انتقل إلى المحتوى

صحيح مسلمكتاب البر والصلة والآداب

لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة

باب تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا ‏‏

صحيح من أحاديث صحيح مسلم صحيح مسلم ⁦2550b⁩

الراوي:أبو هريرة رضي الله عنه

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏

لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ ‏.‏ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتِي ‏.‏ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ ‏.‏ فَقَالَ أَىْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتِي ‏.‏ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ ‏.‏ فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ - قَالَ - فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ ‏.‏ فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ ‏.‏ فَقَالَ أَيْنَ الصَّبِيُّ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ يَا غُلاَمُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ فُلاَنٌ الرَّاعِي - قَالَ - فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُوا نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ ‏.‏ قَالَ لاَ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ ‏.‏ فَفَعَلُوا ‏.‏ وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ فَقَالَتْ أُمُّهُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا ‏.‏ فَتَرَكَ الثَّدْىَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ‏.‏ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ ‏.‏ قَالَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ فَجَعَلَ يَمُصُّهَا ‏.‏ قَالَ وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ سَرَقْتِ ‏.‏ وَهِيَ تَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ‏.‏ فَقَالَتْ أُمُّهُ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا ‏.‏ فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا ‏.‏ فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ فَقَالَتْ حَلْقَى مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ ‏.‏ فَقُلْتَ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ‏.‏ وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ سَرَقْتِ ‏.‏ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا ‏.‏ فَقُلْتَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا قَالَ إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ‏.‏ وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا زَنَيْتِ ‏.‏ وَلَمْ تَزْنِ وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا ‏.‏

رواه مسلم (2550b).

نسخ
نسخ:
الإبلاغ عن خطأ

الشرح

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) والمراد في الأيام الأولى من طفولته، وهم:

أولا: عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ، وكان آية من آيات الله عز وجل وقد تكلم وهو في المهد.

ثانيًا: صاحب جريج، وجريج رجل عابد، برأ الله جريجًا من هذه التهمة التي أرادوا إلصاقها به، وأظهر هذه الآية كرامة له، وهي أن ينطق الصبي ببراءته، وذلك أنه اتخذ مكان يخلو فيه للعبادة، فأتته أمه يومًا وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رَبِّ أُمِّي وصلاتي. تردد هل يقطع الصلاة ليجيب أمه أم يكمل صلاته، فأقبل على صلاته فذهبت أمه. فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فتكرر ما حصل بالأمس، فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فتكرر منه ذلك فقالت أمه: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حتى يَنظر إلى وجوه المُومِسَاتِ أي الزانيات. فتذاكر بَنُو إسرائيل جُريجا وعبادته، وكانت امرأة زانية يُتَمَثَّلُ بحُسنها، فقالت: إن شِئتم لأغرينه حتى يدع صلاته ويقع في الزنى، فتَعرَّضت له، فلم يَلتَفت إليها، فأتت راعِيًا فَأَمْكَنَتْه من نَفسِها فزنى بها، فحملت، فلمَّا ولدت، قالت: هو من جُريج، فَأتَوْهُ وأنزلوه وهدَمُوا صَومَعتَه، وجَعَلوا يَضربونه، فقال: ما شَأنُكم؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذه البَغِيِّ فولَدَت منك. قال: أين الصَّبي؟ فجاؤَوا به فقال: دَعوني حتى أُصلَّي، فصلَّى فلمَّا انْصرف أتى الصَّبي فَطَعن بأصبعه في بَطنه، وقال: يا غُلام مَنْ أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي، فأقبلوا على جُريج يقبلونه ويَتمسَّحون به، وقالوا: نَبْنِي لك صَوْمَعَتَكَ من ذهب. قال: لا، أعِيدُوها من طين كما كانت، ففعلوا.

ثالثًا: هذا الصبي الذي كان مع أمه يرضع، فمر رجل على فرس نفيسة وهيئته حسنة، وحكى النبي صلى الله عليه وسلم ارتضاع هذا الطفل من ثدي أمه بأن وضع إصبعه السبابة في فمه يمص، تحقيقا للأمر، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله. فقال الطفل: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبلوا بجارية؛ امرأة مملوكة يضربونها ويقولون لها: زنيت، سرقت. وهي تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. فقالت المرأة أم الصبي وهي ترضعه: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فأطلق الثدي، ونظر إليها، وقال: اللهم اجعلني مثلها.

