نص الآية 5:84
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤
الآية 84 من سورة المائدة (5:84)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 7، في الصفحة 122 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 73 قارئًا.
79 تلاوة بأصوات 73 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
وأي سبب يحول بيننا وبين الإيمان بالله وما أنزله من الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟! ونحن نرجو دخول الجنة مع الأنبياء وأتباعهم المطيعين لله الخائفين من عذابه.
وقالوا: وأيُّ لوم علينا في إيماننا بالله، وتصديقنا بالحق الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، واتباعنا له، ونرجو أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته في جنته يوم القيامة؟
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضلوا لحاهم، وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه، وقرأ عليهم القرآن، أسلموا، وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي: فهاجر النجاشي، فمات بالطريق. وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم … تابع القراءة
وهذا خبر من الله تعالـى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم فـي هذه الآيات، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلـى رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب الله، وقالوا: ما لنا لا نؤمن بـالله؟ يقول: لا نقرّ بوحدانـية الله {وما جَاءَنا مِنَ الـحَقِّ} يقول: وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنزيـله، ونـحن نطمع بإيـماننا بذلك {أنْ يُدْخِـلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصَّالِـحِينَ} يعنـي بـالقوم الصالـحين: الـمؤمنـين بـالله الـمطيعين له، الذين استـحقوا من الله الـجنة بطاعتهم إياه. وإنـما معنى ذلك: ونـحن نطمع أن يدخـلنا ربنا مع أهل طاعته مداخـلهم من جنته يوم القـيامة، ويـلـحق منازلنا … تابع القراءة
قوله تعالى: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ} بيّن استبصارهم في الدين؛ أي يقولون وما لنا لا نؤمن؛ أي وما لنا تاركين الإيمان. فـ «نُؤْمِنُ» في موضع نصب على الحال. {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ} أي مع أُمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: { { أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } } [الأنبياء: 105] يريد أُمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الكلام إضمار أي نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة. وقيل: «مع» بمعنى «في» كما تذكر «في» بمعنى «مع» تقول: كنت فيمن لقي الأمير؛ أي مع من لقي الأمير. والطمع يكون مخففاً وغير مخفف؛ يقال: طَمِع فيه طَمَعاً وطَمَاعَةً وطَمَاعِيَة مخفف فهو طَمِع.
يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين، وإلى ولايتهم ومحبتهم، وأبعدهم من ذلك: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا. { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } وذكر تعالى لذلك عدة أسباب: منها: أن { مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } أي: علماء متزهدين، وعُبَّادًا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه … تابع القراءة
{ و } قالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود { ما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق } القرآن أي لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه { ونطمع } عطف على نؤمن { أن يدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين } المؤمنين الجنة قال تعالى .
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم، {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ}، تسيل، {مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: يريد النجاشي وأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كۤهيعۤصۤ، فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة. {يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، يعني: أمة محمد، دليله قوله تعالىٰ: { { لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } } [البقرة: 143]. {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ}، وذلك أن اليهود عيّروهم وقالوا لهم: لِمَ آمنتم؟ فأجابوهم بهذا، {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، أي: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه { { أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } } [الأنبياء: 105].
فذلكة لما تقدّم من ذكر ما لاقى به اليهود والنصارى دعوة الإسلام من الإعراض على تفاوت فيه بين الطائفتين؛ فإنّ الله شنّع من أحوال اليهود ما يعرف منه عداوتهم للإسلام إذ قال: { وليزيدَنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً }[المائدة: 64]، فكرّرها مرّتين وقال: { ترى كثيراً منهم يتولّون الذين كفروا }[المائدة: 80] وقال: { وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا وقد دخلوا بالكفر }[المائدة: 61] فعلم تلوّنهم في مضارّة المسلمين وأذاهُم. وذَكر من أحوال النصارى ما شنّع به عقيدتهم ولكنّه لم يحك عنهم ما فيه عداوتهم المسلمين وقد نهى المسلمين عن اتّخاذ الفريقين أولياء في قوله: { يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا … تابع القراءة
قوله تعالى: {وما لنا لا نؤمن بالله} قال ابن عباس: لامهم قومهم على الإِيمان، فقالوا هذا. وفي القوم الصالحين ثلاثة أقوال. أحدها: أصحاب رسول الله، قاله ابن عباس. والثاني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن زيد. والثالث: المهاجرون الأولون، قاله مقاتل. قوله تعالى: {وذلك جزاء المحسنين} قال ابن عباس: ثواب المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾. [٨٢-٨٦].
نزلت في النجاشي وأصحابه.
قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، في رهط من أصحابه إلى النجاشي، وقال: "إنه ملك صالح، لا يَظلم ولا يُظلم عنده أحدٌ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً". فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا. فقرأوا وحوله القِسِّيسُون والرّهبان، فكلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، قال الله تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ...﴾ الآية.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدَّثني الليث، قال: حدَّثني يونس [عن] ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وعُرْوَة بن الزبير وغيرهما، قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بن أُميَّة الضَّمْري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، فأرسل إلى الرهبان والقِسِّيسِينَ فجمعهم، ثم أمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة "مريم" عليها السلام، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه، ومعهم سبعون رجلاً، بعثهم النجاشي وفداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم: بحيرا الراهب وأَبْرَهَة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقتيم، ودريد وأيمن. فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات.
أخبرنا أحمد بن محمد العدل، حدَّثنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي، قال: حدَّثنا علي بن الجَعْد، قال: حدَّثنا شريك بن سالم، عن سعيد بن جُبَيْر في قوله تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً﴾ قال: بعث النَّجَاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" فبكوا، فنزلت هذه الآية.
فوائد الآيات من 84 إلى 90 من سورة المائدة (الصفحة 122 من المصحف).
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ في موضع نصب على الحال أي شيء لنا في هذه الحال.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا لَنَا) :«مَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَنَا الْخَبَرُ. وَ (لَا نُؤْمِنُ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْجَارُّ؛ أَيْ: مَا لَنَا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، كَمَا تَقُولُ مَا لَكَ قَائِمًا. (وَمَا جَاءَنَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ؛ أَيْ: وَبِمَا جَاءَنَا. (مِنَ الْحَقِّ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ أَيْ: وَلِمَا جَاءَنَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَمِنَ الْحَقِّ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (وَنَطْمَعُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى نُؤْمِنُ؛ أَيْ: وَمَا لَنَا لَا نَطْمَعُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَنَحْنُ نَطْمَعُ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي نُؤْمِنُ. وَ (أَنْ يُدْخِلَنَا) : أَيْ: فِي أَنْ يُدْخِلَنَا، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ جَرٍّ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ.
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤْمِنُونَ …