وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -{ مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ اَلْمَسَاجِدِ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ . 1
1 - صحيح . رواه أبو داود (448) ، وابن حبان (1615) ، وعندهما : قال ابن عباس : "لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى" . قلت : والموقوف عن ابن عباس علقه البخاري بصيغة الجزم (1/539/ فتح ) . والتشييد -كما قال البغوي في "شرح السنة " (2/349-350)- هو : "رفع البناء وتطويله ، ومنه قوله سبحانه وتعالى (في بروج مشيدة) وهي التي طول بناؤها ، يقال : شاد الرجل بناءه يشيده ، وشيد يشيده ، وقيل : البروج المشيدة : الحصون المجصصة ، والشيد : الجص . . . وقول ابن عباس معناه : أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا أمر دينهم ، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم ، وسيصير أمركم إلى المراءات بالمساجد ، والمباهاة بتشييدها وتزيينها " .
رواه أبو داود (448). ذكره في بلوغ المرام من أدلة الأحكام (264).
المراد بتشييد المساجد هنا رفع البناء وتطويله، كما قال البغوي، والمبالغة في زخرفته، والزخرفة كما في كلام ابن عباس رضي الله عنهما من فعل اليهود والنصارى.
وأما تشييد المسجد وإحكام بنائه بما يستحكم به الصنعة من غير تزيين وتزويق وزخرفة فليس بمكروه إذا لم يكن مباهاة ورياء وسمعة؛ لما في حديث عثمان بن عفان: "من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله في الجنة". كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم باللَّبِن، وسقفه بالجريد، وعُمُده خشب النخيل، ولم يزد فيه أبو بكر رضي الله عنه ، ولما نخرت خشبه وجريده زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أعاده على بنائه الأول، وزاد فيه، ولما كان في عهد عثمان رضي الله عنه زاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالأحجار والجص، وجعل عُمُده من الحجارة، وسقفه الساج، فأدخل فيه ما يفيد القوة، ولا يقتضي الزخرفة، وكل ما صنعه كان من باب الإحكام والتجصيص من غير تزويق وزخرفة، وأما الحجارة المنقوشة فلم يكن نقشها بأمره بل حصلت له كذلك منقوشة، ولم يكن عند الذين أنكروا عليه من الصحابة دليل يوجب المنع إلا الحث على اتباع ما فعله صلى الله عليه وسلم وعمر في بناء المسجد من ترك الرفاهية، وهذا لا يقتضي منع التشييد بمعنى إتقان البناء ولا كراهته.
من فوائد الحديث
قول ابن عباس: لتزخرف كما زخرفت اليهود والنصارى معابدهم، هذا الإدراج عن ابن عباس مهم، له حكم الأخبار النبوية؛ فإنَّ فيه من أنباء الغيب، فلا يكون بالرأي، وقد وقع هذا الأمر.
دلَّ ظاهر الحديث على تحريم الزخرفة والتزويق في المساجد؛ لأنَّه من عمل أهل الكتاب، والتشبُّه بهم محرَّم.
زخرفة المساجد من البدع في الدين، علاوة على ما فيه من المحاذير الشرعية، كـ: الإسراف في النفقة، وإشغال القلوب عن الخشوع الذي هو روح ولبّ العبادة.
لا يدخل في النهي عن تشييد المساجد العناية بتوسعتها وإحكام بنائها في كل أجزائها، وتجهيزها بكل ما هو من مستلزمات العصر على الوجه المشروع.
معاني الكلمات
بتشييد المساجد
تشييد البناء أيضًا بإعلائه وتطويله، ورفع سقوفه، وطلائه بالجِصِّ أو النُورَة أو الرخام أو الدهان.
لتُزَخْرِفُنَّها
اللام للقسم، والزخرفة: كل ما تحصل به الزنية سواء كان من ذهب أو غيره.