انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير البغويالآيات 57–89

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير البغوي.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٥٧ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ۝٥٨ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ ۝٥٩

قوله عزّ وجلّ: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} قال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادُّونهما، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.{يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً}، بإظهار ذلك بألسنتهم قولاً وهم مستبطنون الكفر، {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ}، يعني: اليهود، {وَٱلْكُفَّارَ}، قرأ أهل البصرة والكسائي "الكفار" بخفض الراء، [يعني: ومن الكفار]، وقرأ الآخرون بالنصب، أي: لا تتخذوا الكفار، {أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

قوله تعالى: {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}، قال الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، قاموا وصلوا لا صلوا، على طريق الاستهزاء، وضحكوا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.

وقال السدي: نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله، قال: حُرق الكاذبُ، فدخل خادمه ذات ليلة بنارٍ [هو وأهله نيام]، فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله.

وقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يامحمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم فإن كنت تدعي النبوّة فقد خالفت ـ فيما أحدثت ـ الأنبياء قبلك ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح [العنز]، فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونزل { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} الآية.

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} الآية، قرأ الكسائي: "هل تنقمون"، بإدغام اللام في التاء، وكذلك يدغم لام هل في التاء والثاء والنون، ووافقه حمزة في التاء والثاء وأبو عمرو في "هلْ ترى" في موضعين.

قال ابن عباس: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود، أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع وغيرهما، فسألوه عمّن يؤمن به من الرسل، فقال:

«أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل» إلى قوله: «ونحنُ له مسلمون»، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ}، أي: هل تكرهون منا، {إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ}، أي: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي: إنّما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنّا على حق، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال.

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ۝٦٠ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ۝٦١ وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٦٢ لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ۝٦٣

ثم قال: {قُلْ} يا محمد، {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ}، أخبركم، {بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ}، الذي ذكرتم، يعني: قولهم لم نرَ أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء، وإن لم يكن الابتداء شراً؛ لقوله تعالى:

{ { أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ } } [الحج: 72]، {مَثُوبَةً} ثواباً وجزاءً، نُصب على التفسير، {عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ}، أي: هو من لعنه الله، {وَغَضِبَ عَلَيْهِ}، يعني: اليهود، {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ}، فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام

ورُوي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الممسوخين كلاهما من أصحاب السبت فشُبَّانُهم مُسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير. {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ}، أي: جعل منهم من عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سوّل له، وتصديقها، قراءة ابن مسعود: ومن عبدوا الطاغوت، وقرأ حمزة: وعبُد بضم الباء، "الطاغوت" بجر التاء، أراد العبد وهما لغتان عبْد بجزم الباء وعبُد بضم الباء، مثل سبْع وسبُع، وقيل: جمع العباد، وقرأ الحسن: وعبد الطاغوت على الواحد، {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}، أي: عن طريق الحق.

{وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ}، يعني: هؤلاء المنافقين، وقيل: هم الذين قالوا: "آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره"، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: آمنا بك وصدقناك فيما قلت، وهم يُسرُّون الكفرَ، {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ}، يعني: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ}.

{وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ}، يعني: من اليهود {يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}، قيل: الإثم المعاصي والعدوان الظلم، وقيل: الإثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ما زادوا فيها، {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ}، الرِّشَا، {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

{لَوْلاَ} هلاَّ {يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ}، يعني: العلماء، قيل: الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، {عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}.

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٦٤

قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: إنّ الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم وكذّبوا به كفّ الله عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة، أي: محبوسة مقبوضة عن الرزق، نسبوه إلى البخل، تعالى الله عن ذلك.

قيل: إنما قال هذه المقالة فنحاص، فلمّا لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله أشركهم الله فيها. وقال الحسن: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما يبرّ به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل. والأول أولى؛ لقوله: "ينفق كيف يشاء".