فتراجع الحديث مع أمه؛ طفل يتكلم معها، قالت: إني مررت أو مر بي هذا الرجل ذو الهيئة الحسنة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت أنت: اللهم لا تجعلني مثله، فقال: نعم؛ هذا رجل كان جبارا عنيدا فسألت الله ألا يجعلني مثله.

أما المرأة فإنهم يقولون: زنيت وسرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقلت: اللهم اجعلني مثلها. أي اجعلني طاهرا من الزنى والسرقة مفوضا أمري إلى الله، في قولها: حسبي الله ونعم الوكيل.

من فوائد الحديث

  • إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن الاستمرار فيها نافلة وإجابه الأم وبرها واجب.
  • عظم بِرِّ الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذورا؛ لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد.
  • مَكْرُ أهل الباطل بالصالحين قديم؛ فبنوا إسرائيل تآمروا على جريج وحرضوا البغي عليه، فلما ظنوا أنهم أصابوا منه مقتلاً زعموا أنهم يأدبونه للإصلاح، ولو كانوا مصلحين لأقاموا الحد على هذه المرأة البغي.
  • فيه دليل على صبر جريج، حيث إنه لم ينتقم لنفسه، ولم يكلفهم شططا فيبنون له صومعته من ذهب، وإنما رضي بما كان رضي به أولا من القناعة وأن تبنى من الطين.
  • أن الوضوء كان معروفا في شرع من قبلنا، فقد ثبت في هذا الحديث في صحيح البخاري: (فتوضأ وصلى).
  • الالتجاء إلى الله بالصلاة عند الكِرْب، وفي الحديث الآخر: (كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة).
  • صاحب الصِّدق مع الله لا تَضُرُّه الفِتن.
  • قوة يَقِين جُريج وصحة رجائه، لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق؛ ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنْطَقه.
  • ثبوت الكرامة للصالحين من الرجال والنساء، وثبوت المعجزة للأنبياء.
  • يجعل الله -تعالى- لأوليائه مخارجًا عند ابتلائهم بالشدائد غالبًا، قال الله -تعالى-: (ومن يتق الله يجعل له مخرجًا) وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيبًا وزيادةً لهم في الثواب.

معاني الكلمات

المهد
السرير يهيأ للصبي ويوطأ لينام فيه، والمراد في الأيام الأولى من الطفولة.
المُومِسَاتِ
الزَّواني.
صومعته
الصَوْمَعَة بيت العِبادة عند النصارى ومتَعَبَّد الناسك.
بَغِيٌّ
المرأة الفاجرة.
لأفتننه
الفتنة: الاختبار والابتلاء والإعجاب بالشيء.
اسْتَنْزَلُوهُ
أنْزَلُوه.
طَعَنَ في بَطْنِه
وخَزَه برأس أُصْبُعه في بطنه.
حَسْبِيَ الله
كافِيني الله.
دَابة فَارِهة
حَاذِقة نَفِيسَة.
الأَمَة
المرأة المملوكة، خلاف الحُرَّة.
الشَّارَةُ
الجَمَال الظاهر في الهيئة والمَلبس.
فِيه
فَمِه.
تَرَاجَعَا الحديث
حَدَّثت الصَّبي وحَدَّثها.
شرح آخر

أقام اللهُ سُبحانَه الحياةَ على جُملةٍ مِن القَوانينِ الثَّابتةِ التي لا تَتغيَّرُ، وأحيانًا يَخرِقُ اللهُ عزَّ وجلَّ هذه القوانينَ؛ ليُعلِمَ الإنسانَ أنَّ مِن وَراءِ هذا الثَّباتِ ربًّا قادرًا يقولُ للشَّيءِ: كُن، فيكونُ، ومِن ذلك نُطْقُ بَعضِ الأطفالِ الرُّضَّعِ على غيرِ ما جَرَت به العادةِ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لَمْ يَتكلَّمْ في المَهْدِ إلَّا ثَلاثةٌ، أي: لم يَتكلَّمْ في حالِ الصِّغَرِ التي لا يَتكلَّمُ فيها الأطفالُ إلَّا ثَلاثةٌ، والمهْدُ: الفِراشُ الَّذي يُهيَّأُ للرَّضيعِ أنْ يُربَّى فيه. وقد وَرَدَ في رِواياتٍ أُخرى كلامُ غيرِ هؤلاء الثَّلاثةِ، وأُجِيبَ عن الحصْرِ في هذا الحديثِ باحتمالِ أنْ يكونَ المعنى: لم يَتكلَّمْ في بَني إسرائيلَ، أو أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَه قبْل أنْ يَعلَمَ الزِّيادةَ.

