نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن أَكلَ ثومًا أو بَصلًا أن يأتي المسجد، حتى لا يؤذيَ إخوانَه ممن يحضرون صلاة الجماعة بريحهما، وهو نهيُ تنزيهٍ عن إتيان المسجد، لا عن أكلِهما؛ لأنهما من الأطعمة المباحة، وقد أُتيَ صلى الله عليه وسلم بِقِدْرٍ فيه خضروات، فلما شمَّ فيها ريحًا وأُخبِر بما فيها امتنع مِن أكلِها وقَرَّبها إلى بعض أصحابه ليأكل منها، فكره الأكل اقتداء به، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال: كُلْ؛ فإني أناجي الملائكة بالوحي.
وأَخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تتأذّى من الروائح الكريهة، كما يتأذى الناس منها.
من فوائد الحديث
النهي عن إتيان المساجد لمن أكل ثومًا، أو بصلًا، أو كراثًا.
يلحق بهذه الأشياء، كلّ ذي رائحة كريهة يتأذى منها المصلون، كرائحة الدُّخان والتَّبْغِ ونحو ذلك.
علة المنع الرائحة، فإذا زالت بكثرة الطبخ أو بغير ذلك؛ زالت الكراهة.
كراهة أكل هذه الأشياء لمن عليه حضور الصلاة في المسجد؛ لئلا تفوته الجماعة في المسجد، ما لم يأكلها حيلة على إسقاط الحضور، فيحرم.
امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم ونحوه، ليس لتحريمه، وإنما لمناجاته جبريل عليه السلام.
حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يَقرُن الحكم ببيان سببه؛ ليطمئن المخاطَب بمعرفة الحكمة.
قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كمصلّى العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، ولا يلتحق بها الأسواق ونحوها.
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد -وإن كان خاليًا- لأنه مَحلُّ الملائكة، ولعموم الأحاديث.
شرح آخر
الإسلامُ دِينُ الرُّقيِّ في شتَّى جوانبِ الحياةِ، ومِن تِلك الجوانبِ: الاهتِمامُ بالنَّظافةِ والرَّائحةِ الطيِّبةِ، ومُراعاةِ حقوقِ الآخَرِينَ ومَشاعرِهم، بأنْ يَجِدوا مِن المُسلمِ منظرًا طيِّبًا، ورِيحًا طيِّبةً.وفي هذا الحديثِ يخبِرُ عبدُ الله بنُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو في غزوةِ خَيْبرَ، وكانتْ في السَّنةِ السَّابعةِ مِن الهَجرةِ بيْنَ المسلِمينَ واليهودِ، وخيبرُ بلدةٌ تقَعُ شمالَ المدينةِ على طريقِ الشَّامِ، وتبعُدُ عنها 173 كم تَقريبًا؛ أمَر أصحابَه رَضيَ اللهُ عنهم أنَّ مَن أكَلَ مِن ثمَرةِ الثُّومِ لا يَقَرَبنَّ المَسجِدَ، والمُرادُ: ألَّا يحضُرَ إلى الجماعةِ؛ لئلَّا يُؤذيَ غيرَه مِن المُصلِّينَ، فضلًا عَن المَلائكةِ، وهذا فيمَنْ أكَلَ ذلِك نِيِئًا، فأمَّا مَن أكَلَه بعْدَ الإنْضاجِ بالنَّارِ فلا مَنْعَ فيه؛ لذَهابِ رِيحِه، كما عندَ مُسلِمٍ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه قال: «أيُّها النَّاسُ، تأكلونَ شجَرَتينِ لا أَراهما إلَّا خَبِيثَتينِ؛ هذا البصَلَ والثُّومَ؛ لقد رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّمَ إذا وجَدَ رِيحَهما مِن الرَّجُلِ في المسجِدِ أمَرَ به، فأُخرِجَ إلى البَقيعِ، فمَن أكَلَهُما فلْيُمِتْهُما طَبْخًا».وسَببُ نَهْيِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ذلك في خَيْبرَ ما ورَد في صَحيحِ مُسلمٍ عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضيَ اللهُ عنه، قال: «لم نَعْدُ أنْ فُتِحَتْ خَيْبرُ فوَقَعْنا أصحابَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في تلك البَقْلةِ الثُّومِ، والنَّاسُ جِياعٌ، فأكَلْنا منها أكلًا شديدًا، ثمَّ رُحْنا إلى المسجِدِ، فوجَد رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الرِّيحَ، فقال: «مَن أكَل مِن هذه الشَّجرةِ الخَبيثةِ شَيئًا، فلا يَقْرَبَنَّا في المسجِدِ»، فقال الناسُ: حُرِّمَتْ، حُرِّمتْ، فبلَغ ذاك النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: أيُّها النَّاسُ، إنَّه ليس بي تحريمُ ما أحَلَّ اللهُ لي، ولكنَّها شجَرةٌ أَكْرَهُ رِيحَها».وقِيسَ على هذا مَجامِعُ الصَّلاةِ غيرَ المسجدِ؛ كمُصَلَّى العيدِ والجنائزِ ونَحوِها مِن مَجامِعِ العِباداتِ، وكذا مَجامِعُ العِلمِ والذِّكرِ والولائِمِ ونحوِها، ولا يَلتَحِقُ بها الأسواقُ ونحوُها. ويُلحَقُ بالثُّومِ البصلُ والكُرَّاثُ وكلُّ ما لَه رائحةٌ كريهةٌ مِن المأكولاتِ وغَيرِها، ويُلحَقُ به من به بَخَرٌ في فِيهِ، أو به جرحٌ له رائحةٌ. وفي الحديثِ: الأمرُ بتَحسينِ الأدَبِ في حُضورِ مَواطِنِ الصَّلاةِ مِن تَعاهُدِ الإنسانِ نفْسَه بتَركِ ما يُؤذي ريحُه.
أحكام العلماء
العالم
الحكم
المحكوم عليه
المصدر
مسلمت 261 هـ
صحيحصحيح
الحديث
صحيح مسلمرقم 564
أحكام على روايات أخرى (5)
ضعيفالألبانيضعيف — ضعيف الترغيب (208)
ابن حجر العسقلانيفيه] يحيى بن راشد ضعيف — فتح الباري لابن حجر (2/400)
الهيثميفيه يحيى بن راشد البراء البصري وهو ضعيف ووثقه ابن حبان وقال يخطئ ويخالف وبقية رجاله ثقات — مجمع الزوائد (20/2)
المنذريرواته ثقات إلا يحيى بن راشد البصري — الترغيب والترهيب (1/177)
الطبرانيلم يروه عن هشام القردوسي إلا يحيى بن راشد، تفرد به سعيد بن عفير — المعجم الصغير (37)