انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة لقمان

تفسير الطبريالآيات 1–19

تفسير سورة لقمان آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة لقمان

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 24:17

  1. 1 الآيات 1–21في هذه الصفحة 13:40
  2. 2 الآيات 22–34 10:37

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ ۝٢ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ۝٣ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝٤

وقد تقدّم بـياننا تأويـل قول الله تعالـى ذكره {الـم}. وقوله: {تِلكَ آياتُ الكِتابِ الـحَكِيـمِ} يقول جل ثناؤه: هذه آيات الكتاب الـحكيـم بـياناً وتفصيلاً. وقوله {هُدًى ورَحْمَةً} يقول: هذه آيات الكتاب بـياناً ورحمة من الله، رحم به من اتبعه، وعمل به من خـلقه وبنصب الهدى والرحمة علـى القطع من آيات الكتاب قرأت قرّاء الأمصار غير حمزة، فإنه قرأ ذلك رفعاً علـى وجه الاستئناف، إذ كان منقطعاً عن الآية التـي قبلها بأنه ابتداء آية وأنه مدح، والعرب تفعل ذلك مـما كان من نعوت الـمعارف، وقع موقع الـحال إذا كان فـيه معنى مدح أو ذمّ. وكلتا القراءتـين صواب عندي، وإن كنت إلـى النصب أميـل، لكثرة القراء به.

وقوله: {للْـمُـحْسِنِـينَ} وهم الذين أحسنوا فـي العمل بـما أنزل الله فـي هذا القرآن، يقول تعالـى ذكره: هذا الكتاب الـحكيـم هدى ورحمة للذين أحسنوا، فعملوا بـما فـيه من أمر الله ونهيه {الَّذِينَ يُقِـيـمُونَ الصَّلاةَ} يقول: الذين يقـيـمون الصَّلاةَ الـمفروضة بحدودها {وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ} من جعلها الله له الـمفروضة فـي أموالهم {وَهُمْ بـالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يقول: يفعلون ذلك وهم بجزاء الله وثوابه لـمن فعل ذلك فـي الآخرة يوقنون.

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم علـى بـيان من ربهم ونور {وأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلـحونَ} يقول: وهؤلاء هم الـمنْـجِحون الـمدركون ما رَجَوا وأملوا من ثواب ربهم يوم القـيامة.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝٦

اختلف أهل التأويـل، فـي تأويـل قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيث} فقال بعضهم: من يشتري الشراء الـمعروف بـالثمن، ورووا بذلك خبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن خلاد الصفَـار، عن عبـيد الله بن زَحْر، عن علـيّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبـي أُمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يَحِلُّ بَـيْعُ الـمُغَنِّـياتِ، وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وَلا التِّـجارَةُ فِـيهِنَّ، وَلا أثمَانُهُنَّ، وفـيهنّ نزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ}»

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن خَلاد الصفَـار، عن عبـيد الله بن زَحْر، عن علـيّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبـي أُمامة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحوه، إلاَّ أنه قال:

أكْلُ ثَمَنِهِنَّ حَرَامٌوقال أيضاً:وفِـيهِنَّ أنْزَلَ اللّهُ علـيَّ هَذِهِ الآيَةَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ}

حدثنـي عبـيد بن آدم بن أبـي إياس العسقلانـي، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سلـيـمان بن حيان، عن عمرو بن قـيس الكلابـي، عن أبـي الـمهلَّب، عن عبـيد الله بن زَحْر، عن علـيّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبـي أُمامة. قال: وثنا إسماعيـل بن عَياش، عن مُطَرِّح بن يزيد، عن عبـيد الله بن زَحْر، عن علـيّ بن زيد، عن القاسم، عن أبـي أُمامة البـاهلـي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لا يحلّ تَعْلِـيـمُ الـمُغَنِّـياتِ، وَلا بَـيْعُهُنَّ وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ، وقَدْ نَزَلَ تَصْدِيقُ ذلكَ فِـي كِتابِ اللّهِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} إلـى آخر الآية

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من يختار لهو الـحديث ويستـحبه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ} والله لعله أن لا ينفق فـيه مالاً، ولكن اشتراؤه استـحبـابه، بحسب الـمرء من الضلالة أن يختار حديث البـاطل علـى حديث الـحقّ، وما يضرّ علـى ما ينفع.

