انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة لقمان

التحرير والتنويرالآيات 31–34

تفسير سورة لقمان آية آية، من التحرير والتنوير.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَٰتِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٣١ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ۝٣٢

استئناف جاء على سنن الاستئنافين اللذين قبله في قوله

{ ألم تروا أن الله سخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض }[لقمان: 20] وقوله: { ألم تر أن الله يُولج الليل في النهار }[لقمان: 29]، وجيء بها غير متعاطفة لئلا يتوهم السامع أن العطف على ما تخلل بينها، وجاء هذا الاستئناف الثالث دليلاً ثالثاً على عظيم حكمة الله في نظام هذا العالم وتوفيق البشر للانتفاع بما هيّأه الله لانتفاعهم به. فلما أتى الاستئنافان الأولان على دلائل صنع الله في السماوات والأرض جاء في هذا الثالث دليل على بديع صنع الله بخلق البحر وتيسير الانتفاع به في إقامة نظام المجتمع البشري. وتخلص منه إلى اتخاذ فريق من الناس موجبات الشكر دواعي كفر.

فكان خلق البحر على هذه الصفة العظيمة ميسراً للانتفاع بالأسفار فيه حين لا تغني طرق البر في التنقل غناء فجعله قابلاً لحمل المراكب العظيمة، وألْهَم الإنسان لصنع تلك المراكب على كيفية تحفظها من الغرق في عباب البحر، وعصمهم من توالي الرياح والموج في أسفارهم، وهداهم إلى الحيلة في مصانعتها إذا طرأت حتى تنجلي، ولذلك وصف هذا الجري بملابسة نعمة الله فإن الناس كلما مَخرت بهم الفلك في البحر كانوا ملابسين لنعمة الله عليهم بالسلامة إلا في أحوال نادرة، وقد سميت هذه النعمة أمراً في قوله

{ والفلك تجري في البحر بأمره }في سورة الحج (65)، أي: بتقديره ونظام خلقه.

وتقدم تفصيله في قوله

{ فإذا ركبوا في الفلك }في سورة العنكبوت (65)، وفي قوله: { هو الذي يُسيّركم في البرّ والبحر }الآيات من سورة يونس (22) وقوله: { ألم تر أن الله سخّر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره }في سورة الحج (65).

ويتعلق {ليريكم} بــــ {تجري} أي: تجري في البحر جرياً، علةُ خَلْقه أن يريكم الله بعض آياته، أي: آياته لكم فلم يذكر متعلق الآيات لظهوره من قوله {ليريكم} وجريُ الفلك في البحر آية من آيات القدرة في بديع الصنع أن خلق ماء البحر بنظام، وخلق الخشب بنظام، وجعل لعقول الناس نظاماً فحصل من ذلك كله إمكان سير الفلك فوق عباب البحر. والمعنى: أن جري السفن فيه حِكم كثيرة مقصودة من تسخيره، منها أن يكون آية للناس على وجود الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته. وليس يلزم من لام التعليل انحصار الغرض من المعلَّل في مدخولها لأن العلل جزئيةٌ لا كلية.

وجملة {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} لها موقع التعليل لجملة {ليريكم من ءاياته}. ولها موقع الاستئناف البياني إذ يخطر ببال السامع أن يسأل: كيف لم يهتد المشركون بهذه الآيات؟ فأفيد أن الذي ينتفع بدلالتها على مدلولها هو {كل صبّار شكور}، ثناء على هذا الفريق صريحاً، وتعريضاً بالذين لم ينتفعوا بدلالتها. واقتران الجملة بحرف {إنَّ} لأنه يفيد في مثل هذا المقام معنى التعليل والتسبب. وجعل ذلك عدة آيات لأن في ذلك دلائل كثيرة، أي: الذين لا يفارقهم الوصفان.

