يخبر -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن علامة إرادة الله الخيرَ بعبده معاجلته بالعقوبة على ذنوبه في الدنيا حتى يخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة؛ لأن من حوسب بعمله عاجلاً خفّ حسابه في الآجل، ومن علامة إرادة الشر بالعبد أن لا يجازى بذنوبه في الدنيا حتى يجيء يوم القيامة مستوفر الذنوب وافيها، فيجازى بما يستحقه يوم القيامة.
من فوائد الحديث
من علامة إرادة الله الخير بعبده معاجلته بالعقوبة على ذنوبه في الدنيا.
من علامة إرادة الشر بالعبد أن لا يجازى بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة.
الخوف من الصحة الدائمة أن تكون علامة شرّ.
التنبيه على حسن الظن بالله ورجائه فيما يقضيه عليه من المكروه.
أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خيرٌ له، وقد يحب الشيء وهو شرّ له.
الحث على الصبر على المصائب.
إثبات صفة الإرادة لله على وجه يليق بجلاله.
أن الخير والشر مقدر من الله تعالى.
أن البلاء للمؤمن من علامات الخير ما لم يترتب عليه ترك واجب أو فعل محرم.
ينبغي الخوف من دوام النعمة أو الصحة.
لا يلزم من عطاء الله رضاؤه.
معاني الكلمات
إذا أراد الله بعبده الخير
المراد بالعبد المؤمن، والمراد بالخير هنا تكفير الذنوب.
عجّل له العقوبة في الدنيا
أي: ينزل به المصائب لما صدر منه من الذنوب، فيخرج منها وليس عليه ذنب.
وإذا أراد الله بعبده الشر
المراد بالشر هنا عذاب الآخرة.
أمسك عنه بذنبه
أي: أخّر عنه عقوبة ذنبه.
يوافي به
بكسر الفاء مبنيٌّ للفاعل منصوبٌ بحتى أي: يجيء يوم القيامة بكامل ذنوبه فيستوفي ما يستحقه من العقاب.
شرح آخر
الإنسانُ لا يَخلو مِن خَطأٍ ومعصيةٍ وتقصيرٍ في الواجبِ، ومَن لَطَف اللهُ به وأرادَ به خيرًا عَجَّلَ له عُقوبةَ ذَنبِه في الدُّنيا؛ لأنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ عليه مِن عذابِ الآخِرَة.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "إذا أراد اللهُ بعبدِه الخيرَ"، أي: إذا قضَى وقدَّرَ رَحمتَه لِعبدٍ مِن عبادِه، "عجَّل له العقوبةَ في الدُّنيا"، أي: ابتَلاه بما يَسُوءُه، إمَّا في مالِه، أو نفسِه، أو أهلِه؛ وذلك لأنَّ الابتلاءَ يكفِّرُ السَّيِّئاتِ، والمؤمنُ لا يَقْوَى على عذابِ الآخرةِ؛ فذلك مِن عظيمِ رحمةِ الله بعبدِه المؤمنِ؛ فإنَّه يُوافي اللهَ يومَ القِيامةِ وليس عليه ذَنبٌ، قد طهَّرَتْه المصائبُ والبلايَا.
قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "وإذا أراد اللهُ بعبدِه الشَّرَّ"، فالأمورُ كلُّها بيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ وبإرادتِه؛ فإنَّه سبحانَه {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] ، "أمسَك عنه بذَنْبِه"، أي: لم يُعجِّلْ عُقوبتَه على ما ارتكَبه مِن الذَّنبِ، وجمَع له ذنوبَه وسيِّئاتِه دون أن يُجازيَه بشيءٍ منها في الدُّنيا، "حتَّى يُوافيَ به يومَ القيامةِ"، أي: حتَّى يَلْقاه بها يومَ القيامةِ، فتكونَ عُقوبتُه مِن نارِ جهنَّمَ على قدرِ ما كانتْ عليه مِن سيِّئاتٍ.
وبيانُ إرادةِ اللهِ تعالى الخيرَ والشرَّ بعِبادِه: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلَقَ الخيرَ والشرَّ، وبيَّن الأمرَ لعِبادِه وعَرَّفهم الخيرَ والشرَّ، فإذا اختارَ العبدُ طريقَ الشرِّ بعدَ أنْ عرَّفَه، فقدِ اختارَ لنَفْسِه أمرًا ممَّا أراده الله وخَلَقَه، ويعاقب عليه، وإرادتُه للشرِّ إرادةٌ قدريَّة؛ لحِكمةٍ يَعلَمُها، وعُقوبةُ مَن يستحقُّ العقوبةَ خيرٌ محضٌ إذ هو عينُ العدلِ والحِكمةِ، وذلك يكونُ شرًّا بالنسبةِ للخَلقِ، فالشرُّ وقَع في تَعلُّقِه بهم وقيامِه بهم، لا في فِعلِه القائمِ به سبحانَه وتعالى.