{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}، أي: [أُمسكت] أيديهم عن الخيرات. وقال الزجاج: أجابهم الله تعالى فقال: أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسكة. وقيل: هو من الغلّ في النار يوم القيامة؛ لقوله تعالىٰ:

{ { إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِىۤ أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ } } [غافر: 71]. {وَلُعِنُواْ}، عُذِّبوا، {بِمَا قَالُواْ}، فمنْ لعنهِم أنهم مُسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة بالنار، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، ويد الله صفةٌ من [صفاته] كالسمع، والبصر والوجه، وقال جلّ ذكره: { { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } } [ص: 75]، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:كلتا يديه يمين ». والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم.

وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف".

{يُنفِقُ}، يرزق، {كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً}، أي: كلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغياناً وكفراً، [كلما نزلت آية] {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ}، يعني: بين اليهود والنصارى، قاله الحسن ومجاهد. وقيل: بين طوائف اليهود جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين، {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ}، يعني: اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس الرومي، ثم أفسدوا فسلّط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين.

وقيل: كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأوقدوا نارَ المحاربة أطفأها الله، فردّهم وقهرهم ونصرَ نبيَّه ودينه، هذا معنى قول الحسن، وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود فلا تلقى اليهود في بلد إلا وجدتهم من أذلِّ الناس، {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٦٥ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ۝٦٦ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٦٧

{وَلَوْ أنّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا}، بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَٱتَّقُواْ}، الكفرَ، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ}.

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ}، يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما، {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ}، يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل، {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}، قيل: من فوقهم هو المطر، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأنزلتُ عليهم القطر وأخرجتُ لهم من نبات الأرض. وقال الفراء: أراد به التوسعة في الرزق كما يقال: فلان في الخير من قرنه إلى قدمه، ونظيره قوله تعالى:

{ { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } } [الأعراف: 96].

{مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}، يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبدالله بن سلام وأصحابه، مقتصدة أي عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية. ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلوّ ولا تقصير.

{وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ}، كعب بن الأشرف وأصحابه، {سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}، بئس شيئاً عملهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: عملوا القبيح مع التكذيب بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، رُوي عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها: من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أنزل الله فقد كذب، وهو يقول: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية. روى الحسن: أنّ الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعاً وعرف أنّ من الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية.

وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به، فيقولون له: تريد أن نتخذك حناناً كما اتّخذت النصارى عيسى ابن مريم حناناً، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: "يا أهل الكتاب لستْم على شيء" الآية.

وقيل: بلّغ ما أُنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلتْ في قصة اليهود.

وقيل: نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها.

وقيل: في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه؛ كما قال الله تعالى:

{ { فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } } [محمد: 20]، وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: { { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ } } [النساء: 77] الآية. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهادِ لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.

قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} قرأ أهل المدينة "رسالاته" على الجمع والباقون رسالته على التوحيد.

ومعنى الآية: إن لم تبلّغ الجميع وتركت بعضه، فما بلغت شيئاً، أي: جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك في ترك تبليغ الكل؛ كقوله:

{ { وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقّاً } } [النساء: 150-151]، أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض.

وقيل: بلّغْ ما أُنزل إليكَ أي: أظهر تبليغه؛ كقوله:

{ { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } } [الحجر: 94]، وإن لم تفعلْ فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهراً محتسباً صابراً، غير خائف، فإن أخفيتَ منه شيئاً لخوفٍ يلحقك فما بلّغتَ رسالته.

{وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد شجّ رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟

قيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك.

وقيل: نزلت هذه الآية بعد ما شجّ رأسه، لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.

وقيل: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم معصوم.

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}.أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أنا سنان بن أبي سنان الدؤلي وأبو سلمة بن عبدالرحمن أن جابر بن عبدالله أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معه وأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرّق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي، فقال:

إنّ هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صَلْتاً، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاثاً، ولم يعاقبه وجلس.

