علق رجل من الأنصار عتق غلامه بموته، ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فَعَدَّ هذا العتق من التفريط، ولم يقرَّه على هذا الفعل، فردَّه وباع غلامه بثمانمائة درهم، أرسل بها إليه، فإن قيامه بنفسه وأهله أولى له وأفضل من العتق، ولئلا يكون عالَةً على الناس.
ومثل هذه الأحاديث فيها أحكام يتعرف عليها الإنسان ولو لم يعمل بها، ولا ينبغي أن يترك تعلمها وفهمها بحجة أنه لا يوجد رقيق اليوم، فإن الرق موجود في أماكن من أفريقيا، وقد يعود مرة أخرى، وكان موجودًا من قديم الزمان وحتى جاء الإسلام وبعد ذلك، ولكن الإسلام يتشوف للحرية والعتق إذا حصل الرق.
من فوائد الحديث
صحة التدبير، وهو متفق عليه بين العلماء، ولكن الأنصاري لا يملك غير هذا العبد فلذلك لم يقره النبي -صلى الله عليه وسلم-.
المدبَّر يعتق من ثلث المال، لا من رأس المال، لأن حكمه حكم الوصية؛ لأن كلا منهما لا ينفذ إلا بعد الموت.
جواز بيع العبد المدبر مطلقا للحاجة، كالدَّين والنفقة؛ لأن الوصية يجوز تعديلها.
أن الأولى والأحسن لمن ليس عنده سَعَةُ في الرزق أن يجعل ذلك لنفسه ولمن يعول، فهم أولى من غيرهم، ولا ينفقه في نوافل العبادات من الصدقة والعتق ونحوها، أما الذي وسَّعَ الله عليه رزقه، فلْيحرِصْ على اغتنام الفرص بالإنفاق في طرق الخير (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ تَجِدُوُه عِنْدَ الله).
معاني الكلمات
دُبُر
بضم الدال المهملة، وضم الباء الموحدة، وهو عكس القبُل من كل شيء، والمراد هنا: بعد موته.
شرح آخر
رتَّبَ الإسلامُ أوْلوياتِ النَّاسِ في النَّفقةِ والصَّدقةِ؛ حتَّى تَسيرَ الحياةُ بصُورةٍ طَيِّبةٍ، ولا يُظْلَمَ فيها أحدٌ، ولا تَضْطرِبَ الحُقوقُ والواجباتُ عندَ النَّاسِ.
وفي هذا الحديثِ يُخْبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ -وفي روايةٍ عند مُسلمٍ: «أعتَقَ رجُلٌ مِن بَني عُذْرةَ»، وهو حَيٌّ مِن قَبيلةِ قُضاعةَ- «عبْدًا له عن دُبُرٍ»، أي: قرَّرَ هذا الرَّجلُ أنَّه بعْدَ أنْ يَموتَ يُصْبِحُ مَملوكُه حُرًّا، ولَمْ يَكُنْ له مالٌ غَيْرُ هذا العَبدِ، وهذا كنايةٌ عن احتياجِه للمالِ، فبلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلم يوافِقْه على فِعْلِه ذلك، ثم سأل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه: «مَن يَشتريه مِنِّي؟» فأراد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيْعَه للرَّجلِ؛ لكَونِه فَقيرًا مُحتاجًا للمالِ؛ فبَيْعُه والانتفاعُ بِمالِه أوْلى مِن عِتْقِه، فاشتراهُ نُعيمُ بنُ عبدِ اللهِ بن النحامِ العَدويُّ بثَمانِمِائةِ دِرْهمٍ، فجاء بها لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأعطاها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّجلِ.
قال عَمرُو بنُ دِينارٍ -راوي الحديثِ-: إنَّه سمع جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما يُخبِرُ أنَّ هذا العبدَ كان عَبْدًا قِبْطِيًّا، أي: من مِصْرَ، «ماتَ عامَ أوَّلَ» أي: في الزَّمَنِ الأوَّلِ، أي: قبل عامِهم الذي حَدَّث فيه جابِرٌ بالحديثِ.
أحكام العلماء
العالم
الحكم
المحكوم عليه
المصدر
البخاريت 256 هـ
صحيحصحيح
الحديث
صحيح البخاريرقم 7186
في الموضوع نفسه
لم يُحكم عليهمتفق عليهبلوغ المرام من أدلة الأحكام 1430b