انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الملك

تفسير البغويالآيات 1–30

تفسير سورة الملك آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

تَبَٰرَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ۝٢

{تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}، قال عطاء عن ابن عباس: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة.

وقال قتادة: أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا، جعل الله الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.

قيل: إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب: وقيل: قدمه لأنه أقدم لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما، ثم اعترضت عليها الحياة.

وقال ابن عباس: خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيءٍ ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء أنثى وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمر بشيءٍ ولا يجد ريحها شيءٍ إلا حيي، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقى على العجل فحيي.

{لِيَبْلُوَكُمْ}، فيما بين الحياة إلى الموت، {أيُّكُمْ أحسنُ عَمَلاً}, روي عن ابن عمر مرفوعاً: "أحسن عملاً" أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله.

وقال فضيل بن عياض "أحسن عملاً" أخلصه وأصوبه. وقال: العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً, الخالص: إذا كان لله, والصواب: إذا كان على السنّة.

وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها.

وقال الفرَّاء: لم تقع البلوى على "أي" إلا وبينهما إضمار كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع ومثله:

{ سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ }[القلم: 40] أي: سلهم وانظر أيهم، فـ "أي": رفع على الابتداء "وأحسن" خبره، {وَهُوَ العَزِيزُ}، في انتقامه ممن عصاه، {الغفور}، لمن تاب إليه.

ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ۝٣ ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ۝٤

{ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا}، طبقاً على طبق بعضها فوق بعض، {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ}، قرأ حمزة والكسائي: "من تَفَوِّتٍ" بتشديد الواو بلا ألف، وقرأ الآخرون بتخفيف الواو وألف قبلها، وهما لغتان كالتَّحَمُّل والتحامل, والتطهر والتطاهر. ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض، بل هي مستقيمة مستوية. وأصله من "الفوت" وهو أن يفوت بعضها بعضاً لقلة استوائها، {فَٱرْجِعِ ٱلبَصَرَ}، كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع، {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُور}، شقوق وصدوع.

{ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ}، قال ابن عباس: مرة بعد مرة، {يَنقَلِبْ}، ينصرف ويرجع، {إِلَيْكَ ٱلبَصَرُ خَاسِئاً}، صاغراً ذليلاً مبعداً لم يرَ ما يهوى، {وَهُوَ حَسِير}، كليل منقطع لم يدرك ما طلب. وروي عن كعب أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة صفراء، وقال: نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء، بين السماء السابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور.

وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُومًا لِّلشَّيَٰطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ۝٥ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٦ إِذَآ أُلْقُوا۟ فِيهَا سَمِعُوا۟ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ ۝٧ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلْغَيْظِ كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ۝٨ قَالُوا۟ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ كَبِيرٍ ۝٩ وَقَالُوا۟ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ۝١٠ فَٱعْتَرَفُوا۟ بِذَنۢبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ۝١١

{وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَاْ}، أراد الأدنى من الأرض وهي التي يراها الناس. {بِمَصَـٰبِيحَ} أي: الكواكب، واحدها: مصباح، وهو السراج سُمي الكوكب مصباحاً لإضاءته، {وَجَعَلْنَـٰهَا رجُوماً}، مرامي، {لِّلشَّيَـٰطِينِ}، إذا استرقوا السمع، {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ}، في الآخرة، {عَذَابَ ٱلسَّعِير}، النار الموقدة.

{وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا}، وهو أول نهيق الحمار وذلك أقبح الأصوات، {وَهِىَ تَفُورُ}، تغلي بهم كغلي المِرْجل. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.

{تَكَادُ تَمَيَّزُ}، تنقطع، {مِن ٱلغَيْظ}، من تغيظها عليهم، قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظاً على الكفار، {كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فوجٌ}، جماعة منهم، {سَأَلَهُمْ خزنتُها}، سؤال توبيخ، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير}، رسول ينذركم.

{قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا}، للرسل: {مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كبيرٍ}.

{وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ}، من الرسل ما جاؤونا به، {أَوْ نعقِلُ}، منهم. وقال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به. {مَا كُنَّا فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ}، قال الزجَّاج: لو كنا نسمع سمع من يعي ويتفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا في أهل النار.

{فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا}، بعداً، {لأَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِير}، قرأ أبو جعفر والكسائي "فسُحُقاً" بضم الحاء، وقرأ الباقون بسكونها، وهما لغتان مثل الرُّعُب والرّعْب والسُّحُت والسُّحْت.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ۝١٢ وَأَسِرُّوا۟ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُوا۟ بِهِۦٓ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١٣ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ۝١٤ هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ ۝١٥ ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ۝١٦ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ۝١٧ وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝١٨ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَٰٓفَّٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحْمَٰنُ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۭ بَصِيرٌ ۝١٩ أَمَّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَٰنِ إِنِ ٱلْكَٰفِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ ۝٢٠ أَمَّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُۥ بَل لَّجُّوا۟ فِى عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ۝٢١ أَفَمَن يَمْشِى مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِۦٓ أَهْدَىٰٓ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٢٢

{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجرٌ كَبيرٌ * وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام بما قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسرُّوا قولكم كي لا يسمع إله محمد.