وروى محمد بن كعب القرظي

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأعرابي سل سيفه، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله، فرعدتْ يدُ الأعرابي وسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر أنا يحيى بن سعيد أنا عبدالله بن عامر بن ربيعة قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك فنام النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال عبدالله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها قالت:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم: «أيّها الناس انصرفوا فقد عصمني الله سبحانه وتعالى»»

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٦٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦٩ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ۝٧٠ وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝٧١

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ}، فلا تحزن، {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئُونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ}، وكان حقه: {وَٱلصَّابِئِينَ}، وقد ذكرنا في سورة البقرة وجه ارتفاعه، وقال سيبويه: فيه تقديم وتأخير وتقديره: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله إلى آخر الآية، والصابئون كذلك، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}، أي: باللسان، وقوله: {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ}، أي: بالقلب، وقيل: الذين آمنوا على حقيقة الإيمان {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ}، أي: ثبتَ على الإيمان، {وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

قوله تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} في التوحيد والنبوّة، {وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ}، عيسى ومحمّداً صلوات الله وسلامه عليهما، {وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}، يحيى وزكريا. {وَحَسِبُوۤاْ}، ظنوا، {أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}، أي: عذاب وقتل، وقيل: ابتلاء واختبار، أي: ظنّوا أن لا يُبتلوا ولا يُعذّبهم الله، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي {تكون} برفع النون على معنى أنها لا تكون، ونصبها الآخرون كما لو لم تكن قبله لا، {فَعَمُواْ}، عن الحق فلم يبصروه، {وَصَمُّواْ}، عنه فلم يسمعوه، يعني: عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه، {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}، ببعث عيسى عليه السلام، {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ}، بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۝٧٢ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٣ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٧٤ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۝٧٥

قوله تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ}، وهم الملكانية واليعقوبية منهم، {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبُّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.

{لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} يعني: المرقوسية، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبيّن هذا قوله عزّ وجلّ للمسيح:

{ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }[المائدة: 116]، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإنّ الله يقول: { { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } } [المجادلة: 7]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه:ما ظنك باثنين اللَّهُ ثالثهما ». ثم قال رداً عليهم: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ}، [ليصيبينَّ]، {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، خصّ الذين كفروا لعلمه أنّ بعضم يؤمنون.

{أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ}؟ قال الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام؛ كقوله تعالىٰ:

{ { فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } } [المائدة:91]، أي: انتهوا، والمعنى: أن الله [يأمركم] بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

قوله تعالى: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ}، [مضت]، {مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}، أي: ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}، أي: كثيرة الصدق.

وقيل: سُمّيت صديقة لأنها صدقت بآيات الله، كما قال عزّ وجلّ في وصفها:

{ { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا } } [التحريم: 12]، {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ}، أي: كانا يعيشان بالطعام والغذاء كسائر الآدميين، فكيف يكون إلهاً من لا يقيمه إلا أكل الطعام؟

وقيل: هذا كناية عن الحَدَث، وذلك أن من أكل وشرب لا بدّ له من البول والغائط، ومن هذه صفته كيف يكون إلهاً؟ ثم قال: {ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلأَيَـٰتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}، أي: يُصرفون عن الحق.

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٧٦ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ۝٧٧ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ۝٧٨ كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ۝٧٩

{قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}.

{قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ}، أي: لا تتجاوزوا الحد والغلو والتقصير كل واحد منهما مذموم في الدين، وقوله: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ}، أي: في دينكم المخالف للحق، وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه، {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ}، والأهواء جمع الهوى وهو ما تدعو إليه شهوة النفس، {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ}، يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتّباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً}، يعني: من اتّبعهم [على أهوائهم]، {وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}، عن قصد الطريق، أي: بالإضلال فالضلال الأول من الضلالة، الثاني بإضلال من اتّبعهم.

قوله تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ}، يعني: أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، وقال داود عليه السلام: اللّهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردةً، {وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ}، أي: على لسان عيسى عليه السلام يعني كفاراً أصحاب المائدة، لما لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير، {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}.

{كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}، [أي: لا ينهى بعضهم بعضاً] {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو الحسن محمد بن الحسين أنا أحمد بن محمد بن إسحاق أنا أبو يعلى الموصلي أنا وهب بن بقية أنا خالد - يعني ابن عبدالله الواسطي - عن العلاء بن المسيّب عن عمرو بن مرة عن أبي عُبيدة عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيراً فإذا كان من الغد جالسه وآجله وشاربه كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوبَ بعضهم على بعض، وجعل منهم القردة والخنازير، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام ذلك بما عَصَوْا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يَدِ السفيه ولتأطرنّه على الحق أطراً أو ليضربنّ اللَّهُ قلوبَ بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم».

تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ ۝٨٠ وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٨١ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝٨٢

قوله تعالى: {تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ}، قيل: من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه، {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، مشركي مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: منهم يعني المنافقين يتولّون اليهود، {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ}، بئس ما قدّموا من العمل لمعادهم في الآخرة، {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}، غضب الله عليهم، {وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ}.

{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىِّ} محمد صلى الله عليه وسلم، {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ}، يعني: القرآن، {مَا اتَّخَذُوهُمْ}، يعني: الكفار، {أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ}، أي: خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى

قوله عزّ وجلّ: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}، يعني: مشركي العرب، {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ}، لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين، وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم، لا ولاء، ولا كرامة لهم، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه. [وقيل: نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى، لأن اليهود أقسى قلباً والنصارى ألين قلباً منهم، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود.]

قال أهل التفسير:

ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يُؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، ومنع الله تعالى رسوله بعمّه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يُؤمرْ بعدُ بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: «إنّ بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يُظلم عنده أحد، فاخْرُجُوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً» ». وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية، وإنما النجاشي اسم الملك ـ كقولهم قيصر وكسرى ـ فخرج إليها سراً أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبدالله بن مسعود، [وعبد الرحمن بن عوف] وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبدالأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي [حثمة]، وحاطب بن عمرو و[سهل] بن بيضاء رضي الله عنهم، فخرجوا إلى البحر وآجروا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها، فكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان.

فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردّوهم إليهم، فعصمهم الله وذكرت القصة في سورة آل عمران.

فلما انصرفا خائبين، أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلا أمره وذلك في سنة ست من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ـ وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها ـ ويبعث إليه من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال لها: أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيّاها، فأعطتها أوضاحاً لها سروراً بذلك، فأذن لخالد بن سعيد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي رحمه الله فأنفذ إليها النجاشي أربعمائة دينار على يد أبرهة، فلما جاءتْها بها أعطتها خمسين ديناراً فردته وقالت: أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئاً، وقالت: أنا صاحب دهن الملك وثيابه، وقد صدقتُ محمداً صلى الله عليه وسلم وآمنتُ به، وحاجتي منك أن تُقرئيه مني السلام، قالت: نعم، قالت أبرهة: وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عُودٍ وعنبر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكر.

قالتْ أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه وكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه من أبرهة السلام فردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عزّ وجلّ: "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهمْ مودةً"، يعني: أبا سفيان مودة، يعني: بتزويج أم حبيبة، ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة، قال: ذلك الفحل لا يقرع أنفُه.

وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنه أزهى بن أصحمة بن أبجر في ستين رجلاً من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله أشهد أنك رسول الله صادقاً مصدَّقاً وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله ربَّ العالمين، وقد بعثتُ إليك ابني أزهى، وإن شئت آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله، فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسولَ الله في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من [أهل] الشام، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله سبحانه وتعالىٰ هذه الآية: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ}، يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون، وكانوا أصحاب الصوامع.

وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلاً اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام.

[وقال عطاء: كانوا ثمانين رجلاً أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميون من أهل الشام].

وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم صدّقوه وآمنوا به فأثنى الله عزّ وجلّ بذلك عليهم. {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ}، أي: علماء، قال قُطْرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم، {وَرُهْبَاناً}، الرهبان العُبَّاد أصحاب الصوامع واحدهم راهب، مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}، لا يتعظّمون عن الإيمان والإذعان للحق.

