لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض غزواته سالمًا منتصرًا جاءته جارية سوداء فقالت له: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردَّك الله من غزوتك سالمًا منصورًا أن أضرب قدامك وفي حضورك بالدف وأُغَنِّي. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نذرتِ فأوفي بنذرك واضربي بالدف، وإن لم تكوني نذرت فلا تفعلي. فجعلت تضرب بالدف، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخل عمر ألقت الدف تحتها، ثم قعدت عليه؛ لتستره عن عمر هيبة له وخوفًا منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف تحتها، ثم قعدت عليه.
وتحريم المعازف مما أجمع عليه العلماء ودلت عليه نصوص كثيرة، ويستثنى منها الضرب بالدف في المناسبات للنساء، كالأعراس والعياد، وما ورد في هذا الحديث، وهو قدوم الغائب العزيز.
من فوائد الحديث
أن الوفاء بالنذر الذي فيه قربة واجب والسرور بمقدمه -صلى الله عليه وسلم- قربة.
أن الأصل في الضرب بالدف والغناء أنه من باب اللهو وأنه يجر إلى ما لا يرضى فعله, ويستثنى استعمال الدف في بعض المناسبات، التي جاء الدليل بجواز استعماله فيها كالأعراس، وأيام الأعياد، واستعمال الدف في قدوم الغائب الكبير كما في هذا الحديث.
أن صوت المرأة ليس بعورة إذ لو كان عورة ما سمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقر أصحابه على سماعه، ويحرم الإصغاء إليه عند خوف الفتنة.
فيه فضيلة عظيمة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه.
معاني الكلمات
الدُّف
هو ما يُطبَّل به، والمراد به الدف الذي كان في زمن المتقدمين، وأما ما فيه الجلاجل، فينبغي أن يكون مكروهًا اتفاقًا.
شرح آخر
في هذا الحديثِ بيانُ مَنقبةٍ عَظيمةٍ لأميرِ المؤمنِينَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه، حيثُ يقولُ بُريدةُ رَضِي اللهُ عَنه: "خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في بعضِ مَغازيه"، أي: في إحْدى غزَواتِه، "فلمَّا انصرَف"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "جاءَت جاريةٌ سوداءُ" اللَّونِ، فقالت: "يا رسولَ اللهِ، إنِّي كنتُ نذَرتُ"، أي: جعَلتُ علَيَّ نَذرًا وأوجبَت على نَفْسي، "إنْ ردَّك اللهُ سالِمًا"، أي: إنْ رجَعَك اللهُ إلينا سالِمًا غانِمًا، "أن أَضرِبَ بينَ يدَيْك "بالدُّفِّ"، أي: آلةِ الدُّفِّ، وهي مِن المعازِفِ الَّتي رخَّص النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم فيها للنِّساءِ في بعضِ المواضِعِ، "وأتَغنَّى"، أي: فرَحًا بقُدومِك وسَلامتِك، فقال لها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "إن كُنتِ نذَرْتِ"، أي: بضَربِ الدُّفِّ فاضرِبي، "وإلَّا فلا"، أي: وإن لم يَكُن هناك نَذرٌ فلا تَضرِبي، وهذا يدُلُّ على أنَّ هذه حالةٌ خاصَّةٌ، وسماحُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم للمرأةِ لأنَّها نذَرَتْ أن تفعَلَ ذلك فرَحًا بعَودتِه، "فجعَلَت" المرأةُ تَضرِبُ، فدخَل أبو بكرٍ "وهي تَضرِبُ"، أي: بالدُّفِّ، ثمَّ دخَل علَيَّ وهي تَضرِبُ، ثمَّ دخَل عُثمانُ وهي تَضرِبُ، "ثمَّ دخَل عُمرُ"، فألْقَتِ المرأةُ بالدُّفِّ "تحتَ اسْتِها"، أي: جعَلَت الدُّفَّ تحتَ عَجُزِها وهي المؤخِّرةُ، ويُرادُ بالاستِ أحيانًا حَلْقةُ الدُّبرِ، ثمَّ قعَدَتْ عليه خوفًا مِن أن يَراها عُمرُ رَضِي اللهُ عَنه، "فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، أي: لَمَّا رأَى مِن هلَعِ المرأةِ وخَوفِها مِن عُمرَ رَضِي اللهُ عَنه قال: "إنَّ الشَّيطانَ ليَخافُ مِنك يا عُمرُ"؛ وذلك لتمكُّنِ الإسلامِ مِن قَلبِ عُمرَ، وثبَاتِ الإيمانِ فيه، ولقوَّتِه في الحقِّ وفي حِفظِ حُدودِ اللهِ تعالى؛ فكان ذلك مَدْعاةً لأنْ يَفِرَّ منه الشَّيطانُ ويَفْرَقَ منه، قيل: وإنَّما ذكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مَثلًا لِمَا صَدَرَ مِن المرأةِ، وهي إنَّما بدَأَتْ في شيءٍ الأصلُ أنَّه لَهوٌ، فلمَّا كان مَجيءُ عُمرَ خافَتْ مِنه؛ لأنَّه لم يَكُنْ عِندَه عِلمٌ بما نذَرَتْ، فمَثَّل النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حالَ المرأةِ بحالةِ الشَّيطانِ الَّذي يَخافُ مِن حُضورِ عُمرَ، ثمَّ بيَّن له سَببَ ذلك بقولِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "إنِّي كنتُ جالِسًا وهي تَضرِبُ"، أي: المرأةُ بالدُّفِّ، "فدخَل أبو بكرٍ وهي تَضرِبُ" به، "فلم تَنْتَهِ، ثمَّ دخَل علِيٌّ وهي تَضرِبُ، ثمَّ دخَل عُثمانُ وهي تَضرِبُ، فلمَّا دخَلتَ أنتَ يا عُمرُ"، ورَأَتْك المرأةُ فهابَتْك، و"أَلْقَتِ الدُّفَّ"، أي: وترَكَتِ الدُّفَّ مِن يدَيْها.
وفي الحديثِ: بيانُ قوَّةِ إيمانِ عُمرَ رَضِي اللهُ عَنه، حتى فرَّ منه الشَّيطانُ.