والصبَّار: مبالغة في الموصوف بالصبر، والشَّكور كذلك، أي: الذين لا يفارقهم الوصفان. وهذان وصفان للمؤمنين الموحِّدين في الصبر للضراء والشكر للسراء إذ يرجون بهما رضى الله تعالى الذي لا يتوكلون إلا عليه في كشف الضر والزيادة من الخير. وقد تخلقوا بذلك بما سمعوا من الترغيب في الوصفين والتحذير من ضديهما قال:

{ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس }[البقرة: 177]، وقال: { لئن شكرتم لأزِيدَنَّكم }[إبراهيم: 7] فهم بين رجاء الثواب وخوف العقاب لأنهم آمنوا بالحياة الخالدة ذات الجزاء وعلموا أن مَصِيرهم إلى الله الذي أمَر ونهى، فصارا لهم خلقاً تطبعوا عليه فلم يفارقاهم البتة أو إلا نادراً؛ فأما المشركون فنظرهم قاصر على الحياة الحاضرة فهم أُسَراء العالم الحِسيّ فإذا أصابهم ضر ضجروا وإذا أصابهم نفع بَطَروا، فهم أخلياء من الصبر والشكر، فلذلك كان قوله {لكل صبّار شكور} كنايةً رمزية عن المؤمنين وتعريضاً رمزياً بالمشركين. ووجه إيثار خلقي الصبر والشكر هنا للكناية بهما، من بين شعب الإيمان، أنهما أنسب بمقام السير في البحر إذ راكب البحر بين خطر وسلامة وهما مظهر الصبر والشكر، كما تقدم في قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البرّ والبحر حتى إذا كنتم في الفلك }الآية في سورة يونس (22).

وفي قوله {لكل صبّار شكور} حسن التخلص إلى التفصيل الذي عقبه في قوله {وإذا غشيهم موج كالظُّلَل} الآية، فعطف على آيات سير الفلك إشارة إلى أن الناس يذكرون الله عند تلك الآيات عند الاضطرار، وغفلتهم عنها في حال السلامة، وهو ما تقدم مثله في قوله في سورة العنكبوت (65):

{ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون }وقوله في سورة يونس (22): { حتى إذا كنتم في الفلك وجرَيْنَ بهم بريح طيبة }الآيات.

والغشيان: مستعار للمجيء المفاجىء لأنه يشبه التغطية، وتقدم في قوله تعالى:

{ يُغشي الليل النهار }في سورة الأعراف (54).

والظُّلَل: بضم الظاء وفتح اللام: جمع ظُلّة بالضم وهي: ما أظلّ من سحاب.

والفاء في قوله {فمنهم مقتصد} تدلّ على مقدر كأنه قيل: فلما نجاهم انقسموا فمنهم مقتصد ومنهم غيره كما سيأتي. وجعل ابن مالك الفاء داخلة على جواب {لمّا} أي رابطة للجواب ومخالفوه يمنعون اقتران جواب {لما} بالفاء كما في مغني اللبيب.

والمقتصد: الفاعل للقصد وهو التوسط بين طرفين، والمقام دليل على أن المراد الاقتصاد في الكفر لوقوع تذييله بقوله {وما يجحد بآياتنا إلاّ كل خَتّار كفور}ولقوله في نظيره في سورة العنكبوت (65)

{ فلما نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون }}، وقد يطلق المقتصد على الذي يتوسط حالُه بين الصلاح وضده. كما قال تعالى: { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون }[المائدة: 66] والجاحد الكفور: هو المُفرط في الكفر والجَحد. والجُحود: الإنكار والنفي. وتقدم عند قوله تعالى: { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون }في سورة الأنعام (33). وعلم أن هنالك قسماً ثالثاً وهو الموقن بالآيات الشاكر للنعمة وأولئك هم المؤمنون. قال في سورة فاطر (32) { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات }}، وهذا الاقتصار كقول جرير:

كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهممن العبيد وثلث من مواليها

أي: والثلث الآخر من أنفسهم.

والخَتَّار: الشديد الختر، والختر: أشدّ الغدر.

وجملة {وما يجحد} إلى آخرها تذييل لأنها تعم كل جاحد سواء من جحد آية سير الفلك وهول البحر ويجحد نعمة الله عليه بالنجاة ومن يجحد غير ذلك من آيات الله ونعمه. والمعنى: ومنهم جاحد بآياتنا. وفي الانتقال من الغيبة إلى التكلم في قوله {بآياتنا} التفات.

والباء في {بآياتنا} لتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل قوله

{ وامسحوا برؤوسكم }[المائدة: 6]، وقول النابغة:

لك الخير إن وارت بك الأرض واحداً

وقوله تعالى: { وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفاً }[الإسراء: 59].

