نص الآية 67:19
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَٰٓفَّٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحْمَٰنُ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۭ بَصِيرٌ ١٩
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَٰٓفَّٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحْمَٰنُ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۭ بَصِيرٌ ١٩
الآية 19 من سورة الملك (67:19)، وهي سورة مكية، تقع في الجزء 29، في الصفحة 563 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 73 قارئًا.
79 تلاوة بأصوات 73 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
أَوَلم يشاهد هؤلاء المكذبون الطير فوقهم عند طيرانها تبسط أجنحتها في الهواء تارة، وتضمها إليها تارة أخرى، ولا يمسكهنّ أن يقعن على الأرض إلا الله، إنه بكل شيء بصير، لا يخفى عليه منه شيء.
أغَفَل هؤلاء الكافرون، ولم ينظروا إلى الطير فوقهم، باسطات أجنحتها عند طيرانها في الهواء، ويضممنها إلى جُنوبها أحيانًا؟ ما يحفظها من الوقوع عند ذلك إلا الرحمن. إنه بكل شيء بصير لا يُرى في خلقه نقص ولا تفاوت. بل مَن هذا الذي هو في زعمكم -أيها الكافرون- حزب لكم ينصركم من غير الرحمن، إن أراد بكم سوءًا؟ ما الكافرون في زعمهم هذا إلا في خداع وضلال من الشيطان. بل مَن هذا الرازق المزعوم الذي يرزقكم إن أمسك الله رزقه ومنعه عنكم؟ بل استمر الكافرون في طغيانهم وضلالهم في معاندة واستكبار ونفور عن الحق، لا يسمعون له، ولا يتبعونه.
وهذه أيضاً من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم؛ بسبب كفر بعضهم به، وعبادتهم معه غيره، وهو مع هذا يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجل؛ كما قال تعالى: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً }[فاطر: 45] وقال ههنا { ءَأَمِنتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ} أي: تذهب وتجيء وتضطرب {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً} أي: ريحاً فيها حصباء تدمغكم؛ كما قال تعالى … تابع القراءة
يقول تعالى ذكره: ولقد كذّب الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم الخالية رسلهم. {فَكَيْفَ كانَ نَكيرِ} يقول: فكيف كان نكيرى تكذيبهم إياهم {أو لَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} يقول: أو لم ير هؤلاء المشركون إلى الطير فوقهم صافات أجنحتهنّ {ويَقْبِضْنَ} يقول: ويقبضن أجنحتهنّ أحياناً. وإنما عُنِي بذلك أنها تَصُفُّ أجنحتها أحياناً، وتقبض أحياناً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {صَافَّاتٍ} قال: الطير يصفّ جناحه كما رأيت، ثم يقبضه. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى … تابع القراءة
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} أي كما ذلّل الأرض للآدمي ذلّل الهواء للطيور. و «صَافّات» أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صَفَفْنَ قوائمها صَفّاً. {وَيَقْبِضْنَ} أي يضربن بها جُنُوبَهُنَّ. قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صافٌّ، وإذا ضَمّهما فأصابا جَنْبَه: قابض؛ لأنه يقبضهما. قال أبو خِرَاش: يبادر جُنْح الليل فهو مُوَائليَحُثّ الجناح بالتبَسُّطِ والْقَبضِ وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران. وهو معطوف على «صَافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل؛ كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر:بات يُعَشّيها بَعضْب باتريَقْصِدُ في أسْوُقها وجائِرِ {مَا يُمْسِكُهُنَّ} أي ما يمسك الطير في الجوّ وهي تطير إلا الله عز وجل. {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}.
وهذا عتاب وحث على النظر إلى حالة الطير التي سخرها الله، وسخر لها الجو والهواء، تصف فيه أجنحتها للطيران، وتقبضها للوقوع، فتظل سابحة في الجو، مترددة فيه بحسب إرادتها وحاجتها. { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ } فإنه الذي سخر لهن الجو، وجعل أجسادهن وخلقتهن في حالة مستعدة للطيران، فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } فهو المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حكمته.
{ أوَلم يروا } ينظروا { إلى الطير فوقهم } في الهواء { صافات } باسطات أجنحتهن { ويقبضن } أجنحتهن بعد البسط، أي وقابضات { ما يمسكهن } عن الوقوع في حال البسط والقبض { إلا الرحمن } بقدرته { إنه بكل شيء بصير } المعنى: ألم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره من العذاب.