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٨٣ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٨٤

{وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم، {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ}، تسيل، {مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: يريد النجاشي وأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كۤهيعۤصۤ، فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة. {يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، يعني: أمة محمد، دليله قوله تعالىٰ:

{ { لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } } [البقرة: 143].

{وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ}، وذلك أن اليهود عيّروهم وقالوا لهم: لِمَ آمنتم؟ فأجابوهم بهذا، {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، أي: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه

{ { أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } } [الأنبياء: 105].

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٨٥ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝٨٦ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ۝٨٧ وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًا طَيِّبًا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ۝٨٨

{فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ}، أعطاهم الله، {بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا}، وإنّما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله: {وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ}، يعني: الموحدين المؤمنين، وقوله من قبل: {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}، يدل على أن الإخلاص والمعرفة بالقلب مع القول يكون إيماناً.

{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـايَـٰتِنَآ أُوْلَـٰۤئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ}.

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}، الآية قال أهل التفسير:

"ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوماً ووصف القيامة فرقَّ له الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرِّن رضي الله عنهم، وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبُّوا مذاكيرهم، ويصوموا الدهر، ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية، واسمها الخولاء، وكانت عطارة: أحقُّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا)؟ قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير، فقال:(إني لم أؤمر بذلك)، ثم قال: (إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني)، ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرّموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا [النساء]؟ أما إني فلستُ آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، اعبدو الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجّوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتُوا الزكاة، وصوموا رمضان واستقيموا يُستقمْ لكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، " فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة الكشميهني أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبدالله بن محمود أنا إبراهيم بن عبدالله الخلال أنا عبدالله بن المبارك عن رشْدين بن سعد حدثني ابن أنْعُم عن سعد بن مسعود. أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنْ لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ليس منّا من خصي ولا من اختصى، خصاء أمتي الصيام، فقال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة، فقال:إنّ سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله »، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ائذن لنا في الترهب، فقال:إن ترهّب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة

ورُوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت وأخذتني شهوة، فحرّمت اللحم، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}، يعني: اللذات التي تشتهيها النفوس، مما أحلّ الله لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيدة، {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}، ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل: هو جبّ المذاكير {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}.

{وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً}، قال عبدالله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي.

{وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}.أخبرنا أبو محمد عبدالله بن عبد الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا أحمد بن إبراهيم الدورقي وسلمة بن شبيب ومحمود بن غيلان قالوا: أخبرنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبُّ الحلواءَ والعسلَ).

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٨٩

قوله عزّ وجلّ: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت: (لا تُحرّموا طيباتِ ما أحلّ الله لكم)، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه، فأنزل الله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ}، {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}, قرأ حمزة والكسائي [وأبو بكر] (عقدتم) بالتخفيف، وقرأ ابن عامر (عاقدت) بالألف وقرأ الآخرون (عقّدتم) بالتشديد، أي: وكّدتم، والمراد من الآية قصدتم وتعمّدتم، (فكفارته)، أي: كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم، {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ}، واختلفوا في قدره: فذهب قوم إلى أنه يُطعم كل مسكين مُدّاً من الطعام بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم وسليمان بن يسار وعطاء والحسن.

وقال أهل العراق: عليه لكل مسكين مُدّانِ، وهو نصف صاع، يروى ذلك عن عمر وعليّ رضي الله عنهما.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من غيرها فصاع، وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحَكم.

ولو غدّاهم وعشاهم لا يجوز، وجوّز أبو حنيفة، ويُروى ذلك عن عليّ رضي الله عنه. ولا تجوز الدراهم والدنانير ولا الخبز ولا الدقيق، بل يجب إخراج الحبِّ إليهم، وجوّز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك.

ولو صرف الكل إلى مسكين واحد [لا يجوز]، وجوّز أبو حنيفة أن يصرف طعام عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام، ولا يجوز أن يصرف إلاّ إلى مسلم حرٍ محتاج، فإن صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجوز، وجوّز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة. واتّفقوا على أنّ صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز.

قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، أي: من خير قوت عيالكم، وقال عبيدة السلماني: الأوسط الخبز والخل، والأعلى الخبز واللحم، والأدنى الخبز البحت والكل [يجزيء].

قوله تعالى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}، كلّ من لزمته كفارة اليمين فهو فيها إن شاء أطعم عشرة من المساكين، وإنْ شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، فإن اختار الكسوة، فاختلفوا في قدرها.

فذهب قوم إلى أنه يكسو كلّ مسكين ثوباً واحداً مما يقع عليه اسم الكسوة، إزار أو رِدَاء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو كِسَاء أو نحوها، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى

وقال مالك: يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته، فيكسو الرجال ثوباً واحداً والنساء ثوبين درعاً وخماراً. وقال سعيد بن المسيب: لكل مسكين ثوبان.

قوله عزّ وجلّ: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة، وكذلك جميع الكفارات، مثل كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان يجب فيها إعتاق رقبة مؤمنة، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه والثوري رضي الله عنه إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها إلاّ في كفارة القتل، لأن الله تعالى قيّد الرقبة فيها بالإيمان، قلنا: المطلق يُحمل على المقيّد [كما أن الله تعالى قيّد الشهادة بالعدالة في موضع، فقال:

{ { وَأَشْهِدُواْ ذَوَىعَدْلٍ مِنْكُم } } [الطلاق: 2]، وأطلق في موضع, فقال: { { وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ } } [البقرة: 282]، ثم العدالة شرط في جميعها حملاً للمطلق على المقيّد، كذلك هاهنا، ولا يجوز إعتاق المرتد بالاتفاق عن الكفارة.

ويُشترط أن يكون سليم الرق حتى لو أعتق عن كفارته مُكاتباً أو أم ولد أو عبداً اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة، يُعتق ولكن لا يجوز عن الكفارة، وجوّز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدّى شيئاً من النجوم، وعتق القريب عن الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضرّ بالعمل ضرراً بيّناً حتى لا يجوز مقطوع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، ولا الأعمى ولا الزَّمِن ولا المجنون المطبق، ويجوز الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب لا تضرّ بالعمل ضرراً بيّناً.

وعند أبي حنيفة رضي الله عنه كلُّ عيب يفوِّت جنساً من المنفعة [على الكمال] يمنع الجواز، حتى جوّز مقطوع إحدى اليدين، ولم يجوز مقطوع الأذنين.

قوله عزّ وجلّ: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ}، إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، يجب عليه صوم ثلاثة أيام، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله وحاجته ما يطعم أو يكسو أو يعتق فإنه يصوم ثلاثة أيام.

وقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له الصيام، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير.

واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم، فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه التتابع بل إن شاء تابع وإن شاء فرّق، والتتابع أفضل وهو أحد قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياساً على كفارة القتل والظهار، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: صيام ثلاثة أيام متتابعات. {ذلك}، أي: ذلك الذي ذكرت، {كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}، وحنثتم، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث.

واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث: فذهب قوم إلى جوازه. لِما روينا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ حلف على يمينٍ فرأى غيرَها خيراً منها فليُكفّر عن يمينه، وليفعلِ الذي هو خير ». وهو قول عمر [وابن عمر] وابن عباس وعائشة رضي الله عنها وبه قال الحسن وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي، إلا أن الشافعي يقول: إن كفّر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني، إنما يجوز بالإطعام أو الكسوة أو العتق كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه

قوله عزّ وجلّ: {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَـٰنَكُمْ}، قيل: أراد به ترك الحلف، أي: لا تحلفوا، وقيل: هو الأصح، أراد به: إذا حلفتم فلا تحنثوا، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث هذا إذا لم يكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه، فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مندوب، فالأفضل أن يُحنث نفسه ويُكفّر، لِما أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل، أنا حجاج بن منهال أنا جرير بن حازم عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبيّ:

يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنتَ عليها، وإذا حلفتَ على يمينٍ فرأيت غيرَها خيراً منها فكفّر عن يمينك وأتِ الذي هو خير».

قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