يُوضح هذا الحديث حقيقة المسكنة، وأن المسكين الممدوح من المساكين الأحق بالصدقة والأحوج بها هو المتعفف، وإنما نفى صلى الله عليه وسلم المسكنة عن السائل الطوَّاف؛ لأنه تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزكاة فتزول خصاصته، وإنما تدوم الحاجة فيمن لا يسأل ولا يعطف عليه فيعطى.
من فوائد الحديث
ذم المسألة.
الحض على التعفف، قال تعالى مادحا أهل التعفف: "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف".
المَسْكَنة صفة تُمدح إذا لازَمَتها العِفَّة عن السؤال، والصبر على الشِدَّة، والرِضى بما قسم الله.
مدح الحياء في كل الأحوال والأحيان، وأنه لا يأتي إلا بخير.
استحباب التحَرِّي لِوضع الصدقة فيمن صفته التعفُّف دون الإلحاح أو التعريف.
جواز التصدُّق ولو باليسِير: كالتَّمرة أو اللُّقمة؛ فإنَّها وِقاية من النار.
معاني الكلمات
ليس المِسْكِين
المراد بهذا النفي ليس المحتاج الممدوح الأحق بالصدقة، والمسكين أشد حاجة من الفقير؛ لأن المسكين لا يملك شيئًا بخلاف الفقير، فيملك نصابا غير تام يلبي حاجته.
الَّذِي يَتَعَفَّف
يترك سؤال الناس مع فقره وحاجته.
ولا يُفْطَنُ بِهِ
لا يُعْلَم، ولا يُتَنَبه له.
يُغنِيه
يكفيه عن سؤال الغير.
شرح آخر
المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنبغي لِلْمُؤمنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَتطلَّعَ إلى ما في أيْدي الناسِ، ويَتعفَّفَ عن المسألةِ ما استطاعَ إلى ذلك سَبيلًا.
وفي هذا الحَديثِ يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ المسكينَ المُستحِقَّ للصَّدقةِ والزَّكاةِ ليس هو مَن يَسأَلُ الناسَ ويَرُدُّه ويَكفِيه ما يَنالُه مِن اللُّقمةِ أو اللُّقمتَينِ؛ وذلك لأنَّه قادِرٌ على تَحصيلِ قُوتِه، كما ذَكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ في شَأنِ أصحابِ السَّفينةِ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] ، فسَمَّاهم اللهُ مَساكينَ مع امتِلاكِهِم للسَّفينةِ. والنَّفيُ في قولِه: «ليس المسكينُ» لا يعْني نفْيَ أصْلِ المَسكنةِ عن الطَّوافِ، وإنَّما معْناه نفْيُ كَمالِها. وإنَّما المسكينُ الكامِلُ المَسكنةِ هو مَن لا يَجِدُ ما يَكْفي حاجتَه بأكمَلِها؛ فقدْ يكونُ عندَه مالٌ ولكنَّه لا يَكفِيه، ويَتعفَّفُ عن المَسألةِ، ويَمنَعُه الحياءُ أنْ يُخبِرَ النَّاسَ بحالِه، ولا يَسأَلُ النَّاسَ إلْحافًا، والإلحافُ في المَسألةِ هو اللَّجاجُ والإلحاحُ فيها، والنَّفيُ في قولِه: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] لِنفْيِ المسألةِ، أي: لا يَسأَلون أصْلًا، فهمْ لا يَطوفون على الناسِ ولا يَسأَلونهم، ولا يَفطُنُ أحدٌ لحالِهِم، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ المرادُ: لو سَأَلوا لم يَسأَلوا بإلحافٍ.