روى المستورد أنه قال وهو عند عمرو بن العاص رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الساعة عندما تقوم يكون الروم حينها أكثر الناس، لعل المراد من الروم النصارى؛ لأن أهل الروم نصارى، وقد تحقّق ذلك باتساع بلادهم بالاستعمار، ويكثرون بقرب يوم القيامة، وكذلك كان الأمر قبل ذلك حتى قال القاضي عياض المتوفى عام 544: (هذا الحديث ظهر صدقه، فإنهم اليوم أكثر مَن في العالم، إلَّا من يأجوج ومأجوج، فإنهم عَمَروا من الشام إلى منقطع أرض الأندلس، واتسع دين النصرانيّة اتساعًا لم تتسعه أمة، وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره)، فقال عمرو بن العاص للمستورد: تيقن مما تقول، وتذكر الحديث، فقال له المستورد: لست أقوله من عندي، وإنما هو من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته منه، قال عمرو: لئن قلتَ الذي قلتَه فيهم من أن الساعة تقوم وهم أكثر الناس، فهم أحقّ بذلك؛ لأنَّ عندهم ما يستحقّون به ذلك، وهي الخصال الأربعة كما بيّنها بقوله: إن فيهم أربعة فضائل محمودة، ثم فصّل تلك الخصال بقوله: إن الروم أصبرهم عند وقوع فتنة، وابتلائهم بها، وأسرعهم رجوعًا بعد مصيبة، وأسرعهم رجوعًا إلى عدوهم بعد فرارهم عنهم، أي أن جيشهم بعد صولته وانهزامه سريع الرجوع والهجوم على عدوه، وأشفق الناس على فقير و يتيم وهو الذي مات أبوه في صغره، فيقومون بإصلاح حاله، و على ضعيف في الخلقة، كالزَّمَن، والأعمى، والأعرج، أو بالمرض، ولهم أيضًا خصلة خامسة لهذه الأربعة، وكأنه تذكّرها بعد أن عدّها أربعة، إنما وصفها بأنها حسنة جميلة مع أن الأربعة كذلك؛ لكونها عزيزة في الناس، و بيّن الخامسة بقوله: أمنعهم من ظلم الملوك يَحتمل أن يكون المعنى: أنهم يمنعون الناس عن أن يظلموا الملوك، أو أنهم يمنعون الملوك أن يظلموا الناس، وهو الأقرب.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: وَصْف عبد الله بن عمرو لهم بما وَصَفهم به من تلك الأوصاف الجميلة إنما كانت غالبة على الروم الذين أدرك هو زمانهم، وأما ما في الوجود منهم اليوم فهم أنحس الخليقة وأركسهم، وهم موصوفون بنقيض تلك الأوصاف.
من فوائد الحديث
لا بأس بمدح الأوصاف الحسنة، وإن تحلّى بها الكفّار؛ لحضّ المسلمين على الأخذ بها؛ لأنهم أهلها، وأحقّ الناس بها، والحكمة ضالّة المؤمن.
تثبت السلف وتأكدهم من أحاديث النبي عليه السلام.
تحليل السلف لأعمال الروم الحسنة.
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأمر مستقبلي.
أهمية الاتصاف بهذه الأوصاف الحسنة.
معاني الكلمات
أبصر
تيقن.
خصال
صفات.
أحلم
أصبر.
إفاقة
رجوع.
أوشكهم كرة بعد فرة
أسرعهم رجوعًا إلى العدو بعد الفرار.
شرح آخر
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَذكُرُ لأصحابِه بعضَ أحداثِ آخِرِ الزَّمانِ وقبْلَ قيامِ السَّاعةِ، ويَذكُرُ سُبلَ النَّجاةِ منها، وكيْف يَتعامَلُ معها مَن يُدرِكُها مِن المسْلِمين.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجليلُ المُسْتورِدُ بنُ شَدَّادٍ رَضيَ اللهُ عنه عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَلامةٍ مِن عَلاماتِ اقترابِ يومِ القيامةِ، فقال: «تَقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثَرُ النَّاسِ» عن غيرِهم مِن باقي الأجناسِ والأدْيانِ، والمرادُ بالرُّومِ النَّصارى؛ لأنَّ أهلَ الرُّومِ حينئذٍ نَصارى، وكان عَمرُو بنُ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه حاضرًا وقْتَ أنْ حَدَّث المُسْتورِدُ رَضيَ اللهُ عنه بهذا الحديثِ، فلمَّا سَمِعَ عمرُو بنُ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه هذا الحديثَ منَ المُستورِدِ بنِ شَدَّادٍ رَضيَ اللهُ عنه، قالَ لَه: «أَبصرْ ما تَقولُ» يُراجِعُه في صِحَّةِ هذا القولِ ونِسبتِه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما هي عادةُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم في التَّأكُّدِ مِن صِحَّةِ المَرويَّاتِ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى مِن بعضِهم، فلمَّا أكَّد لَه المُستورِدُ أنَّه سَمِعَه منَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، علَّل عَمرُو بنُ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه سَببَ كَثرَتِهم آخِرَ الزَّمانِ؛ لأنَّ عندهم مِن الخصالِ والصِّفاتِ ما يَستحِقُّون به ذلك، وعدَّد رَضيَ اللهُ عنه خِصالَهم، وهذا مِن بابِ الإنصافِ وليْس مِن بابِ المدْحِ لهم وما هُم عليه مِن عَقيدةٍ، فقال رَضيَ اللهُ عنه فيهم: «أَحلمُ النَّاسِ عندَ فِتنةٍ»، يكونُ فيهم العقلُ والتَّثبيتُ عندَ وُقوعِ الفِتنِ، فيكونونُ أصبَرَ النَّاسِ عندَ حُصولِ شِدَّةٍ ومَهلكةٍ، «وأَسرعُهم إفاقةً» أي: يَعودون لِصوابِ أمرِهم بعْدَ كلِّ مُصيبةٍ في سُرعةٍ ورُشدٍ، «وأَوشكُهم كرَّةً بَعدَ فرَّةٍ»، أي: هُم أسرَعُ النَّاسِ في المُبادَرةِ إلى القِتالِ والرُّجوعِ إلى العدوِّ بعْدَ الهَزيمةِ، وهُم خيرُ النَّاسِ وأرحَمُهم وأشْفَقُهم لِمِسكينٍ ويَتيمٍ وضَعيفٍ، وفي رِوايةٍ أُخرى لمسْلمٍ: «وخَيرُ النَّاسِ لِمساكينِهم وضُعفائهِم» فيَقومونَ بالإحسانِ إليهمْ، ثمَّ ذكَرَ لهم عَمرٌو رَضيَ اللهُ عنه خَصلةً خامسةً؛ وهي أحسَنُهم وأجْمَلُهم، وهي أنَّهم: أمنَعُ النَّاسِ مِن ظُلمِ مُلوكِهم، أي: أنَّهم يَمنَعون الملوكَ مِن الظُّلمِ، أو أنَّهم يَحمُون النَّاسَ مِن ظُلمِ الملوكِ.
قيل: إنَّ كلَّ تلك الأوصافِ الجميلةِ إنَّما كانت غالبةً على الرُّومِ الَّذين أدْرَكَ عَمرٌو زَمانَهم.
وفي الحديثِ: أنَّه لا بأْسَ بمَدحِ الأوصافِ الحَسَنةِ وإنْ وُجِدَت في الكفَّارِ، ويَحسُنُ ذِكرُها على سَبيلِ الاعتبارِ، ولِحضِّ المسْلِمين على الأخْذِ بها؛ فإنَّهم أحَقُّ بها وأهْلُها.