حدثنـي مـحمد بن خـلف العسقلانـي، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا ابن شوذب، عن مطر، فـي قول الله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: اشتراؤه: استـحبـابه.

وأولـى التأويـلـين عندي بـالصواب تأويـل من قال: معناه: الشراء، الذي هو بـالثمن، وذلك أن ذلك هو أظهر معنـيـيه.

فإن قال قائل: وكيف يشتري لهو الـحديث؟ قـيـل: يشتري ذات لهو الـحديث، أو ذا لهو الـحديث، فـيكون مشترياً لهو الـحديث.

وأما الـحديث، فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيه، فقال بعضهم: هو الغناء والاستـماع له. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي يزيد بن يونس، عن أبـي صخر، عن أبـي معاوية البجلـي، عن سعيد بن جُبَـير، عن أبـي الصهبـاء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يُسأل عن هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ} فقال عبد الله: الغناء، والذي لا إله إلاَّ هو، يردّدها ثلاث مرّات.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا حميد الـخراط، عن عمار، عن سعيد بن جُبَـير، عن أبـي الصهبـاء، أنه سأل ابن مسعود، عن قول الله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الغناء.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا علـيّ بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الغِناء.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا عمران بن عيـينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الغناء وأشبـاهه.

حدثنا ابن وكيع، والفضل بن الصبـاح، قالا: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَـير عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: هو الغناء ونـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلـم، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَـير عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا الـحسين بن عبد الرحمن الأنـماطي، قال: ثنا عبـيد الله، قال: ثنا ابن أبـي لـيـلـى، عن الـحكم، عن مقسم، عن ابن عبـاس، قال: هو الغناء والاستـماع له، يعنـي قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ}.

حدثنا الـحسن بن عبد الرحيـم، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: ثنا سفـيان، عن قابوس بن أبـي ظبـيان، عن أبـيه، عن جابر، فـي قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: هو الغناء والاستـماع له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـحكم أو مقسم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس قال: شراء الـمغنـية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص والـمـحاربـي، عن لـيث، عن الـحكم، عن ابن عبـاس، قال: الغناء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} قال: بـاطل الـحديث: هو الغناء ونـحوه.

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن مـجاهد {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الغناء.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد أنه قال فـي هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الغناء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن حبـيب عن مـجاهد قال: الغناء.

قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن عبد الكريـم، عن مـجاهد {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: هو الغناء، وكلّ لعب لهو.

حدثنا الـحسين بن عبد الرحمن الأنـماطي، قال: ثنا علـيّ بن حفص الهمدانـي، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الغناء والاستـماع له وكل لهو.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الـمغنـي والـمغنـية بـالـمال الكثـير، أو استـماع إلـيه، أو إلـى مثله من البـاطل.

حدثنـي يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: هو الغناء أو الغناء منه، أو الاستـماع له.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثام بن علـيّ، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن شعيب بن يسار، عن عكرمة قال: {لَهْوَ الـحَدِيثِ}: الغناء.

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهَبَّـاريّ، قال: ثنا عَثّام، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن شعيب بن يسار هكذا قال عكرمة، عن عبـيد مثله.

حدثنا الـحسين بن الزبرقان النـخعي، قال: ثنا أبو أسامة وعبـيد الله، عن أسامة، عن عكرمة، فـي قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} قال: الغناء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، قال: الغناء.

وقال آخرون: عنى بـاللهو: الطَّبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـاس بن مـحمد، قال: ثنا حجاج الأعور، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: اللهو: الطبل.

وقال آخرون: عنى بلهو الـحديث: الشرك. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ} يعنـي الشرك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ، ويَتَّـخِذها هُزُواً} قال: هؤلاء أهل الكفر، ألا ترى إلـى قوله:

{ وَإذا تُتْلَـى عَلَـيْهِ آياتُنا وَلَّـى مُسْتَكْبِراً كأنْ لَـمْ يَسْمَعْها، كأنَّ فِـي أُذُنَـيْهِ وَقْراً }فلـيس هكذا أهل الإسلام، قال: وناس يقولون: هي فـيكم، ولـيس كذلك، قال: وهو الـحديث البـاطل الذي كانوا يَـلْغَون فـيه.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: عنى به كلّ ما كان من الـحديث ملهياً عن سبـيـل الله، مـما نهى الله عن استـماعه أو رسولُه، لأن الله تعالـى عَمّ بقوله {لَهْوَ الـحَدِيثِ} ولـم يخصص بعضاً دون بعض، فذلك علـى عمومه، حتـى يأتـي ما يدلّ علـى خصوصه، والغناء والشرك من ذلك.

