كان الصحابة رضي الله عنهم في جنازة أحدهم في مَقبرة أهل المدينة، فقَعَد النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وكان بيده عصا، فنَكَّس رأسه وطأطأه إلى الأرض كالمتفكر المهموم، وجعل ينكش الأرض بالعصا، ثم قال: إن الله تعالى قد كتب مقادير الناس وكتب مقاعدهم في الجنَّة وفي النَّار.
فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ما دام أنه قد سبق القضاء والقدر؛ بأن الشقي شقي، وأن السعيد سعيد، وأن الذي في الجنة في الجنة، والذي في النار في النار، فما دام الأمر كذلك، ألا نترك العمل؛ لأنه لا فائدة في السعي، فإن كل شيء مكتوب ومُقدر.
فأجابهم بقوله: اعملوا ولا تتكلوا على ما قَدَّره الله من خير أو شرٍّ، بل اعملوا بمقتضى ما أمرتم به وانتهوا عما نُهيتم عنه، فإن الجنة لا تأتي إلا بعمل والنار لا تأتي إلا بعمل، فلا يدخل النار إلا من عمل بعمل أهل النار، ولا يدخل الجنة إلا من عمل بعمل أهل الجنة، فَكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له من خَيْرٍ أو شَرٍّ، فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة.
من فوائد الحديث
استحباب الموعِظة على القبر.
جواز القعود في المقبرة بشرط أن لا يؤذوا الأموات بجلوسهم على قبورهم.
إثبات القدر، وأن كل شيء مكتوب ومقدر قبل أن يقع، وإثبات الإرادة للإنسان، وأن ما يريده ويفعله يقع موافقًا لإرادة الله -تعالى-.
الله -عز وجل- يُيَسِّر من سبق في علمه أنه من أهل السعادة إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يُيَسِّره لعمل أهل الشقاوة.
لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وذلك لأن العبد ما كان يعلم قبل عمله ما سيكون، ولكن باختياره وفعله ظهر له ما كان قد سبق في عِلم الله -تعالى-.
معاني الكلمات
بَقِيعِ الغَرْقَد
مقبرة أهل المدينة، والغَرْقَد: نوع من شجر العَضَاة، والعَضَاة: شجر له شوك مثل: الطَلح ، والسِّدر.
مِخْصَرَةٌ
عصا ذات رأس مِعْوَج.
نَكَّسَ
خفض رأسه وطأطأه إلى الأرض على هيئة المهموم.
يَنْكُتُ
يَنْكُش في الأرض.
نَتَّكِلُ
من الاتِّكال، وهو: الاعتماد على ما هو مكتوب.
كِتَابِنَا
مكتوبنا السابق من السعادة وضدها.
مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له
أن الإنسان خلق ليعمل والعمل الذي يريده ميسر له، سواء كان خيراً أو شراً، فالسعداء يسيرون في درب السعادة، والأشقياء يسيرون في درب الشقاوة.
شرح آخر
في هذا الحَديثِ يَحكي عَليُّ بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عنه أن الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم كانوا في جِنازةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، وهو ما عَظُمَ مِن شَجَرِ العَوسَجِ، كان يَنبُتُ فيه، فذهَبَ الشَّجَرُ وبَقِيَ الاسمُ لازمًا للمَكانِ، وهي مَقْبَرةُ المَدينةِ، إلى جوارِ المسجِدِ النَّبويِّ الشَّريفِ، فجاءهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وَقَعَدوا حَولَه، ومَعَه «مِخْصَرةٌ»، أي: وهي عَصا يُتوكَّأُ عليها، فَخفض رأسَه وطأطأ إلى الأرضِ على هيئةِ المهمومِ المفَكِّرِ، كما هي عادةُ من يتفَكَّرُ في شَيءٍ حتى يستحضِرَ معانِيَه، فيحتَمِلُ أن يكونَ ذلك تفكُّرًا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمرِ الآخِرةِ؛ لقرينةِ حُضورِ الجِنازةِ، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابِه، فَجَعَلَ يضرِبُ في الأَرْضِ بالعَصَا، ثُمَّ ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه ما مِنهُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَولودةٍ ومَخلوقةٍ، إلَّا كُتِبَ مَكانُها -يعني: قُدِّر وعُيِّن- الَّذي تَصيرُ إلَيه مِن الجَنَّةِ والنَّارِ، إلَّا وقَدْ كُتِبَتْ شَقيَّةً، أي: مُعَذَّبةً بالنَّارِ، أو سَعيدةً وفَرِحةٌ بالْجَنَّةِ.
فَسَأَلَ رَجُلٌ -قيل: هو عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقيل غيرُه-: «يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ عَلى كِتابِنا ونَدَعُ العَمَلَ؟» يعني: أفلا نعتَمِدُ على ما قُدِّرَ علينا، ونترُكَ العَمَلَ؛ فَمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعادةِ فَسَيَصيرُ -أي: سيَجُرُّه القَضاءُ- إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعادةِ، أي: قَهرًا ويكونُ مآلُ حالِه ذلك بدونِ اختيارِه، ومَن كان مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَسَيَصيرُ إلى عَمَلِ أهلِ الشَّقاوةِ -يعني: قَهْرًا-؟ وحاصِلُ السُّؤالِ: ألَا نَترُكُ مَشَقَّةَ العَمَلِ، ما دام أنَّنا سنصيرُ إلى ما قُدِّرَ علينا، وأنَّ السَّعيَ لا يَرُدُّ قَضاءَ اللهِ وقَدَرَه؟ وحاصِلُ الجَوابِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّه لا مشَقَّةَ؛ لأنَّ كُلَّ أحدٍ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، وهو يسيرٌ على من يسَّره اللهُ عليه. فمنعهم عن الاتِّكالِ، وتَرْكِ العَمَلِ، وأمرهم بالتزامِ ما يجِبُ على العَبدِ مِن العُبوديَّةِ، مع عدمِ جَعلِ العِبادةِ وتَرْكِها سببًا مُستَقِلًّا لدُخولِ الجنَّةِ والنَّارِ، بل هي علاماتٌ فقط. ثُمَّ قَرَأَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -تصديقًا لإجابتِه- قوْلَ اللهِ تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] .
وفي الحَديثِ: مشروعيَّةُ الموعِظةِ عند القَبرِ.
وفيه: الجَمعُ بين الإيمانِ بالقَدَرِ، والأخذِ بالأسبابِ في العَمَلِ.