باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين والدليل على أن من مات على الشرك فهو في أصحاب الجحيم ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل
طَلَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن عمِّه أبي طالب وهو في سكرات الموت أن ينطق بلا إله إلا الله ليشْفَع له بها يوم القيامة، ويشهد له بالإسلام،
فأبى أن ينطق بالشَّهادة خوفًا مِن أن تَسُبَّه قريش وتقول عنه: إنَّه أسلَم بسبب الخوف مِن الموت والضَّعْف!
فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لولا ذلك لَأدخلت السّرور على قلبك بقول الشَّهادة، وأبلغتك أُمنيتك حتى ترضى!
فأنزل الله تعالى الآية التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك هداية التوفيق للإسلام، بل الله عز وجل وحده يُوفِّق من يشاء.
وأن النبي عليه الصلاة والسلام يهدي الخلق بالدلالة والبيان والإرشاد والدعوة إلى الصراط المستقيم.
من فوائد الحديث
الحق لا يُترك خوفًا من كلام الناس.
النبي صلى الله عليه وسلم إنما يملك هداية الدلالة والإرشاد لا هداية التوفيق.
مشروعية زيارة الكافر المريض لدعوته إلى الإسلام.
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الله تعالى في كل الأحوال.
شرح آخر
هِدايَةُ القُلوبِ بيَدِ اللهِ وَحدَهُ، ولقد كانَ أبو طالِبٍ عمُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّميَحوطُه ويُدافِعُ عنه دِفاعًا شَديدًا.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّه عِندَما حانت وَفاةُ أبي طالبٍ وحَضَرَته عَلاماتُ المَوتِ، جاءَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طامعًا في إسلامِهِ، فقالَ له: «قلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ» يُريدُ منه أن يُؤمِنَ باللهِ عزَّ وجَلَّ ويَعصِمَ بتِلكَ الكَلِمةِ نَفسَه من عَذابِ اللهِ في الآخِرةِ؛ ولهذا قال: «أشهَدُ لكَ بِها يَومَ القيامَةِ»، أي: إن قُلتَها صِرتَ مُسلمًا، فأستَطيعُ أن أشفَعَ لكَ، وكلُّ ذلك تَرغيبٌ لأبي طالِبٍ، وحِرصٌ على نَجاتِه، فرَفَض أبو طالِبٍ ذلك، وقالَ: «لولا أنْ تُعيِّرَني قُرَيشٌ»، أي: يَلحَقَني العارُ والسَّبُّ مِنهم، وقُريشٌ هي قَبيلةُ أبي طالِبٍ والنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَقولونَ: إنَّما حَمَله على الدُّخولِ في الإسلامِ عِندَ مَوتِه الجزَعُ، وهو الضَّعفُ والخَوفُ منَ المَوتِ، «لأَقرَرْتُ بها عَيْنَكَ»، أي: لأفرَحتُكَ وحقَّقتُ أُمنيتَكَ بقَولِها، وكان أبو طالِبٍ يَعرِفُ صِدقَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كلِّ ما يَقولُه، غيرَ أنَّه لم يَدخُل في الإسلامِ، ولم يَتلفَّظ بالشَّهادَتينِ، ولم يَزَل على ذلك حتَّى مات، وصَدَق عَليه الكِتابُ والأقدارُ، وكانت وَفاةُ أبي طالِبٍ بمَكَّةَ قبلَ الهِجرةِ بقَليلٍ.
وفي رِوايةٍ أُخرى في الصَّحيحَينِ عنِ المُسيَّبِ بنِ حَزنٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «واللهِ لَأَسْتَغفِرَنَّ لك، ما لَم أُنْهَ عنه» -أي: عن الاستِغفارِ- فأنزَلَ اللهُ قولَه تَعالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] ، ومَعناها: إنَّك -أيُّها الرَّسولُ- لا تَهدي مَن أحبَبتَ -مِثلَ أبي طالِبٍ وغَيرَه- بتَوفيقِه للإيمانِ، ولكِنَّ اللهَ وَحدَه هو الَّذي يُوفِّقُ مَن يَشاءُ للهِدايةِ، وهو أعلَمُ بمَن سَبَق في عِلمِه أنَّه من المُهتَدين إلى الصِّراطِ المُستقيمِ.
وفي الحديثِ: حِرصُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الدَّعوةِ إلى الإسلامِ ونَجاةِ النَّاسِ من النِّيرانِ.
وفيه: عيادةُ الكافرِ؛ لدَعوتِه إلى الإسلامِ.
وفيه: أنَّ مُراعاةَ كَلامِ النَّاسِ وخَشيتَهم تَتسبَّبُ أحيانًا في مَنعِ الخيرِ عن الإنسانِ، وتَصُدُّه عنِ الإيمانِ.