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝٣٣

إن لم يكن {يا أيها الناس} خطاباً خاصاً بالمشركين فهو عام لجميع الناس كما تقرر في أصول الفقه، فيعم المؤمن والمشرك والمعطل في ذلك الوقت وفي سائر الأزمان إذ الجميع مأمورون بتقوى الله وأن الخطوات الموصلة إلى التقوى متفاوتة على حسب تفاوت بُعد السائرين عنها، وقد كان فيما سبق من السورة حظوظ للمؤمنين وحظوظ للمشركين فلا يبعد أن تعقَّب بما يصلح لِكِلا الفريقين، وإن كان الخطاب خاصاً بالمشركين جرْياً على ما روي عن ابن عباس أن {يا أيها الناس} خطاب لأهل مكة، فالمراد بالتقوى: الإقلاع عن الشرك.

وموقع هذه الآية بعد ما تقدمها من الآيات موقع مقصد الخُطبة بعد مقدماتها إذ كانت المقدمات الماضية قد هيّأت النفوس إلى قبول الهداية والتأثر بالموعظة الحسنة، وإن لاصطياد الحكماء فُرصاً يحرصون على عدم إضاعتها، وأحسن مُثُلها قول الحريري في «المقامة الحادية عشرة»: «فلما ألحدوا الميْت، وفات قول ليت، أشرف شيخ من رُباوة، متخصر بهراوة، فقال: لِمثْل هذا فليعمل العاملون، فاذكروا يأْيها الغافلون، وشمروا أيها المقصرون» الخ... فأما القلوب القاسية، والنفوس المتعاصية، فلن تأسُوَها آسية. ولاعتبار هذا الموقع جعلت الجملة استئنافاً لأنها بمنزلة الفذلكة والنتيجة.

والتقوى تبتدىء من الاعتراف بوجود الخالق ووحدانيته وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتنتهي إلى اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات في الظاهر والباطن في سائر الأحوال. وتقدم تفصيلها عند قوله تعالى

{ هدىً للمتقين }في سورة البقرة (2) وتقدم نظير هذا في سورة الحج (32).

وخشية اليوم: الخوف من أهوال ما يقع فيه إذ الزمان لا يخشى لذاته، فانتصب {يوماً} على المفعول به. والأمر بخشيته تتضمن وقوعه فهو كناية عن إثبات البعث وذلك حظ المشركين منه الذين لا يؤمنون به حتى صار سمة عليهم قال تعالى

{ وقال الذين لا يرجون لقاءنا }[الفرقان: 21].

وجملة {لا يَجْزِي والدٌ عن ولده}الخ صفة يوم وحذف منها العائد المجرور بــــ(في) توسعاً بمعاملته معاملة العائد المنصوب كقوله

{ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً }في سورة البقرة (48).

وجَزى إذا عدي بـ {عن} فهو بمعنى قضى عنه ودفع عنه، ولذلك يقال للمتقاضي: المتجازي.

وجملة {ولا مولود} الخ عطف على الصفة و{مولود} مبتدأ. و{هو} ضمير فصل. و{جاز} خبر المبتدأ.

وذكر الوالد والولد هنا لأنهما أشد محبة وحمية من غيرهم فيعلم أن غيرهما أولى بهذا النفي، قال تعالى:

{ يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه }الآية [عبس: 34 35].

وابتدىء بـ {الوالد} لأنه أشد شفقة على ابنه فلا يجد له مخلصاً من سوء إلا فعله. ووجه اختيار هذه الطريقة في إفادة عموم النفي هنا دون طريقة قوله تعالى:

{ واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس شيئاً }في سورة البقرة (123)، أن هذه الآية نزلت بمكة وأهلها يومئذ خليط من مسلمين وكافرين، وربما كان الأب مسلماً والولد كافراً وربما كان العكس، وقد يتوهم بعضُ الكافرين حين تُداخلهم الظنون في مصيرهم بعد الموت أنه إذا ظهر صدق وعيد القرآن إياهم فإن من له أب مسلم أو ابن مسلم يدفع عنه هنالك بما يُدلّ به على رَبّ هذا الدين، وقد كان قاراً في نفوس العرب التعويل على المولَى والنصير تعويلاً على أن الحَمية والأنفة تدفعهم إلى الدفاع عنهم في ذلك الجمع وإن كانوا من قبل مختلفين لهم لضيق عطن أفهامهم يقيسون الأمور على معتادهم. وهذا أيضاً وجه الجمع بين نفي جزاء الوالد عن ولده وبين نفي جزاء الولَد عن والده ليشمل الفريقين في الحالتين فلا يتوهم أن أحد الفريقين أرجى في المقصود.

