إن الرجل العظيم صاحب البنية الضخمة المتعاظم على خلق الله في الدنيا المتجبر المتغطرس بأفعاله وأقواله، فإنه يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، ولا تكون له قيمة ولا منزلة.
من فوائد الحديث
أن قيمة الإنسان بعمله لا بشكله وجسمه يوم القيامة.
العبرة بالمقاييس الشرعية لا بالتصورات البشرية .
أنَّ ذا القَدْر والجَاه في الدنيا إذا لم يكن ذا تقوى، فليس له قَدْر عند الله -تعالى-.
معاني الكلمات
لا يزن عند الله
لا قيمة له عند الله ولا منزلة.
شرح آخر
إنَّ اللهَ تعالَى لا يَنظُرُ إلى أجسامِ النَّاسِ وصُوَرِهم، وإنَّما يَنظُرُ إلى التَّقوى الَّتي في القُلوبِ، وقد ذمَّ اللهُ تعالَى المنافقِينَ أصحابَ الأجسامِ القويَّةِ المعْتدلةِ، ولكنَّهم كالأخشابِ المسنَّدَةِ إلى الحائطِ لا يَسْمعونَ ولا يَعقِلونَ؛ فهم أشباحٌ بلا أرواحٍ، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4] .
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن مَشهدٍ مِن مَشاهدِ يومِ القيامةِ، حيثُ يؤْتَى برَجُلٍ عَظيمٍ سَمينٍ، ولكنَّه لا يَزِنُ عندَ اللهِ جَناحَ بَعوضةٍ؛ لخلُوِّ قلْبِه مِنَ الإيمانِ الَّذي هو مَحلُّ الوزنِ يومَ القيامةِ، وبه تَثقُلُ الموازينُ، وكَم مِن عَظيمِ الجُثَّةِ لا وقْعَ له! لأنَّ الوقْعَ إنَّما يكون بِالمعاني لا بالصُّورِ، والبَعوضةُ: حَشَرةٌ صغيرةٌ مِثلُ البَقِّ والناموسِ، وجناحُها من أخَفِّ الأعضاءِ فيها.
ثُمَّ ذكَرَ أبو هُرَيْرَةَ رضِي اللهُ عنه -تَصديقًا لِقولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قولَه تعالَى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] ، أي: لا نَجعَلُ لهم مِقدارًا، أو لا نضَعُ لهم مِيزانًا تُوزَنُ به أعمالُهم؛ لأنَّ الميزانَ إنَّما يُنصَبُ لِلَّذينَ خَلَطوا عملًا صالًحا وآخَرَ سيِّئًا، أو لا نُقيمُ لأعمالِهم وزْنًا لحَقارتِها.
وفي الحَديثِ: أنَّ ذا القَدْرِ والجاهِ في الدُّنْيا إذا لم يكنْ ذا تقْوى، فليس له قَدْرٌ عندَ اللهِ تعالَى.