نص الآية 64:6
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا۟ وَتَوَلَّوا۟ وَّٱسْتَغْنَى ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ٦
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا۟ وَتَوَلَّوا۟ وَّٱسْتَغْنَى ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ٦
الآية 6 من سورة التغابن (64:6)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 28، في الصفحة 556 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 74 قارئًا.
80 تلاوة بأصوات 74 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
ذلك العذاب الذي أصابهم إنما أصابهم بسبب أنه كانت تأتيهم رسلهم من عند الله بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، فقالوا مستنكرين أن تكون الرسل من جنس البشر: أبشر يرشدوننا إلى الحق؟! فكفروا وأعرضوا عن الإيمان بهم، فلم يضرّوا الله شيئًا، واستغنى الله عن إيمانهم وطاعتهم؛ لأن طاعتهم لا تزيده شيئًا، والله غني لا يفتقر إلى عباده، محمود في أقواله وأفعاله.
ذلك الذي أصابهم في الدنيا، وما يصيبهم في الآخرة؛ بسبب أنهم كانت تأتيهم رسل الله بالآيات البينات والمعجزات الواضحات، فقالوا منكرين: أبشر مثلنا يرشدوننا؟ فكفروا بالله وجحدوا رسالة رسله، وأعرضوا عن الحق فلم يقبلوه. واستغنى الله، والله غني، له الغنى التام المطلق، حميد في أقواله وأفعاله وصفاته لا يبالي بهم، ولا يضره ضلالهم شيئًا.
يقول تعالى مخبراً عن الأمم الماضين، وما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} أي: خبرهم، وما كان من أمرهم، {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي، ثم علل ذلك فقال: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي بالحجج والدلائل والبراهين، {فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أي استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم، {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} أي كذبوا بالحق، ونكلوا عن العمل، {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} أي عنهم، {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: ألم يأتكم أيها الناس خبر الذين كفروا من قبلكم، وذلك كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط {فَذَاقُوا وَبالَ أمْرِهِمْ} فمسّهم عذاب الله إياهم على كفرهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} يقول: ولهم عذاب مؤلم موجع يوم القيامة في نار جهنم، مع الذي أذاقهم الله في الدنيا وبال كفرهم. وقوله: {ذلكَ بأنَّهُ كانَتْ تأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بالبَيِّناتِ} يقول: جلّ ثناؤه: هذا الذي نال الذين كفروا من قبل هؤلاء المشركين من وبال كفرهم، والذي أعدّ لهم ربهم يوم القيامة من العذاب، من أجل أنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات الذي أرسلهم إليهم ربهم بالواضحات من الأدلة والإعلام على حقيقة ما … تابع القراءة
قوله تعالى: {ذَلِكَ} أي هذا العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم {بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالدلائل الواضحة. {فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أنكروا أن يكون الرسول من البشر. وارتفع «أَبَشَرٌ» على الابتداء. وقيل: بإضمار فعل، والجمع على معنى بشر؛ ولهذا قال: «يَهْدُونَنَا» ولم يقل يهدينا. وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسماً للجنس؛ وواحده إنسان لا واحد له من لفظه. وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد؛ نحو قوله تعالى: { مَا هَـٰذَا بَشَراً }[يوسف:30]. {فَكَفَرُواْ} أي بهذا القول؛ إذ قالوه استصغاراً ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده. وقيل: كفروا بالرسل وتولّوا عن البرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} أي بسلطانه عن طاعة عباده؛ قاله مقاتل. وقيل: استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية.
لما ذكر تعالى من أوصافه الكاملة العظيمة، ما به يعرف ويعبد، ويبذل الجهد في مرضاته، وتجتنب مساخطه، أخبر بما فعل بالأمم السابقين، والقرون الماضين، الذين لم تزل أنباؤهم يتحدث بها المتأخرون، ويخبر بها الصادقون، وأنهم حين جاءتهم الرسل بالحق، كذبوهم وعاندوهم، فأذاقهم الله وبال أمرهم في الدنيا، وأخزاهم فيها، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في [الدار] الآخرة، ولهذا ذكر السبب في هذه العقوبة فقال: { ذَلِكَ } النكال والوبال، الذي أحللناه بهم { بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي: بالآيات الواضحات، الدالة على الحق والباطل، فاشمأزوا، واستكبروا على رسلهم، { فقالوا أَبَشَرٌ … تابع القراءة
{ ذلك } أي عذاب الدنيا { بأنه } ضمير الشأن { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } الحجج الظاهرات على الإيمان { فقالوا أبَشَرٌ } أريد به الجنس { يهدوننا فكفروا وتولوْا } عن الإيمان { واستغنى الله } عن إيمانهم { والله غني } عن خلقه { حميد } محمود في أفعاله.
{خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ * يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ}، يخاطب كفار مكة، {نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ}، يعني الأمم الخالية، {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ}، يعني ما لحقهم من العذاب في الدنيا، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، في الآخرة. {ذَلِكَ}، العذاب، {بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا}، ولم يقل: يهدينا, لأن البشر, وإن كان لفظه واحداً … تابع القراءة
ارتقاء في التعريض إلى ضرب منه قريببٍ من الصريح. وهو المسمى في الكناية بالإِشارة. كانت مقالةُ الذين من قبلُ مماثلة لمقالة المخاطبين فإذا كانت هي سبب ما ذاقوه من الوبال فيوشك أن يذوق مماثلوهم في المقالة مثل ذلك الوبال. فاسم الإِشارة عائد إلى المذكور من الوبال والعذاب الأليم. فهذا عَدّ لكفر آخر من وجوه كفرهم وهو تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم بالقرآن فإن القرآن بيِّنة من البيّنات لأنه معجزة. والباء للسببية فالجملة في موقع العلة. والضمير ضمير الشأن لقصد تهويل ما يفسر الضمير، وهو جملة {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} إلى آخرها. والاستفهام في {أبشر} استفهام إنكار وإبطال فهم أحالوا أن يكون … تابع القراءة
فيه استنكار الكفار أن يكون من يهديهم بشراً لا ملكاً، كما قال تعالى: { وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً }[الإسراء: 94]، وقوله تعالى: { أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ }[القمر: 24]. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في مذكرة الدراسة: فشبهتهم هذه الباطلة ردها الله في آيات كثيرة كقوله تعالى: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رجلاً }[الأنعام: 9]، وقوله: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً }[يوسف: 109]. أي لا ملائكة وقوله { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ … تابع القراءة
وقد سبق تفسير فاتحتها إلى قوله تعالى: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} وفيه قولان. أحدهما: أن الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، رواه الوالبي عن ابن عباس. والأحاديث تعضد هذ القول، كقوله عليه الصلاة والسلام: خلق فرعون في بطن أمه كافراً، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً، وقوله: فيؤمر الملك بأربع كلمات: بكتبِ رزقِهِ، وأجلِهِ، وعملِهِ، وشقيٌ أم سعيدٌ والثاني: أن تمام الكلام عند قوله تعالى: {خلقكم} ثم وصفهم، فقال تعالى: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن}، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال. أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة … تابع القراءة
فوائد الآيات من 1 إلى 9 من سورة التغابن (الصفحة 556 من المصحف).
السراج في بيان غريب القرآن
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
ذلِكَ بِأَنَّهُ الهاء كناية عن الحديث وما بعده مفسّر له خبر عن أنّ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج والبراهين فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فقال: يهدوننا، ولفظ بشر واحد. تكلّم النحويون في نظير هذا فقال بعضهم: يهدوننا على المعنى ويهدينا على اللفظ، وقال المازني: وذكر عللا في مسائل في النحو منها أن النحويين أجازوا أن يقال: جاءني ثلاثة نفر، وثلاثة رهط، وهما اسمان للجميع ولم يجيزوا جاءني ثلاثة قوم ولا ثلاثة بشر، وهما عند بعض النحويين اسمان للجميع فقال المازني: إنما جاز جاءني ثلاثة نفر وثلاثة رهط لأن نفرا ورهطا لأقل العدد فوقع في موقعه. وبشر للعدد الكثير وقوم للقليل والكثير، فلذلك لم يجز فيهما هذا وخالفه محمد بن يزيد في اعتلاله في بشر ووافقه في غير فقال: بشر يكون للواحد والجميع. قال الله جلّ وعزّ:
ما هذا بَشَراً [يوسف: ٣١] قال: فلذلك لم يجز جاءني ثلاثة بشر فَكَفَرُوا أي جحدوا أنبياء الله جلّ وعزّ وآياته وَتَوَلَّوْا أي أدبروا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن جميع خلقه حَمِيدٌ أي محمود عندهم بما يعرفونه من نعمه وتفضّله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبَشَرٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «يَهْدُونَنَا» : الْخَبَرُ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا؛ أَيْ: أَيَهْدِينَا بَشَرٌ.
تشترك مع هذه الآية في عبارة واحدة أو أكثر، فيحسن التفريق بينها عند الحفظ.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُۥ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