ثم أوثرت جملة {ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً} بطرق من التوكيد لم تشتمل على مثلها جملة {لا يجزي والد عن ولده} فإنها نظمت جملة اسمية، ووُسِّط فيها ضمير الفصل، وجعل النفي فيها منصبّاً إلى الجنس. ونكتة هذا الإيثار مبالغة تحقيق عدم جَزْءِ هذا الفريق عن الآخر إذ كان معظمُ المؤمنين من الأبناء والشبابِ، وكان آباؤهم وأمهاتهم في الغالب على الشرك مثل أبي قحافة والد أبي بكر، وأبي طالب والد علي، وأم سعد بن أبي وقاص، وأم أسماء بنت أبي بكر، فأُريد حسم أطماع آبائهم وما عسى أن يكون من أطماعهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة بشيء. وعبر فيها بــــ {مولود} دون (ولد) لإشعار {مولود} بالمعنى الاشتقاقي دون (ولد) الذي هو اسم بمنزلة الجوامد لقصد التنبيه على أن تلك الصلة الرقيقة لا تخول صاحبها التعرض لنفع أبيه المشرك في الآخرة وفاء له بما تُومىء إليه الموْلُودية من تجشّم المشقة من تربيته، فلعله يتجشم الإلحاح في الجزاء عنه في الآخرة حسماً لطمعه في الجزاء عنه، فهذا تعكيس للترقيق الدنيوي في قوله تعالى

{ وقل ربّ ارحمهما كما رَبَّيَاني صغيراً }[الإسراء: 24] وقوله: { وصاحبْهما في الدنيا معروفاً }[لقمان: 15].

وجملة {إن وعد الله حق} علة لجملتي {اتقوا ربّكم واخْشَوْا يوماً}. ووعدُ الله: هو البعث، قال تعالى:

{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخِرون عنه ساعةً ولا تستقدمون }[سبأ: 29 ــــ 30].

وأكد الخبر بــــ {إنّ} مُراعاة لمنكري البعث، وإذ قد كانت شبهتهم في إنكاره مشاهدة الناس يموتون ويخلفهم أجيال آخرون ولم يرجع أحد ممن مات منهم

{ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر }[الجاثية: 24] وقالوا: { إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين }[الأنعام: 29].

فُرع على هذا التأكيد إبطال شبهتهم بقوله: {فلا تَغرنَّكم الحياة الدنيا}، أي لا تغرنّكم حالة الحياة الدنيا بأن تتوهموا الباطل حقاً والضرّ نفعاً، فإسناد التغرير إلى الحياة الدنيا مجاز عقلي لأن الدنيا ظرف الغرور أو شُبْهَتِه، وفاعل التغرير حقيقة هم الذين يُضِلّونهم بالأقيسة الباطلة فيشبهون عليهم إبطاء الشيء باستحالته فذُكرت هنا وسيلة التغرير وشبهته ثم ذكر بعده الفاعل الحقيقي للتغرير وهو الغَرور. والغَرور بفتح الغين: من يكثر منه التغرير، والمراد به الشيطان بوسوسته وما يليه في نفوس دعاة الضلالة من شبه التمويه للباطل في صورة وما يلقيه في نفوس أتباعهم من قبول تغريرهم.

وعطف {ولا يغرنكم بالله الغرور} لأنه أدخل في تحذيرهم ممن يلقون إليهم الشبه أو من أوهام أنفسهم التي تخيل لهم الباطل حقاً ليهموا آراءهم. وإذا أريد بالغَرور الشيطان أو ما يشمله فذلك أشد في التحذير لما تقرر من عداوة الشيطان للإنسان، كما قال تعالى:

{ يا بني آدم لا يَفْتِننَّكم الشيطان كما أخرج أبوَيْكم من الجَنة }[الأعراف: 27] وقال: { إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذُوه عدواً }[فاطر: 6]، ففي التحذير شوب من التنفير.

