أخبر حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بينهم خطيبًا وواعظًا، ليعظهم، ويخبرهم بما سيظهر من الفتن؛ ليكونوا على حذر منها في كل زمن، فما ترك شيئًا مما يتعلق بأمر الدين وما لا بد منه، وبما يظهر من الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة، إلا أخبر بذلك الشيء الكائن، وليس المراد أخبر عن كل شيء من التفاصيل والدقائق، وعاه وحفظه من وفَّقه الله تعالى لحفظه، ونسيه وغفِل عنه مَن نسيه، ثم أخبر حذيفة أن الموجودين من جملة الصحابة رضي الله عنهم قد سمعوا أيضًا ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعه، لكن بعضهم وقع له بعض النسيان الذي هو من سجية الإنسان، وذكر حذيفة رضي الله عنه أنه ربما نسي بعض الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستكون، ثم إذا رآها تقع تذكَّر أنها من جملة تلك الخطبة، كما يذكر الرجل وجه الرجل الذي غاب عنه حتى نسيه، ثم إذا رآه عرفه وتذكره.
وبهذا يُعلم أن أصحابه كان عندهم من علم الكوائن الحادثة إلى يوم القيامة العلم الكثير والحظ الوافر، لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث الأحكام، وما كان فيها شيء من ذلك حدثوا به، ولحذيفة في هذا الباب زيادة مزية، وخصوصية لم تكن لغيره منهم؛ لأنه كان كثير السؤال عن هذا الباب، وكان صاحب سر النبي عليه الصلاة والسلام، وعلَّمه أسماء كثير من المنافقين في العهد النبوي.
قد استدل بهذا الحديث بعض أهل البدع والهوى على إثبات علم الغيب المطلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا جهل من هؤلاء؛ أولًا: لتصريح النصوص الكثيرة أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وأن ما وقع منه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الله بالوحي، والدليل على هذا قوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} الآية، أي: ليكون معجزة له، فكل ما ورد عنه من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله تعالى له به إعلامًا على ثبوت نبوته، ودليلًا على صدق رسالته، وثانيًا: ورود القصص الكثيرة في خفاء بعض الغيبيات على النبي عليه الصلاة والسلام، وليس في ذلك عيب ولا قدح، كما في حادثة الإفك، وضياع القلادة في حادثة التيمم، وما جرى يوم أحد للمسلمين وغير ذلك.
من فوائد الحديث
الحديث دليل من دلائل النبوة للنبي صلى الله عليه وسلم.
كثرة علمه صلى الله عليه وسلم بما يكون في مستقبل الزمان، وكثرة علم حذيفة رضي الله عنه، وشدة اهتمامه بذلك، واجتنابه الآفات والفتن.
أن الغيب المطلق مرده لله تعالى وحده، وأن يطلع من شاء من رسله على ما يشاء منه.
معاني الكلمات
في مقامه ذلك
في خطبته تلك.
وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته
أنه كان يرى الشيء الذي كان نسيه من هذه الخطبة، فإذا رآه عرفه.
شرح آخر
كان النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحذِّرُ أُمَّتَه مِنَ الفِتنِ، وكان حَذَيفَةُ بنُ اليَمانِ رضِيَ اللهُ عنهما يَهتَمُّ بِسُؤالِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن هذه الفِتنِ، حتَّى عَلِمَ منها الشَّيءَ الكثيرَ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ حُذَيفَةُ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطَب خُطبةً ذاتَ يَومٍ، ما ترَكَ فيها شيْئًا إلى قِيامِ السَّاعةِ إلَّا ذَكرَهُ، فأخبَرَ فيها بكلِّ ما يَحدُثُ مِن فِتنٍ إلى قِيامِ السَّاعةِ، وهذا البَيانُ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَفِظَه مَن حَفِظَه مِنَ الحاضريِنَ، ونَسِيَه مَن نَسِيَه منهم، ثم أخبر حُذَيفةُ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه كان يَرى الشَّيءَ الَّذي كان نَسِيَه من هذه الخُطبةِ، فإذا رآه عرَفَه وتذكَّرَه كما يَعرِفُ الرَّجلُ الرَّجلَ الَّذي كان غابَ عنه فنَسِيَ صُورتَه، ثم إذا رآه عَرَفَه.
وفي الحَديثِ: إطلاعُ اللهِ تعالَى نبِيَّه على ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، وأنَّ جَميعَ المخلوقاتِ وحَركاتِهم وإرادتِهم وأعمالِهم، مُقدَّرةٌ بالأزمانِ والأوقاتِ، لا مَزيدَ في شَيءٍ منها ولا نُقصانَ عنها، ولا يُقدَّمُ منها شَيءٌ عن وقْتِه ولا يُؤخَّرُ.
وفيه: حِرصُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أمَّتِه وتحذيرُهم من كُلِّ الشُّرورِ والفِتَنِ.