يحكي أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما دخل المدينة أول مرة مهاجرًا من مكة، أضاء وأشرق منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم أظلم منها كل شيء، والإضاءة والإظلام المذكوران في الحديث معنويان لا حسيان، ثم أخبر أنهم لما انتهوا من دفنه صلى الله عليه وسلم لم يجدوا قلوبهم على الحالة السابقة التي كانت عليها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أنوار الإيمان والرقة والألفة فيما بينهم لانقطاع الوحي، وفقدان بركة صحبته صلى الله عليه وسلم .
من فوائد الحديث
لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة أضاء منها كل شيء, فلما كان اليوم الذي مات فيه -صلى الله عليه وسلم- أظلم منها كل شيء.
لم يجد الصحابة قلوبهم على الحالة السابقة التي كانت عليها في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أنوار الإيمان والرقة والألفة فيما بينهم لانقطاع الوحي، وفقدان بركة صحبته -صلى الله عليه وسلم-.
شرح آخر
كان الصَّحابةُ رَضِي اللهُ عَنهم يُحِبُّون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حبًّا جمًّا، وكان أشدَّ يومٍ عليهم يومَ موتِه وفِراقِه، وهذا حالُ أيِّ مُحِبٍّ مع مَحبوِبه، فقُربُه يَسُرُّه وبُعدُه يَسوءُه، وفي هذا الحديثِ يقولُ أنسُ بنُ مالكٍ رَضِي اللهُ عَنه: "لَمَّا كان اليومُ الَّذي دخَل فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم المدينةَ"، أي: يومَ هِجْرتِه إليها، "أضاء منها كلُّ شيءٍ"، أي: أشرَقَت المدينةُ بالخيرِ والبرَكةِ، وهذا بيانٌ لسُرورِه وعِظَمِ فرَحِه بمَقْدَمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عليهم وبَقائِه فيهم، "فلمَّا كان اليومُ الَّذي مات فيه أظلَم مِنها كلُّ شيءٍ"، أي: طُمِس عنها نورُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، وهذا كنايةٌ عن عظيمِ حُزنِه وغمِّه بفَقدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.
قال أنسٌ رَضِي اللهُ عَنه: "ونَفَضْنا عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم الأيدِيَ"، أي: نظَّفناها ممَّا أصابَها مِن التُّرابِ بتَحْريكِ وضرْبِ اليدين بعضِهما بِبَعضٍ، "وإنَّا لفي دَفنِه حتَّى أنكَرْنا قُلوبَنا"، أي: وما نُفوسُنا وقلوبُنا في حالِ دفْنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حتَّى تغيَّرَت عمَّا كانت عليه ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حيٌّ فيهم؛ فأصبَحَت القلوبُ لم تَجِدْ مثلَ ما كانت تَجِدُه مِن الأنوارِ والصَّفاءِ والرِّقَّةِ والأُلفَةِ؛ لِمَا انقَطَع عليهم مِن الوحيِ وفِقْدانِ ما كان يَحُفُّهم به النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن التَّأييدِ والتَّعليمِ، وليس المرادُ: أنَّها تغيَّرَتْ عن الهدايةِ والصِّدقِ؛ فوجودُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الدُّنيا كان نُورًا وهدايةً، وقاطعًا لكلِّ نِزاعٍ، وكان الوحيُ يَنزِلُ عليه من رَبِّه، وبموتِه انقطَع الوحيُ وبقِيَ للمُسلِمينَ اجتهادُهم فيما جاءَ به، بين مُصيبٍ ومُخطئ.