والباء في قوله {ولا يغرنكم بالله}هي كالباء في قوله تعالى

{ يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم }[الانفطار: 6]. وقرر في «الكشاف» في سورة الانفطار معنى الباء بما يقتضي أنها للسببية، وبالضرورة يكون السبب شأناً من شؤون الله يناسب المقام لا ذاتَ الله تعالى. والذي يناسب هنا أن يكون النهي عن الاغترار بما يسوِّله الغَرور للمشركين كتوهم أن الأصنام شفعاء لهم عند الله في الدنيا واقتناعهم بأنه إذا ثبت البعث على احتمال مرجوح عندهم شفعت لهم يومئذ أصنامهم، أو يغرُّهم بأن الله لو أراد البعث كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لبعث آباءهم وهم ينظرون، أو أن يغرهم بأن الله لو أراد بعث الناس لعجّل لهم ذلك وهو ما حكى الله عنهم: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }[يونس: 48] فذلك كله غرور لهم مُسبب بشؤون الله تعالى. ففي هذا ما يوضح معنى الباء في قوله تعالى: {ولا يغرنكم بالله الغرور} وقد جاء مثله في سورة الحديد (14). وهذا الاستعمال في تعدية فعل الغرور بالباء قريب من تعديته بــــ(من) الابتدائية في قول امرىء القيس:

أغرّكِ مني أن حبَّك قَاتِلي

أي: لا يغرنَّك مِن معاملتي معك أن حبك قاتلي.

إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ ۝٣٤

كان من جملة غرورهم في نفي البعث أنهم يجعلون عدم إعلام الناس بتعيين وقته أمارةً على أنه غير واقع. قال تعالى:

{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }[يونس: 48] وقال: { وما يُدْرِيك لعلّ السَّاعة قريبٌ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها }[الشورى: 17، 18]، فلما جرى في الآيات قبلها ذكر يوم القيامة أعقبت بأن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله.

فجملة {إن الله عنده علم الساعة} مستأنفة استئنافاً بيانياً لوقوعها جواباً عن سؤال مقدَّر في نفوس الناس. والجمل الأربع التي بعدها إدماج لجمع نظائرها تعليماً للأمة. وقال الواحدي والبغوي: إن رجلاً من محارب خصفة من أهل البادية سماه في «الكشاف» الحارث بن عمرو ووقع في «تفسير القرطبي» وفي «أسباب النزول» للواحدي تسميته الوارث بن عمرو بن حارثة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وتركتُ امرأتي حبلى فما تلد؟ وماذا أكسب غداً؟ وبأي أرض أموت؟، فنزلت هذه الآية، ولا يُدرى سند هذا. ونُسب إلى عكرمة ومقاتل، ولو صح لم يكن منافياً لاعتبار هذه الجملة استئنافاً بيانياً فإنه مقتضى السياق.

وقد أفاد التأكيد بحرف {إن} تحقيق علم الله تعالى بوقت الساعة، وذلك يتضمن تأكيد وقوعها. وفي كلمة {عنده} إشارة إلى اختصاصه تعالى بذلك العلم لأن العندية شأنها الاستئثار. وتقديم {عند} وهو ظرف مسند على المسند إليه يُفيد التخصيص بالقرينة الدالة على أنه ليس مراد به مجرد التقوي.

وجملة {وينزل الغيث} عطف على جملة الخبر. والتقدير: وإن الله ينزل الغيث، فيفيد التخصيص بتنزيل الغيث. والمقصود أيضاً عنده علم وقت نزول الغيث وليس المقصود مجرد الإخبار بأنه ينزل الغيث لأن ذلك ليس مما ينكرونه ولكن نُظمت الجملة بأسلوب الفعل المضارع ليحصل مع الدلالة على الاستئثار بالعلم به الامتنان بذلك المعلوم الذي هو نعمة.

وفي اختيار الفعل المضارع إفادة أنه يجدد إنزال الغيث المرة بعد المرة عند احتياج الأرض. ولا التفاتَ إلى من قدروا: {ينزل الغيث}، بتقدير (أنْ)}المصدرية على طريقة قول طرفة:

ألا أيهذا الزاجري احضُر الوغى

للبون بين المقامين وتفاوت الدرجتين في البلاغة. وإذ قد جاء هذا نسقاً في عداد الحصر كان الإتيان بالمسند فعلاً خبراً عن مسند إليه مقدم مفيداً للاختصاص بالقرينة؛ فالمعنى: وينفرد بعلم وقت نزول الغيث من قرب وبعد وضبط وقت.