أوَّلُ هؤلاءِ الثَّلاثةِ: نَبيُّ اللهِ عِيسى ابنُ مَريمَ عليهِ السَّلامُ، حيثُ أنطَقهُ اللهُ عزَّ وجلَّ عِندما اتَّهَمَ القومُ أُمَّه مَريمَ في حَمْلِها به، فنَفى التُّهَمةَ عنها، كما في قولِه تعالَى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 29- 33] .

والثَّاني: الغُلامُ الَّذي اتُّهِمُ به جُريجٌ راهبُ بَني إسرائيلَ، وكان بعْدَ نَبيِّ اللهِ عِيسى عليه السَّلامُ، وكانَ جُريجٌ عابِدًا يُصلِّي مُعتزِلًا النَّاسَ، فجاءَتْه أُمُّه في يومٍ ونادَتْه وهوَ يُصلِّي، فاحتارَ في نفْسِه وتَردَّدَ: هلْ يَقطَعُ صَلاتَه ويُجيبُ نِداءَ أُمِّهِ، أمْ يُكمِلُ الصَّلاةَ تاركًا نِداءَ أُمِّه؟ ففَضَّلَ أنْ يُكمِلَ الصَّلاةَ، وفي رِوايةٍ أُخرى في الصَّحيحينِ: أنَّ أُمَّه كرَّرَت نِداءَها عليه ثَلاثَ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ يَتردَّدُ قائلًا: رَبِّ أُمِّي وصَلاتي؟ ويَمْضي في صَلاتِه، وعدَمُ إجابتِه لها مع تَرديدِ نِدائِها له يُفهِمُ ظاهرُه أنَّ الكلامَ عندَه يَقطَعُ الصَّلاةَ، وإنَّما سَأَل أنْ يُلقيَ اللهُ في قلْبِه الأفضلَ، ويَحمِلَه على أَوْلى الأمْرَينِ به، فحمَلَه على الْتزامِ مُراعاةِ حقِّ اللهِ تعالَى على حقِّ أمِّه، ولَمَّا لم يُجِبْها في الثَّالثةِ، وآثَرَ استمرارَه في صَلاتِه ومُناجاتِه على إجابتِها، واختار الْتزامَ مُراعاةِ حقِّ اللهِ على حَقِّها؛ غَضِبَتْ أُمُّه ودَعَتْ عليهِ أنْ يَرَى قبْلَ مَوتِهِ المومِساتِ، وهُنَّ النِّساءُ البَغايا اللَّاتي يمارِسْنَ الرَّذِيلةَ والزِّنا ويُعرَفْنَ بذلكَ. وقد كان مِن كَرامةِ اللهِ تعالَى لجُريجٍ أنْ ألْهَمَ اللهُ أُمَّهُ الاقتِصادَ في الدَّعوةِ، فلم تَدْعُ عليه بالفِتنةِ بهِنَّ، بلْ دَعَتْ فقطْ بمُجرَّدِ النَّظرِ في وُجوهِهنَّ، فلمْ تَقتَضِ الدَّعوةُ إلَّا كَدَرًا يَسيرًا، بلْ أعْقَبَتْ سُرورًا كَثيرًا، وفي رِوايةِ مُسلِمٍ: «ولو دَعَت عليه أنْ يُفتَنَ لَفُتِنَ».

وكانَ جُرَيجٌ في صَوْمَعتِه لا يَخرُجُ منها إلَّا لحاجةٍ، والصَّوْمعةُ: بَيتٌ مِثلُ الدَّيْرِ والكَنيسةِ يَنقطِعُ فيها رُهبانُ النَّصارى للعِبادةِ، فأتَتْه امْرأةٌ وأرادتْ أنْ تُمكِّنَه مِن نفْسِها بالزِّنا، فامتَنَعَ جُرَيجٌ، «فأتَتْ راعيًا فأمكَنَتْه مِن نفْسِها»، أي: فزنَى بها راعٍ يَرْعى الماشيةَ، وقدَّرَ اللهُ عزَّ وجلَّ الأسبابَ التي ستُحقِّقُ في جُريجٍ دَعوةَ أُمِّه عليه، فحَمَلتْ تلك المرأةُ الزَّانيةُ مِن هذا الرَّاعي، حتَّى انقَضَتْ أيَّامُها، فولَدَتْ غُلامًا، ولَمَّا سُئِلتْ عن والدِ الغُلامِ، قالتْ: إنَّه ابنُ جُرَيجٍ صاحبِ الصَّومعةِ؛ إشارةً إلى اتِّهامِه بالزِّنا معها، فذَهبَ إليهِ النَّاسُ فهَدَموا الصَّوْمعةَ وأخرَجوهُ مِنها، وجَعَلوا يُؤذُونَه بالسَّبِّ والشَّتمِ، فتَوضَّأَ جُرَيجٌ وصلَّى، ودَعا اللهَ في صَلاتهِ، ثمَّ أقْبَلَ على الولدِ الَّذي اتُّهِم فيهِ، وسَأَلَه: مَن أبوكَ يا غلامُ؟ فقال: أبِي الرَّاعي، فأنطَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الطِّفلَ بأنَّ الرَّاعي هو أبوهُ، فظَهَرَ للنَّاسِ كَرامةُ جُريَحٍ وبَراءَتُه، فلمَّا عَلِموا بَراءتَه أرادوا أنْ يُعيدوا بِناءَ صَوْمعتِه مِن ذَهبٍ، فرَفَضَ جُريجٌ ذلك، وأمَرَهم أنْ يُعيدوا بِناءَها مِن الطِّينِ، وهذا مِن تَواضُعِه رَحِمه اللهُ.

