انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة لقمان

تفسير البغويالآيات 1–34

تفسير سورة لقمان آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ ۝٢ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ۝٣ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝٤ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٥ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝٦ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىٓ أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ۝٨ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٩ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ۝١٠

{الۤـمۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً}، قرأ حمزة: "رحمةٌ " بالرفع على الابتداء، أي: هو هدى ورحمة، وقرأ الآخرون بالنصب على الحال {لِّلْمُحْسِنِينَ}.

{ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ}، الآية. قال الكلبي، ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتّجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشاً، ويقول: إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملِحُون حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية.

وقال مجاهد: يعني شراء القيان والمغنيين، ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري ذات لَهْوِ أو ذَا لَهْوِ الحديث.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكي، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا مشعل بن ملحان الطائي، عن مُطرح بن يزيد، عن عبد الله بن زجر، عن علي بن زيد، عن القاسم أبي عبد العزيز، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}،وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالاَنِ يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت ».

أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البُرُوجِرْدي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أخبرنا محمد بن غالب تمام، أخبرنا خالد بن أبي يزيد، عن هشام هو ابن حسان، عن محمد هو ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم

نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة ».

قال مكحول: من اشترى جارية ضرَّابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيماً عليه حتى يموت لم أصلِّ عليه، لأن الله يقول: {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} الآية.

وعن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير قالوا: "لهو الحديث" هو الغناء، والآية نزلت فيه.

ومعنى قوله: {يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ}، أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، قال أبو الصباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات.

وقال إبراهيم النخعي: الغناء ينبت النفاق في القلب، وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف. وقيل: الغناء رُقيةُ الزنا.

وقال ابن جريج: هو الطبل. وعن الضحاك قال: هو الشرك. وقال قتادة: هو كل لهو ولعب.

{لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}، أي: يفعله عن جهل. قال قتادة: بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق.

قوله تعالى:{وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً}، أي: يتخذ آيات الله هزواً. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: {ويتخذها} بنصب الذال عطفاً على قوله: «ليضل»، وقرأ الآخرون بالرفع نسقاً على قوله: «يشتري».

{ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ}.

{خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}, حسن.

هَٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝١١ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَٰنَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ۝١٢

{هَـٰذَا}، يعني الذي ذكرت مما تعاينون، {خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}، من آلهتكم التي تعبدونها، {بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ}، يعني: العقل والعلم والعمل به والإِصابة في الأمور. قال محمد بن إسحاق: وهو لقمان بن ناعور بن ناحور بن تارخ وهو آزر. وقال وهب: إنه كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب. قال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل.

واتفق العلماء على أنه كان حكيماً، ولم يكن نبياً، إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبياً. وتفرَّد بهذا القول.

وقال بعضهم: خيّر لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.

وروي أنه كان نائماً نصف النهار فنُودي: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوتَ فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعاً وطاعةً، فإني أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان أن يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً، ومن يخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نُودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترطه لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كلُّ ذلك يعفو الله عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته.

وعن خالد الربعي قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً. وقال سعيد بن المسيب: كان خياطاً. وقيل: كان راعي غنم. فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست فلاناً الراعي فبِمَ بلغتَ ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني. وقال مجاهد: كان عبداً أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين.

قوله عزّ وجلّ: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ}.

وَإِذْ قَالَ لُقْمَٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ۝١٣ وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ۝١٤

{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ}، واسمه أنعم، ويقال: مشكم، {وَهُوَ يَعِظُهُ يَٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، قرأ ابن كثير: «يا بنيْ لا تشرك بالله» بإسكان الياء، وفتحها حفص، والباقون بالكسر، «يا بني إنها» بفتح الياء حفص، والباقون بالكسر، {يـٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ} بفتح الياء البزي عن ابن كثير وحفص، وبإسكانها القواس، والباقون بكسرها.

{وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ}، قال ابن عباس: شدة بعد شدة. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال مجاهد: مشقة على مشقة. وقال الزجاج: المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة. ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. {وَفِصَالُهُ}، أي فطامه، {فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ}، المرجع، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين.

وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝١٥ يَٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ۝١٦

{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً}، أي: بالمعروف، وهو البر والصلة والعشرة الجميلة، {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ}، أي: دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر، وذلك أنه حين أسلم أتاه عثمان وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فقالوا له: قد صدّقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم هو صادق، فآمنوا به، ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإِسلام، أسلموا بإرشاد أبي بكر.

قال الله تعالى: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلىَّ}، يعني أبا بكر، {ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

وقيل: نزلت هاتان الآياتان في سعد بن أبي وقاص وأمه، وقد مضت القصة.

وقيل: الآية عامة في حق كافة الناس.

{يٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}، الكناية في قوله: {إنها} راجعة إلى الخطيئة، وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال: {يٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ}، قال قتادة: تكن في جبل. وقال ابن عباس: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي تكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة السماء منها.

قال السدي: خلق الله الأرض على حوت ـ وهو النون الذي ذكر الله عزّ وجل في القرآن "نۤ والقلم" ـ والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح.

{أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ}، باستخراجها، {خَبِيرٌ}، عالم بمكانها، قال الحسن: معنى الآية هي الإِحاطة بالأشياء، صغيرِها وكبيرِها، وفي بعض الكتب إن هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات.

يَٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ۝١٧ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ۝١٨ وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ۝١٩

{يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ}، يعني من الأذى، {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}، يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما، من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من الأمور التي يُعْزم عليها لوجوبها.

{وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}، قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: «ولا تصعِّر» بتشديد العين من غير ألف، وقرأ الآخرون: «تصاعر» بالألف، يقال: صعر وجهه وصاعر: إذا مال وأعرض تكبراً، ورجل أصعر: أي: مائل العنق.

قال ابن عباس: يقول: لا تتكبر فتحقِّر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك.

وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبينه إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه.

وقال عكرمة: هو الذي إذا سُلِّم عليه لَوَى عنقه تكبراً.

وقال الربيع بن أنس وقتادة: لا تحتقرن الفقراء ليكن الفقير والغني عندك سواء، {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحاً}، خيلاء {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ}، في مشيه {فَخُورٍ}، على الناس.

{وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ}، أي ليكن مشيك قصداً لا تخيلاً ولا إسراعاً. وقال عطاء: امشِ بالوقار والسكينة، كقوله:

{ { يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } } [الفرقان: 63]، {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} أنقص من صوتك، وقال مقاتل: اخفض صوتك، {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَٰتِ}، أقبح الأصوات، {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}، أوله زفير وآخره شهيق، وهما صوتا أهل النار.

وقال موسى بن أعين: سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}، قال: صياح كل شيء تسبيح لله إلا الحمار.

وقال جعفر الصادق في قوله: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} قال: هي العطسة القبيحة المنكرة.

قال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس في كلامهم وقضاياهم وحكمه: قال خالد الربعي: كان لقمان عبداً حبشياً فدفع مولاه إليه شاة وقال: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها، فأتاه باللسان والقلب، ثم دفع إليه شاة أخرى، وقال: اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب، فسأله مولاه، فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا.

أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَٰبٍ مُّنِيرٍ ۝٢٠

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ}، أتم وأكمل، {نِعَمَهُ} قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو، وحفص: «نعَمهُ» بفتح العين وضم الهاء على الجمع، وقرأ الآخرون منونة على الواحد، ومعناه الجمع أيضاً كقوله:

{ { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } } [إبراهيم: 34]، {ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً}، قال عكرمة عن ابن عباس: النعمة الظاهرة: الإِسلام والقرآن، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة.

وقال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة. وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق، والإِسلام. والباطنة: ما ستر من الذنوب.

وقال الربيع: الظاهرة بالجوارح والباطنة بالقلب.

وقيل: الظاهرة: الإِقرار باللسان، والباطنة: الاعتقاد بالقلب.