وقوله: {لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} يقول: لـيصدّ ذلك الذي يشتري من لهم الـحديث عن دين الله وطاعته، وما يقرّب إلـيه من قراءة قرآن، وذكر الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} قال: سبـيـل الله: قراءة القرآن، وذكر الله إذا ذكره، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنـية.

وقوله: {بغَيْرِ عِلْـمٍ} يقول: فعل ما فعل من اشترائه لهو الـحديث، جهلاً منه بـما له فـي العاقبة عند الله من وزر ذلك وإثمه. وقوله {وَيَتَّـخِذَها هُزُواً} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة: «وَيَتَّـخِذُها» رفعاً، عطفـاً به علـى قوله: {يَشْتَرِي} كأن معناه عندهم: ومن الناس من يشتري لهو الـحديث، ويتـخذ آيات الله هزواً. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: {وَيَتَّـخِذَها} نصبـاً عطفـاً علـى يضلّ، بـمعنى: لـيضلّ عن سبـيـل الله، ولـيتـخذَها هُزُواً.

والصواب من القول فـي ذلك: أنهما قراءتان معروفتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء، فمصيب الصواب فـي قراءته، والهاء والألف فـي قوله: {ويَتَّـخِذَها} من ذكر سبـيـل الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَيَتَّـخِذَها هُزُواً} قال: سبـيـل الله.

وقال آخرون: بل ذلك من ذِكر آيات الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: بِحَسْب الـمرء من الضلالة، أن يختار حديث البـاطل علـى حديث الـحقّ، وما يضرّ علـى ما ينفع.

{ويَتَّـخِذَها هُزُواً} يستهزىء بها ويكذّب بها. وهما من أن يكونا من ذكر سبـيـل الله أشبه عندي لقربهما منها، وإن كان القول الآخر غير بعيد من الصواب. واتـخاذه ذلك هُزُواً هو استهزاؤه به.

وقوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا أنهم يشترون لهو الـحديث لـيضلوا عن سبـيـل الله، لهم يوم القـيامة عذاب مُذِلّ مخزٍ فـي نار جهنـم.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىٓ أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: وإذا تُتلـى علـى هذا الذي اشترى لهو الـحديث للإضلال عن سبـيـل الله، آيات كتاب الله، فقرئت علـيه {ولَّـى مُسْتَكْبراً} يقول: أدبر عنها، واستكبر استكبـاراً، وأعرض عن سماع الـحقّ والإجابة عنه {كأَنْ لَـمْ يَسْمَعْها كأنَّ فِـي أُذُنَـيهِ وَقْراً} يقول: ثقلاً، فلا يطيق من أجله سماعه، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فِـي أُذُنَـيْهِ وَقْراً} قال: ثِقْلاً.

وقوله {فَبَشِّرْهُ بعَذَابٍ ألِـيـمٍ} يقول تعالـى ذكره: فبشر هذا الـمعرض عن آيات الله إذا تُلِـيت علـيه استكبـاراً بعذاب له من الله يوم القـيامة مُوجع، وذلك عذاب النار.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ۝٨ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بـالله فوحدوه، وصدّقوا رسوله واتبعوه {وعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ} يقول: فأطاعوا الله، فعملوا بـما أمرهم فـي كتابه وعلـى لسان رسوله، وانتهوا عما نهاهم عنه {لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيـمِ} يقول: لهؤلاء بساتـين النعيـم {خالدين فِـيها} يقول: ماكثـين فـيها إلـى غير نهاية {وَعْدَ اللّهِ حَقًّا} يقول: وعدهم الله وعداً حقاً، لا شكّ فـيه ولا خـلف له {وَهُوَ العَزِيزُ} يقول: وهو الشديد فـي انتقامه من أهل الشرك به، والصادّين عن سبـيـله، {الـحَكِيـمُ} فـي تدبـير خـلقه.

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: ومن حكمته أنه {خَـلَقَ السَّمَوَاتِ} السبع {بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها}. وقد ذكرت فـيـما مضى اختلاف أهل التأويـل فـي معنى قوله {بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها} وبـيَّنا الصواب من القول فـي ذلك عندنا. وقد:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها} قال: لعلها بعمد لا ترونها.