وأمَّا الغلامُ الثَّالثُ: فهو رَضيعُ امرأةٍ مِن بَني إسْرائيلَ، قدْ مَرَّ بها رجُلٌ راكبٌ لهُ هَيْبةٌ وهَيْئةٌ حَسنةٌ يُشارُ إليه بها، فقالَتِ الأُمُّ -لمَّا ظَهَرَ لها مِن عَظيمِ شَأنِ هذا الرَّجلِ-: «اللَّهمَّ اجْعَلِ ابْني مِثلَه»، فدَعَتِ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يَجعَلَ ولَدَها مِثلَ هذا الرَّجلِ في عُلوِّ الشَّأنِ والمَكانةِ، فتَركَ الطِّفلُ الرَّضاعةَ مِن ثَدْيِ أُمِّهِ وتَوجَّهَ بنَظَرِه إلى الرَّاكبِ، فقالَ: «اللَّهمَّ لا تَجعلْني مِثلَه»، أي: فيما يُبطِنُ مِن التَّجبُّرِ والتَّكبُّرِ، وهذهِ كرامةٌ للغُلامِ؛ حيثُ نطَقَ في المهْدِ، ثمَّ عادَ الطِّفلُ مرَّةً أُخرى للرَّضاعةِ. فأخبَرَ أبو هُرَيرَة رَضيَ اللهُ عنه كأنَّه يَنظُرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصِفُ حالةَ رَضاعِ الطِّفلِ، فمَصَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إِصْبعَه تَوضيحًا وتَصويرًا، ثمَّ أكمَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِكايةَ الطِّفلِ معَ أُمِّه وهوَ يَرضَعُ، فأخبَرَ أنَّه مرَّ قومٌ بأَمَةٍ -أي: بامْرأةٍ مَملوكةٍ- يَظهَرُ عليها أثرُ الإذلالِ، فقالتِ الأمُّ: «اللَّهُمَّ لا تَجعَلِ ابْني مِثلَ هذِهِ»، لمَّا ظَهَرَ لها مِن إذْلالِ الممْلوكةِ وإهانتِها، دَعتِ اللهَ ألَّا يَجعَلَ ابْنَها مِثلَ تلكَ المرأةِ، فتَرَكَ الطِّفلُ ثَدْيَ أُمِّه مرَّةً ثانيةً ودَعا: اللَّهمَّ اجْعَلْني مِثلَ هذه الجاريةِ المملوكةِ. فسَأَلتِ المرأةُ ابْنَها لِمَا ظَهَرَ لها أنَّ كلامَه في مَهدِه لم يكُنْ عَبثًا: لِمَ دَعَوتَ اللهَ بعَكسِ ما ظهَرَ لي وبَعكسِ ما دَعَوتُ لكَ؟ فأجاب الغلامُ مُخاطِبًا أُمَّه ومُوضِّحًا لها أنَّ الرَّاكبَ إنَّما هو جبَّارٌ ظالمٌ مُتكَبِّرٌ، فلا أُحِبُّ أنْ أكونَ مِثلَه، وأمَّا الأَمةُ التي تَظهَرُ بمَظهَرِ الذُّلِّ والهَوانِ، حيث يَتَّهِمونها بالسَّرقةِ والزِّنا، لكنَّها في حَقيقةِ أمْرِها مَظلومةٌ؛ لم تَسرِقْ ولم تَزنِ، واللهُ معَ المظلومِ وناصرُهُ، وهيَ تَلتجِئُ إلى اللهِ تعالَى أنْ يُجيرَها وأنْ يُثِيبَها، فأحببْتُ أنْ أكونَ مِثلَها.