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجرٌ كَبيرٌ * وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام بما قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسرُّوا قولكم كي لا يسمع إله محمد. فقال الله جلّ ذكره: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}، ألا يعلم ما في الصدور من خلقها، {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ الخَبِيرُ}، لطيف علمه في القلوب الخبير بما فيها من الخير والشر والوسوسة. وقيل: "مَنْ" يرجع إلى المخلوق، أي ألا يعلم الله مخلوقه؟ {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ … تابع القراءة
عطف على جملة: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً } [الملك: 15] استرسالاً في الدلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات وهي أحوال الطيرِ في نظام حركاتها في حال طيرانها إذ لا تمشي على الأرض كما هو في حركات غيرها على الأرض، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفردِ به. واشتمل التذكير بعجيب خلقة الطير في طيرانها على ضرب من الإِطناب لأن الأوصاف الثلاثة المستفادة من قوله: {فوقهم صافات ويقبضن} تُصَوِّر صورة حركات الطيران للسامعين فتنبههم لدقائق ربما أغفلهم عن تدقيق النظر فيها نشأتُهم بينها من وقت ذهول الإدراك في زمن … تابع القراءة
الطير صافات، أي مادات أجنحتها. ويقبضن: أي يضمنها إلى أجسامها. قال أبو حيان: عطف بالفعل ويقبضن على الاسم، صافات، ولم يعطف باسم قابضات، لأن الأصل في الطيران هو بسط الجناح، والقبض طارئ، وهذا الذي قاله أبو حيان: جار على القاعدة عندهم من أن الاسم للدوام والثبوت، والفعل للتجدد والحدوث، فالحركة الدائمة في الطيران هي صف الجناح، والجديد عليه هو القبض. وقوله تعالى: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} دليل على قدرته تعالى وآية لخلقه، كما في قوله تعالى: { أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ … تابع القراءة
ثم خوف الكفار فقال: {أأمنتم} قرأ ابن كثير: «وإليه النشور وأمنتم» وقرأ نافع، وأبو عمرو: «النشور آمنتم» بهمزة ممدودة. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «أأمنتم» بهمزتين {مَنْ في السماء} قال ابن عباس: أمنتم عذاب مَنْ في السماء، وهو الله عزَّ وجل؟! و«تمور» بمعنى تدور. قال مقاتل: والمعنى: تدور بكم إلى الأرض السفلى. قوله تعالى: {أن يرسل عليكم حاصباً} وهي: الحجارة، كما أرسل على قوم لوط {فستعلمون كيف نذيرِ} أي: كيف كانت عاقبة إِنذاري لكم في الدنيا إذا نزل بكم العذاب {ولقد كذَّب الذين من قبلهم} يعني: كفار الأمم {فكيف كان نكيرِ} أي: إنكاري عليهم بالعذاب. {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافَّات} أي: تصفُّ أجنحتها في الهواء، وتقبض أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط {ما يُمسِكُهنَّ} أن يقعن {إلا الرحمنُ}.
فوائد الآيات من 13 إلى 26 من سورة الملك (الصفحة 563 من المصحف).
السراج في بيان غريب القرآن
صافات تصف أجنحتها في الهواء وتقبض أجنحتها بعد البسط
صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ: يقول: باسطات أجنحتها وقابضاتها.
صافات ويقبضن: أي باسطات أجنحتهن وقابضاتها.
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ نصب على الحال. وَيَقْبِضْنَ عطف عليه، ويجوز أن ينون مقطوعا منه ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ لأنه جلّ وعزّ خلق الجو فاستمسكن فيه إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ خبر «إنّ».
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «صَافَّاتٍ» حَالًا، وَ «فَوْقَهُمْ» ظَرْفٌ لَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «فَوْقَهُمْ» حَالًا، وَ «صَافَّاتٍ» : حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «فَوْقَهُمْ».
(وَيَقْبِضْنَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ يَصْفُفْنَ وَيَقْبِضْنَ؛ أَيْ صَافَّاتٍ وَقَابِضَاتٍ. وَ (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقْبِضْنَ، وَمَفْعُولُ يَقْبِضْنَ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَجْنِحَتَهُنَّ.
أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