حَذَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن تَرْك الصلاة عليه حال سَمَاع اسمه أو كُنْيَتِه أو وصفه، وقال: البَخيل كامل البُخْل مَن ذُكرتُ عنده فلم يُصلِّ عليّ؛ وذلك لأمور:
الأول: أنه بُخْلٌ بشيءٍ لا يَخْسَر بسببه قليلًا ولا كثيرًا، ولا يَبذُل مالًا، ولا يَبذُل جُهْدًا.
الثاني: أنه بَخِلَ على نفسه وحَرَمَها أجرَ الصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بامتناعه من الصلاة عليه قد شَحَّ وامتنع من أداء حقٍّ يَتَعَيَّنُ عليه أداؤه امتثالًا للأمر وينال به الأجر.
الثالث: أنَّ الصلاة عليه فيها أداء بعض حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي عَلَّمنا، وهو الذي أرشدَنا، وهو الذي دعانا إلى الله تبارك وتعالى، وجاءنا بهذا الوحي، وهذه الشَّريعة، فهو سبب هدايتنا -بعد الله تبارك وتعالى- ومَن لم يُصلِّ عليه يكون قد بَخِل على نفسه، وبَخِل على نبيِّه صلى الله عليه وسلم بحقٍّ هو من أدنى حقوقه.
من فوائد الحديث
تَرْك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عنوان الشُّحِّ.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل القُرُبات والطاعات في جميع الأوقات، ويتأكّد حالَ ذِكْرِه.
قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليَجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يَقتصر على أحدِهما؛ فلا يَقل: (صلى الله عليه) فقط، ولا: (عليه السلام) فقط.
قال أبو العالية في قوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) قال: صلاة الله عز وجل على نبيه: ثناؤه عليه، والصلاة من الملائكة والبشر: الدعاء.
قال الحليمي: فمعنى «اللهم صلّ على محمد»: اللهم عظّمه في الدنيا بإعلاء ذِكْرِه، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخِرة: بِتَشْفِيْعِهِ في أُمَّتِهِ، وإِجْزَال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافة المقربين الشهود.
شرح آخر
لقدْ حثَّ اللهُ تعالى على الصَّلاةِ والسَّلامِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] ؛ فهي مِن الأُمورِ المهمَّةِ الَّتي يَنبَغي على المُسلِمِ الحِفاظُ عليها، سواءٌ ابتداءً مِنه أو عِندما يَسمَعُ اسمَه؛ حتَّى لا يَدخُلَ في جُملةِ البُخلاءِ، كما يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في هذا الحديثِ: "البخيلُ"، أي: الكامِلُ في بُخلِه "الَّذي مَن ذُكِرتُ عِندَه فلم يُصلِّ علَيَّ"، أي: ذُكِر النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في مكانٍ هو فيه، فلم يُبادِرْ فيُصلِّي على النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؛ فهذا هو البخيلُ على الحَقيقةِ.
والصَّلاةُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن العبدِ هي دُعاءُ اللهِ وطلَبُ ثَنائِه على نَبيِّه، وتَكْريمِه، والتَّنويهِ به، ورَفْعِ ذِكْرِه، وزيادةِ حُبِّه، وتقريبِه، وهي مُشتمِلةٌ على الحمدِ والمجدِ للهِ، فكأنَّ المصلِّيَ طلَب مِن اللهِ أن يَزيدَ في حَمْدِه ومَجْدِه، كما أنَّ فيها معنى تَعظيمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الدُّنْيا بإعلاءِ ذِكْرِه وإظهارِ دينِه وإبقاءِ شَريعتِه وفي الآخرةِ بإجزالِ مَثوبتِه، وتَشْفيعِه في أمَّتِه وإبداءِ فَضيلتِه بالمقامِ المحمودِ، وهي مع ذلك كلِّه مَثوبةٌ للعبدِ وكفايةٌ لِهَمِّه ورَفعٌ لدرجتِه في الجنَّةِ.
وقدْ عَلَّم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أصحابَه كيف يُصلُّون عليه لَمَّا سأَلوه، ومِن أشهَرِ صِيَغِ الصَّلاةِ عليه صيغَتانِ: "اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ. اللَّهمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حميدٌ مجيدٌ"، والصِّيغةُ الثَّانيةُ: "اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وأزواجِه وذُرِّيَّتِه، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وأزواجِه وذُرِّيَّتِه، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ"، وأيُّ لفظٍ أدَّى المرادَ بالصَّلاةِ عليه أجزَأَ، والأَوْلى التَّنويعُ بينَ هذه الصِّيَغِ الواردةِ؛ اتِّباعًا للسُّنَّةِ والشَّريعةِ، ولئلَّا يؤدِّيَ لُزُومُ إحدى الصِّيَغِ إلى هَجْرِ الصِّيغِ الأخرى، أمَّا داخِلَ الصَّلاةِ؛ فيُقتصَرُ على المأثورِ الوارِدِ، ولا يَنقُصُ عنه ولا يُزادُ فيه.
وفي الحديثِ: أهمِّيَّةُ الصَّلاةِ والسَّلامِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حالَ ذِكْرِه.