وقال: ثنا العلاء بن عبد الـجبـار، عن هماد بن سلـمة، عن حميد، عن الـحسن بن مسلـم، عن مـجاهد، قال: إنها بعمد لا ترونها.

قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لعلها بعمد لا ترونها.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد، عن سماك، عن عكرمة فـي هذا الـحرف {خَـلَقَ السَّمَوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها} قال: ترونها بغير عمد، وهي بَعمد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {خَـلَقَ السَّمَوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها} قال: قال الـحسن وقتادة: إنها بغير عمد ترونها، لـيس لها عمد.

وقال ابن عبـاس {بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} قال: لها عمد لا ترونها.

وقوله: {وألْقَـى فِـي الأرْضِ رَوَاسِيَ أنْ تَـمِيدَ بِكُمْ} يقول: وجعل علـى ظهر الأرض رواسي، وهي ثوابت الـجبـال {أن تـميد بكم} أن لا تـميد بكم. يقول: أن لا تضطرب بكم، ولا تتـحرّك يـمنة ولا يسرة، ولكن تستقرّ بكم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وألْقَـى فِـي الأرْضِ رَوَاسِي}: أي جبـالاً {أنْ تَـمِيدَ بِكُمْ} أثبتها بـالـجبـال، ولولا ذلك ما أقرّت علـيها خـلقاً، وذلك كما قال الراجز:

والـمُهْرُ يَأْبَى أنْ يَزَالَ مُلَهَّبـا

بـمعنى: لا يزال.

وقوله: {وَبَثَّ فِـيها مِنْ كُلّ دَابَّةٍ} يقول: وفرّق فـي الأرض من كلّ أنواع الدوابّ. وقـيـل الدوابّ اسم لكلّ ما أكل وشرب، وهو عندي لكلّ ما دبّ علـى الأرض. وقوله: {وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً، فأنْبَتْنا فِـيها مِنْ كُلّ زَوْجٍ كَرِيـمٍ} يقول تعالـى ذكره: وأنزلنا من السماء مطراً، فأنبتنا بذلك الـمطر فـي الأرض من كلّ زوج، يعنـي: من كل نوع من النبـات كريـم، وهو الـحسن النِّبتة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {مِنْ كُلّ زَوْجٍ كَرِيـمٍ}: أي حسن.

هَٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي أعددت علـيكم أيها الناس أنـي خـلقته فـي هذه الآية خـلق الله الذي له ألوهة كل شيء، وعبـادة كل خـلق، الذي لا تصلـح العبـادة لغيره، ولا تنبغي لشيء سواه، فأرونـي أيها الـمشركون فـي عبـادتكم إياه مَن دونه من الآلهة والأوثان، أيّ شيء خـلق الذين من دونه من آلهتكم وأصنامكم، حتـى استـحقت علـيكم العبـادة فعبدتـموها من دونه، كما استـحقّ ذلك علـيكم خالقكم، وخالق هذه الأشياء التـي عددتها علـيكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {هَذَا خَـلْقُ اللّهِ} ما ذكر من خـلق السموات والأرض، وما بثّ من الدوابّ، وما أنبت من كلّ زوج كريـم، فأرونـي ماذا خـلق الذين من دونه الأصنام الذين تدعون من دونه.

وقوله: {بَلِ الظَّالِـمُونَ فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} يقول تعالـى ذكره: ما عبد هؤلاء الـمشركون الأوثان والأصنام من أجل أنها تـخـلق شيئاً، ولكنهم دعاهم إلـى عبـادتها ضلالهم، وذهابهم عن سبـيـل الـحقّ، فهم فـي ضلال. يقول: فهم فـي جور عن الـحقّ، وذهاب عن الاستقامة {مبـين} يقول: يبـين لـمن تأمله، ونظر فـيه وفكَّر بعقل أنه ضلال لا هدى.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَٰنَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: ولقد آتـينا لقمان الفقه فـي الدين، والعقل، والإصابة فـي القول. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَلَقَدْ آتَـيْنا لُقْمان الـحِكْمَةَ} قال: الفقه والعقل والإصابة فـي القول من غير نُبوّة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَلَقَدْ آتَـيْنا لُقْمانَ الـحِكْمَةَ} أي الفقه فـي الإسلام. قال قَتادة: ولـم يكن نبـياً، ولـم يُوح إلـيه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا يونس، عن مـجاهد، فـي قوله {وَلَقَدْ آتَـيْنا لُقْمانَ الـحِكْمَةَ} قال: الـحكمة: الصواب. وقال غير أبـي بشر: الصواب فـي غير النبوّة.