وفي الحديثِ: فضْلُ طاعةِ الأُمِّ والحذَرُ مِن إغضابِها.

وفيه: أنْ يُحسِنَ العبدُ ظَنَّه برَبِّه في شَدائدِه.

وفيه: أنَّ مَن أهمَّهُ أمرٌ فليَفْزَعْ إلى اللهِ تعالَى، وليُقبِلْ عليهِ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ.

وفيه: إثباتُ كَراماتِ الأولياءِ.

وفيه: أنَّ صاحبَ الصِّدقِ مع اللهِ لا تَضُرُّه الفِتَنُ.

وفيه: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَجعَلُ لأوليائِه مَخارجَ عندَ ابتلائِهِم، وإنَّما يَتأخَّرُ ذلك عن بَعضِهم في بَعضِ الأوقاتِ تَهذيبًا وزِيادةً في الثَّوابِ.

الشرح القديم

النووي — المنهاج شرح صحيح مسلم

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة ) فَذَكَرَهُمْ , وَلَيْسَ فِيهِمْ الصَّبِيّ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمَرْأَة فِي حَدِيث السَّاحِر وَالرَّاهِب , وَقِصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود الْمَذْكُور فِي آخِر صَحِيح مُسْلِم , وَجَوَابه أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيّ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَهْد , بَلْ كَانَ أَكْبَر مِنْ صَاحِب الْمَهْد , وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا. قَوْله : ( بَغِيّ يُتَمَثَّل بِحُسْنِهَا ) أَيْ يُضْرَب بِهِ الْمَثَل لِانْفِرَادِهَا بِهِ. قَوْله : ( يَا غُلَام مَنْ أَبُوك ؟ : قَالَ : فُلَان الرَّاعِي ) قَدْ يُقَال : إِنَّ الزَّانِي لَا يَلْحَقَهُ الْوَلَد , وَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا لَعَلَّهُ كَانَ فِي شَرْعهمْ يَلْحَقهُ , وَالثَّانِي الْمُرَ…

اقرأ المزيد

أحكام العلماء

العالمالحكمالمحكوم عليهالمصدر
مسلمت 261 هـ صحيحصحيح الحديث صحيح مسلم رقم 2550

روايات أخرى

وأخرجه أيضًا… (4)
  • البر والصلة لابن الجوزي (94)لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا ، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا ، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ
  • غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال (498)لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلا ثَلاثَةٌ : عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلا عَابِدًا ، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً ، فَكَانَ فِيهَا ، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجٌ ، فَقَالَ : يَا رَبُّ ، أُمِّي وَصَلاتِي ! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ ،
  • مجابو الدعوة لابن أبي الدنيا (1)لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلا ثَلاثَةٌ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلا عَابِدًا ، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً ، وَكَانَ فِيهَا ، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، أُمِّي وَصَلاتِي ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ ، فَانْصَرَفَتْ أُم
  • معالم التنزيل تفسير البغوي (1246)لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلا ثَلاثَةٌ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلا عَابِدًا ، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَتَهُ فَكَانَ فِيهَا ، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ . فَقَالَ : يَا رَبِّ ، أُمِّي وَصَلاتِي ؟ فَأَقْبَ

في الموضوع نفسه

لم يُحكم عليه مسند أحمد ⁦9230⁩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَتِهِ قَالَ فَأَتَتْهُ أُمُّهُ فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي قَالَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَصِفُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى…

الراوي: أبو هريرة + رواية أخرى

لم يُحكم عليه مسند أحمد ⁦7726⁩

حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَكَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَابِدٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ فَابْتَنَى صَوْمَعَةً وَتَعَبَّدَ فِيهَا قَالَ…

الراوي: أبو هريرة

لم يُحكم عليه مسند أحمد ⁦8633⁩

حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ أَنْبَأَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَتِهِ فَأَتَتْهُ أُمُّهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَادَتْهُ فَقَالَتْ أَيْ جُرَيْجُ أَيْ بُنَيَّ أَشْرِفْ عَلَيَّ…

الراوي: أبو هريرة

صحيح صحيح البخاري ⁦2482⁩

كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي ثُمَّ أَتَتْهُ، فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ‏.‏ وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا‏.‏ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ…

الراوي: أبو هريرة + رواية أخرى مشروح

الآيات المذكورة

الموضوعات