فقال الله جلّ ذكره: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}، ألا يعلم ما في الصدور من خلقها، {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ الخَبِيرُ}، لطيف علمه في القلوب الخبير بما فيها من الخير والشر والوسوسة. وقيل: "مَنْ" يرجع إلى المخلوق، أي ألا يعلم الله مخلوقه؟

{هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً}، سهلاً لا يمتنع المشي فيها بالحزونة، {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا}، قال ابن عباس وقتادة: في جبالها. وقال الضحاك: في آكامها. وقال مجاهد: في طرقها وفجاجها. قال الحسن: في سبلها. وقال الكلبي: في أطرافها. وقال مقاتل: في نواحيها. قال الفراء: في جوانبها. والأصل في الكلمة الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء وتَنكَّب فلان أي جانب. {وَكُلُواْ مِن رزقِهِ}، مما خلقه رزقاً لكم في الأرض، {وَإِلَيْهِ النُشُور}، أي: وإليه تبعثون من قبوركم. ثم خوَّف الكفار فقال:

{ءَأَمِنتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ}، قال ابن عباس: أي: عذاب مَنْ في السماء إن عصيتموه، {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأََرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ}، قال الحسن: تتحرك بأهلها. وقيل: تهوي بهم. والمعنى: أن الله تعالى يحرِّك الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيَهم إلى أسفل, تعلو عليهم وتمر فوقهم. يقال: مَارَ يَمُورُ, أي: جاء وذهب.

{أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً}، ريحاً ذات حجارة كما فعل بقوم لوط. {فَسَتَعْلَمُونَ}، في الآخرة وعند الموت، {كَيْفَ نَذِير}، أي إنذاري إذا عاينتم العذاب.

{وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، يعني كفار الأمم الماضية، {فَكَيْفَ كَانَ نَكِير}، أي إنكاري عليهم بالعذاب.

{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ }، تصف أجنحتها في الهواء، {وَيَقْبِضْنَ}، أجنحتها بعد البسط، {مَا يُمْسِكُهُنَّ}، في حال القبض والبسط أن يسقطن، {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ}.

{أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ}، استفهام إنكار. قال ابن عباس: أي منعة لكم، {يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}، يمنعكم من عذابه ويدفع عنكم ما أراد بكم. {إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ}، أي في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم.

{أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}، أي من الذي يرزقكم المطر إن أمسك الله عنكم، {بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوٍ}، تمادٍ في الضلال، {ونُفُورٍ}، تباعد من الحق. وقال مجاهد: كفور. ثم ضرب مثلاً فقال:

{أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ}، راكباً رأسه في الضلالة والجهالة أعمى القلب والعين لا يبصر يميناً ولا شمالاً وهو الكافر. قال قتادة: أكبَّ على المعاصي في الدنيا فحشره الله على وجهه يوم القيامة، {أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِى سَوِيّا}، معتدلاً يبصر الطريق وهو، {عَلَى صِرَٰطٍ مُسْتَقِمٍ}، وهو المؤمن. قال قتادة: يمشي يوم القيامة سويّاً.

قُلْ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝٢٣ قُلْ هُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٢٤ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٢٥ قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٢٦ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيٓـَٔتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ۝٢٧ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٢٨ قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٩ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِينٍۭ ۝٣٠

{قُلْ هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}، قال مقاتل: يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم.

{قُلْ هُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ}، يعني: العذاب في الآخرة - على قول أكثر المفسرين - وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر، {زُلفةً}، أي قريباً وهو اسم يوصف به المصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والاثنان والجميع، {سِيۤئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا}، اسودت وعليها كآبة، والمعنى قبحت وجوههم بالسواد, يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيىء إذا قبح، وسيئ يساء إذا قبح، {وقيلَ}, لها أي قال لهم الخزنة، {هذا}، أي هذا العذاب، {ٱلَّذِى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ}، تفتعلون، من الدعاء تدعون وتتمنون أن يعجِّل لكم، وقرأ يعقوب تدعون بالتخفيف، وهي قراءة قتادة ومعناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون.

{قُلْ}، يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون هلاكك، {أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن معيَ}، من المؤمنين، {أَوْ رَحِمَنَا}، فأبقانا وأخَّر آجالنا، {فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ}، فإنه واقع بهم لا محالة. وقيل: معناه أرأيتم إن أهلكني الله فعذبني ومن معي أو رحمنا فغفر لنا، فنحن - مع إيماننا - خائفون أن يهلكنا بذنوبنا, لأن حكمه نافذ فينا, فمن يجيركم ويمنعكم من عذابه وأنتم كافرون؟ وهذا معنى قول ابن عباس.

{قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ}، الذي نعبده، {ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُون}، قرأ الكسائي بالياء وقرأ الباقون بالتاء. {مَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍ مُبينٍ}، أي ستعلمون عند معاينة العذاب من الضال منا، نحن أم أنتم.

{قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً}، غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء. قال الكلبي ومقاتل: يعني ماء زمزم، {فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَعِينٍ}، ظاهر تراه العيون وتناله الأيدي والدلاء. وقال عطاء عن ابن عباس: معين أي جار.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني أبو الحسن الفارسي, حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد, حدثنا أبو يحيى البزاز, حدثنا محمد بن يحيى, حدثنا أبو داود, حدثنا عمران, عن قتادة, عن عباس الجشمي, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل فأخرجته من النار يوم القيامة وأدخلته الجنة، وهي سورة تبارك».
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