ قولِه: «سَبقَكَ بها عُكَّاشَةُ» أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قدْ يَكونُ عَلِم بوَحيٍ مِن اللهِ تَعالَى أنَّه يُجابُ دَعوتُه لعُكَّاشَة، ولم يَكُن ذلِك للآخَرِ، أو لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَعلمُ أنَّ السَّائِلَ الآخَرَ ممَّن لا يَستحِقُّ ذلك، فأجابَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بلفظٍ مُشترَكٍ وبكَلامٍ يَحتمِلُ أنَّ سَبْقَ عُكَّاشةَ بالسُّؤالِ مَنَعَه مِن إجابتِه، وسَتَر حالَ السَّائِل ولم يَهتِكْ سِتْرَه، وهو مِن بابِ المَعاريضِ الجائزةِ، ولم يُصرِّح له بأنَّه ليس منهم ولا مُستحقًّا لتِلك المنزلةِ، وهذا مِن حُسنِ عِشرتِه وجَميلِ صُحْبتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأيضًا لِيَسُدَّ البابَ؛ إذ لو قالَ للثاني: نعَمْ، لأَوْشكَ أنْ يقومَ ثالثٌ ورابعٌ إلى ما لا نِهايةَ له، ويَسألَه الدَّعوةَ أنْ يكونَ منهم، وليسَ كلُّ الناسِ يَصلُح لذلِك.
قيل: إنَّ حديثَ عُمرانَ بنِ حُصينٍ مُثْبَتٌ مِن قَولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه أَمَر بالرُّقيةِ، وثَبَتَ عنه أيضًا أنَّه أَمَر بالتَّداوي، ويُجمَعُ بيْن الحديثينِ: أنَّ النَّهيَ في مَن يَعتقِدُ أنَّ الشِّفاءَ يكونُ في ذاتِ الرُّقيةِ أو ذاتِ الأدويةِ، ولم يَجْعَلوه للهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّها أسبابٌ للشِّفاءِ فقطْ.
وقيل: إنَّ ما وَرَد في النَّهيِ عن الرُّقيةِ ما كان بغَيرِ أسماءِ اللهِ عزَّ وجلَّ وصِفاتِه وغيرِ ذلك.
وفي الحَديثِ: بيانُ فضْلِ اللهِ على المُتوكِّلينَ عليه حقَّ التَّوكُّلِ.
وفيه: بيانُ مَكانةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عندَ اللهِ، حيثُ أَطْلعَه على أحوالِ يومِ القيامةِ، وعِظَمِ ما أكرمَ اللهُ تَعالى به نَبيَّهُ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأُمَّتَه.
وفيه: أهمِّيَّةُ العَمَلِ والأخذِ بالأسبابِ مع التوكُّلِ على اللهِ تعالى، وأنَّه لا تنافيَ بين الأمرَينِ.