سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: هل أخبركم بأفضل من أجر الإكثار من نافلة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: نعم.
قال: الإصلاح بين المتخاصمين حيث تورث الخصومة الفرقة والوحشة والتباغض والتدابر بين الناس، فإنَّ ما يترتب على فساد ذات البين من البغضاء هي الخصلة التي من شأنها أن تهلك وتستأصل الدين والدنيا كما يستأصل الموسى الشعر.
من فوائد الحديث
هدي النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الصحابة وتشويقهم لمعرفة الجواب.
قال الطيبي: الحث والترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب إفسادها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخاصة نفسه.
شرح آخر
أقامَ الإسلامُ عَلاقةَ المسلمينَ على التواصُلِ والمحبَّة والتناصُحِ في اللهِ، وقِوامُ المجتَمعِ يَقومُ على التَّعارفِ والتعاوُنِ بينَ الناسِ؛ فإذا حَكمتِ العَلاقاتِ البَغضاءُ والتَّشاحُن؛ فإنَّ هذا يُنذِرُ بخَرابِ المجتَمعاتِ وضِياع الدِّينِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لأصحابِه رضيَ اللهُ عَنهم: "ألَا" استفتاحُ السُّؤالِ بـ(ألا)؛ للتَّنبيهِ والتَّحفيزِ إلى الأمْرِ الذي سَيذكُره، "أُخبِرُكم"، أي: عَن عَملٍ "بأفضلَ مِن دَرجةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقة؟" قالَ الصَّحابةُ: "بَلى"! قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "إصْلاحُ ذاتِ البَينِ"، أي: السَّعيُ في إصلاحِ العَلاقاتِ بينَ الناسِ ورَفعِ ما بَينَهم مِن خُصوماتِ ودَفعِهم إلى الأُلفةِ والمحبَّةِ، وهوَ الأمرُ الأفضلُ في المنفَعةِ بينَ الناسِ وإقامةِ المجتمَعاتِ، وهو المعامَلاتُ والتواصُل؛ وذلكَ لأنَّ إصلاحَ ذاتِ البَينِ فيهِ مَنفعةٌ ظاهِرةٌ ومُباشرةٌ للجَميعِ.
ثمَّ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "وفَسادُ ذاتِ البَينِ"، أي: إنَّ فسادَ ذاتِ البَينِ وتركَ السَّعيِ في الإصلاحِ يؤدِّي إلى "الحالِقة"، أي: القاطِعة والمُنْهية التي تأتِي على كلِّ شيءٍ وتحلِقُه وتقطَعُه من جُذورِه، سواءٌ مِن أمورِ الدِّين أو الدُّنيا؛ لأنَّها تُؤدِّي إلى التشاحُنِ بينَ الناسِ والتهاجُرِ وربَّما التقاتُل، هذا غَيرُ ما فيها مِن الأثرِ القَلبيِّ السيِّئِ على الإنسانِ، فيُفسِد قلبَه على إخوانِه؛ فلا يكونُ للدِّين والعِبادات أثرٌ ظاهرٌ في نَفْسِه أو مجتمَعِه.
وفي الحديثِ: الحثُّ والترغيبُ على إصلاحِ العَلاقاتِ بينَ الناسِ.