وقيل: الظاهرة: تمام الرزق والباطنة: حسن الخلق. وقال عطاء: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة: الشفاعة.

وقال مجاهد: الظاهرة: ظهور الإِسلام والنصر على الأعداء، والباطنة: الإِمداد بالملائكة. وقيل: الظاهرة: الإِمداد بالملائكة، والباطنة: إلقاء الرعب في قلوب الكفار.

وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة: اتباع الرسول، والباطنة: محبته.

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}، نزلت في النضر بن الحارث وأُبيّ بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته بغير علم، {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ}.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝٢١ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ۝٢٢ وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُۥٓ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٢٣ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٢٤ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٥

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا}، قال الله عزّ وجلّ: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}، وجواب "لو" محذوف، ومجازه: يدعوهم فيتبعونه، يعني: يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.

قوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ}، يعني: لله، أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله، {وَهُوَ مُحْسِنٌ}، في عمله، {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ}، أي: اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه، {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ}.

{وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.

{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً}، أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا قليلاً إلى انقضاء آجالهم، {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} ثم نلجئهم ونردهم في الآخرة، {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ }، وهو عذاب النار.

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.

لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٢٦ وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَٰمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٢٧

{لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} الآية. قال المفسرون: نزلت بمكة، قوله سبحانه وتعالى:

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } إلى قوله: { { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } } [الإسراء: 85]، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: "وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً" أفعنيتنا أَمْ قومَك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كُلاًّ قد عنيت، قالوا: ألست تتلوا فيما جاءك أنا أُوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن علمتم به انتفعتم"، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول: { { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } } [البقرة: 269]، فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل هذه الآية.

وقال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع، فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ}، أي: بريت أقلاماً، {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ}، قرأ أبو عمرو ويعقوب: «والبحرَ» بالنصب عطفاً على «ما»، والباقون بالرفع على الاستئناف {يَمُدُّهُ}، أي يزيده، وينصبّ فيه {مِن بَعْدِهِ} من خلفه، {سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}، وفي الآية اختصار تقديره: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله.

{إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، وهذه الآية على قول عطاء بن يسار مدنية، وعلى قول غيره مكية، وقالوا: إنما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولوا له ذلك وهو بعدُ بمكة، والله أعلم.

مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝٢٨ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝٢٩ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٣٠ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَٰتِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٣١ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ۝٣٢

{مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ}، يعني كخلق نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء، {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

{ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ}، أي: ذلك الذي ذكرت لتعلموا أن الله هو الحق، {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ}.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ}، يريد أن ذلك من نعمة الله عليكم، {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ ءَايَـٰتِهِ}، عجائبه، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ}، على أمر الله، {شَكُورٍ}، لنعمه.

{وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ}, قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب. والظل جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج، وهو واحد، كالظلل وهي جمع، لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء، {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ}، أي: عدل موفٍ في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: ثبت على إيمانه.

نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح عاصف، فقال عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأضعن يدي في يده، فسكنت الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه.

وقال مجاهد: فمنهم مقتصد في القول مضمر للكفر. وقال الكلبي: مقتصد في القول، أي: من الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولاً وأغلى في الافتراء من بعض، {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}، والختر أسوأ الغدر.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝٣٣ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ ۝٣٤

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى}، لا يقضي ولا يغني، {وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ}، مُغْنٍ، {عَن وَالِدِهِ شَيْئاً}، قال ابن عباس: كل امرىء يهمه نفسه، {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}، يعني الشيطان. قال سعيد بن جبير: هو أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة.

قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}، الآية. نزلت في الوارث بن عمرو، بن حارثة، بن محارب، ابن حفصة، من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال: إن إرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركتُ امرأتي حبلى، فمتى تلد؟ وقد علمتُ أين ولدتُ فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}.

وقرأ أُبي بن كعب: «بآية أرض» والمشهور: «بأيّ أرض» لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء.

وقيل: أراد بالأرض المكان: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن ساعدة، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

مفاتيح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت ».

{إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ}.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