قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: طلع النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فنادى بصوت عال قائلًا: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يصل الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، فكلُّ من ثبت له الإسلام في الظاهر لا تجوز أذيته بلا ذنب منه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]، قال: ولا تُعيبوهم على ذنب سبق لهم، فإن الواجب النصح له والبحث عن أسباب الهداية له كالدعاء، ولا تجسسوا للتعرف على عوراتهم، وملاحقة زلاتهم وجمع أخطائهم، خاصة إذا كان من أهل العلم أو الدعوة، فإنه من طلب ظهور عيب أخيه المسلم كشف الله عَيبَه، ومن تتبع الله عورته كشف مساويه، ولو كان في وسط منزله مختفيًا من الناس، وأما الفاسق المعلن بفسقه أو المعادي للإسلام فيُحذِّر منه أهل العلم، ونظر ابن عمر يومًا إلى البيت الحرام أو إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، وحرمتها ما لا يحل انتهاكه منها، ولكن المؤمن أعظم حرمة عند الله منك.
من فوائد الحديث
عظمة المؤمن عند الله تعالى.
النهي عن إيذاء المسلمين وتعييرهم والتجسس عليهم.
من بلغه خطأ من أي مسلمٍ كان فليس له أن ينشره ويحذر منه مباشرة، بل قبل ذلك إذا كان يهمه شأنه فعليه أن يتثبت، ويسأله عن صحة ما نُسب إليه،وما عذره في ذلك إن صح، فإلم يكن له عذر فينصحه ويستره، وإذا لم يستطع الوصول إليه وكان ذلك المسلم معروفًا بالصلاح فيلتمس له العذر.
معاني الكلمات
يُفضِ
يدخل.
تعيِّروهم
تصفوهم بالعار، وهو الشين والعيب.
شرح آخر
الإسلامُ دِينُ الأخلاقِ الحسَنةِ، وقد أمرَ بحفظِ الأعْراضِ مِن أنْ تُنتَهكَ بالقولِ أو الفعلِ؛ لأنَّه ممَّا يورِثُ العَداوةَ والبَغضاءَ بينَ المسلِمينَ، وفي هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "يا مَعشرَ مَن آمَنَ بلِسانِه وَلم يَدخُلِ الإيمانُ قلبَه" وهذا نِداءٌ للتَّحذيرِ؛ لأنَّ الإيمانَ يجبُ أن يكونَ بالجَوارِحِ بعدَما يَصدُقُ ويستَقِرُّ في القلبِ، فتكونُ الأفعالُ والأعمالُ والاستِجابةُ للأوامرِ والنَّواهي دليلًا على هذا التَّصديقِ.
"لا تَغْتابوا المسلِمينَ"، أي: لا تَذكرُوهم في غَيبتِهم بما يَسوءُهم ويُحزِنُهم، "ولا تتبِعوا عَوراتِهم"، أي: ولا تتحرَّوْا تتبُّعَ سقَطاتِهم وزَلَّاتِهم، وكشْفَ ما يَسترُونَه عن النَّاسِ من القَبائحِ؛ "فإنَّه مَنِ اتَّبع عَوراتِهم يتَّبِعِ اللهُ عورتَه، ومَن يتَّبعِ اللهُ عوْرتَه يفضَحْه في بيتِه"، أي: يكونُ الجزاءُ مِن جِنس العَملِ، فكمَا تتبَّعوا سَقطاتِ المسلمينَ وزلَّاتهِم واغْتابوهم لفَضحِهم، سَخَّر اللهُ تَعالى له مَن يتَّبعُ عورتَه فيفضَحُه حتى وهو في بيتِه.
وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ الإيمانَ يكونُ بالقولِ والعَملِ والجوارحِ، وأنَّ المغْتابَ لم يَستقِرَّ الإيمانُ في قلبِه.
وفيهِ: التَّحذيرُ من الغِيبةِ، والترهيبُ الشَّديدُ مِن تتبُّعِ عوراتِ المسلمينَ.