سأل النبي صلى الله عليه وسلم أهله طعاما يأكله بالخبز، فقالوا: ما عندنا شيء إلا الخل، فأمر بإحضاره فجيء به فجعل يأكل ويقول: نعم الأُدُمُ الخل، نعم الأُدُمُ الخل.
وهذا ثناء على الخل، وإن كان الخل شرابا يشرب لكن الشراب يسمى طعاما؛ قال الله تعالى : {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي}، وإنما سُمِيَ طعاما لأن له طعما يطعم.
من فوائد الحديث
استحباب مدح الطعام ولو كان بسيطا قليل الكلفة.
مدح الاقتصاد في الأكل، ومنع اعتياد النفس على الأطعمة الدسمة الكثيرة الكلفة.
تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- في طعامه وامتداحه له.
مدح الخل سواء كان المدح لفضل الخل أو تطييبا لخاطر أهله.
معاني الكلمات
فدعا به
أمر بإحضاره.
الأُدُم
ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان.
الخل
ما حمض من عصير العنب وغيره.
شرح آخر
تَفضَّلَ اللهُ سُبحانَه على عِبادِه بنِعَمِه وأفْضالِه، وجَعَلَ في بَعضِ الأطعِمةِ بَرَكةً وفي بعضِها شِفاءً، وفي بعضِها كِفايةً عن غيرِها مِن الأطعمةِ الأُخرى، كما عَلَّمَنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القناعةَ والرِّضا بما يُوجَدُ في بُيوتِنا مِن الطَّعامِ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ «نِعْمَ الأُدْمُ -أوِ الإدامُ- الخلُّ» وهذا مَدحٌ للخَلِّ، وأنَّه مِن أفضلِ أنواعِ الإدامِ، والخلُّ هو: ما حَمُضٌ مِن عَصيرِ العِنَبِ وغيرِه، والأُدمُ والإدامُ هو كلُّ ما يُؤتدَمُ به وما يُستمرَأُ ويُستساغُ به الخبزُ، أي: الغموسُ مِن أيِّ صِنفٍ، وقيل: يُفهَمُ مِن هذا الكلامِ مَدحُ الاقتصادِ في المأْكلِ، ومنْعِ النَّفسِ عَن مَلاذِّ الأطعمةِ، كأنَّه يقولُ: ائْتَدِموا بالخلِّ وما كان في معناه مِمَّا تَخِفُّ مُؤنَتُه، ولا يَعِزُّ وُجودُه، ولا تَتَأنَّقُوا في المطْعَم؛ فإنَّ تناوُلَ الشَّهواتِ مَفسدةً لِلدِّينِ، مَسقمَةً لِلبَدَنِ.
وربَّما يكونُ الثَّناءُ على الخلِّ ثَناءً عليه بحسَبِ الوقتِ، لا لِتَفضيلِه على غيرِه؛ لأنَّ سَببَه -كما في رِوايةٍ أُخرى عندَ مُسلمٍ- «أنَّ أهْلَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَدَّموا له خُبزًا، فقال: ما مِن أُدمٍ؟ فقالوا: لا إلَّا شَيءٌ مِن خَلٍّ، قال: فإنَّ الخلَّ نِعمَ الأُدمُ»، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك جَبرًا لقَلبِ مَن قَدَّمَه، وتَطييبًا لِنَفسهِ، لا تَفضيلًا له على غيرِه.
وفي الحديثِ: أنَّ مِن هدْيِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا أَعجبَه الطَّعامُ أَثنى عليه.