وعطف عليه {ويعلم ما في الأرحام} أي: ينفرد بعلم جميع أطواره من نطفة وعلقة ومضغة ثم من كونه ذكراً أو أنثى وإبان وضعه بالتدقيق. وجيء بالمضارع لإفادة تكرر العلم بتبدل تلك الأطوار والأحوال. والمعنى: ينفرد بعلم جميع تلك الأطوار التي لا يعلمها الناس لأنه عطف على ما قصد منه الحصر فكان المسند الفعلي المتأخر عن المسند إليه مفيداً للاختصاص بالقرينة كما قلنا في قوله تعالى: {والله يقدّر الليل والنهار}.

وأما قوله {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت} فقد نسج على منوال آخر من النظم فجعل سَداه نفي علم أيَّة نفس بأخص أحوالها وهو حال اكتسابها القريب منها في اليوم الموالي يوم تأملها ونظرها، وكذلك مكانُ انقضاء حياتها للنداء عليهم بقلة علمهم؛ فإذا كانوا بهذه المثابة في قلة العلم فكيف يتطلعون إلى علم أعظم حوادث هذا العالم وهو حادث فنائه وانقراضه واعتياضه بعالم الخلود. وهذا النفي للدراية بهذين الأمرين عن كل نفس فيه كناية عن إثبات العلم بما تكسب كل نفس والعلمُ بأي أرض تموت فيها كل نفس إلى الله تعالى، فحصلت إفادة اختصاص الله تعالى بهذين العِلْمين فكانا في ضميمة ما انتظم معهما مما تقدمهما.

وعبر في جانب نفي معرفة الناس بفعل الدراية لأن الدراية علم فيه معالجة للاطلاع على المعلوم ولذلك لا يعبر بالدراية عن علم الله تعالى فلا يقال: الله يدري كذا، فيفيد: انتفاء علم الناس بعد الحرص على علمه. والمعنى: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى بقرينة مقابلتهما بقوله {وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام}. وقد علق فعل الدراية عن العمل في مفعولين بوقوع الاستفهامين بعدهما، أي ما تدري هذا السؤال، أي جوابه. وقد حصل إفادة اختصاص الله تعالى بعلم هذه الأمور الخمسة بأفانين بديعة من أفانين الإيجاز البالغ حد الإعجاز.

ولقبت هذه الخمسة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتح الغيب وفسر بها قوله تعالى:

{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو }[الأنعام: 59]. ففي «صحيح البخاري» من حديث ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَفاتح الغيب خمسثم قرأ: {إن الله عنده علم السَّاعة} الآية، ومن حديث أبي هريرة: «... في خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة جواباً عن سؤال جبريل: متى الساعة؟....»

ومعنى حصر مفاتح الغيب في هذه الخمسة: أنها هي الأمور المغيّبة المتعلقة بأحوال الناس في هذا العالم وأن التعبير عنها بالمفاتح أنها تكون مجهولة للناس فإذا وقعت فكأنَّ وقوعها فَتح لما كان مغلقاً وأما بقية أحوال الناس فخفاؤها عنهم متفاوت ويمكن لبعضهم تعيينها مثل تعيين يوم كذا للزفاف ويوم كذا للغزو وهكذا مواقيت العبادات والأعياد، وكذلك مقارنات الأزمنة مثل: يوم كذا مدخل الربيع؛ فلا تجد مغيبات لا قِبَل لأحد بمعرفة وقوعها من أحوال الناس في هذا العالم غير هذه الخمسة فأما في العَوالم الأخرى وفي الحياة الآخرة فالمغيبات عن علم الناس كثيرة وليست لها مفاتح عِلم في هذا العالم.

وجملة {إن الله عليم خبير} مستأنفة ابتدائية واقعة موقع النتيجة لما تضمنه الكلام السابق من إبطال شبهة المشركين بقوله تعالى:

{ إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا }[لقمان: 33] كموقع قوله في قصة [لقمان: 16]: { إن الله لطيف خبير }عقب قوله: { إنها إنْ تك مثقال حبة من خردل }الآية [لقمان: 16].

والمعنى: أن الله عليمٌ بمدى وعده خبيرٌ بأحوالكم مما جمعه قوله {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً} الخ. ولذا جمع بين الصفتين: صفة {عليم} وصفة {خبير} لأن الثانية أخص.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