حدثنا ابن الـمثنى، ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، أنه قال: كان لقمان رجلاً صالـحاً، ولـم يكن نبـياً.

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأَوْديّ وابن حميد، قالا: ثنا حَكّام، عن سعيد الزبـيديّ، عن مـجاهد، قال: كان لقمان الـحكيـم عبداً حبشياً، غلـيظ الشفتـين، مصفح القدمين، قاضياً علـى بنـي إسرائيـل.

حدثنـي عيسى بن عثمان بن عيسى الرملـيّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش، عن مـجاهد، قال: كان لقمان عبداً أسود، عظيـم الشفتـين، مُشقَّق القدمين.

حدثنـي عبـاس بن مـحمد، قال: ثنا خالد بن مخـلد، قال: ثنا سلـيـمان بن بلال، قال: ثنـي يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن الـمسيب يقول: كان لقمان الـحكيـم أسود من سودان مصر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان لقمان عبداً حبشياً.

حدثنا العبـاس بن الولـيد، قال: أخبرنا أبـي، قال: ثنا الأوزاعيّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن حَرْملة، قال: جاء أسود إلـى سعيد بن الـمسيب يسأل، فقال له سعيد: لا تـحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بِلال، ومهجِّع مولـى عمر بن الـخطاب، ولُقمان الـحكيـم، كان أسود نوبـياً ذا مشافر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي الأشهب، عن خالد الرَّبَعِيّ، قال: كان لقمان عبداً حبشياً نـجاراً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها. قال: أخرج أطيب مُضْغَتـين فـيها، فأخرج اللسان والقلب. ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها. فقال: أخرج أخبث مضغتـين فـيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تـخرج أطيب مضغتـين فـيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تـخرج أخبث مضغتـين فـيها فأخرجتهما فقال له لقمان: إنه لـيس من شيء أطيب منهما إذا طابـا، ولا أخبث منهما إذا خَبثا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم، قال: ثنا عمرو بن قـيس، قال: كان لقمان عبداً أسود، غلـيظ الشفتـين، مصفح القدمين، فأتاه رجل، وهو فـي مـجلس أناس يحدّثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنـم فـي مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الـحديث، والصمت عما لا يعنـينـي.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد {وَلَقَدْ آتَـيْنا لُقْمانَ الـحِكْمَةَ} قال: القرآن.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الـحكمة: الأمانة.

وقال آخرون: كان نبـياً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبـيا.

وقوله: {أنِ اشْكُرْ لِلّهِ}: يقول تعالـى ذكره: ولقد آتـينا لقمان الـحكمة، أن احمد الله علـى ما آتاك من فضله وجعل قوله {أنِ اشْكُرْ} ترجمة عن الـحكمة، لأن من الـحكمة التـي كان أوتـيها، كان شكره الله علـى ما آتاه. وقوله: {وَمَنْ يَشْكُرْ فإنَّـمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} يقول: ومن يشكر الله علـى نعمه عنده فإنـما يشكر لنفسه، لأن الله يُجزل له علـى شكره إياه الثواب، وينقذه به من الهلكة. {وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللّهَ غَنِـيٌّ حَمِيدٌ} يقول: ومن كفر نعمة الله علـيه، إلـى نفسه أساء، لأن الله معاقبُه علـى كفرانه إياه، والله غنـيّ عن شكره إياه علـى نعمه، لا حاجة به إلـيه، لأن شكره إياه لا يزيد فـي سلطانه، ولا ينقص كفرانه إياه مِن ملكه. ويعنـي بقوله {حَمِيدٌ} مـحمود علـى كلّ حال، له الـحمد علـى نعمه، كفر العبد نعمته أو شكره علـيها وهو مصروف من مفعول إلـى فَعِيـل.

وَإِذْ قَالَ لُقْمَٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد {إذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَـيَّ لا تُشْرِكْ بـاللّهِ، إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْـمٌ عَظِيـمٌ} يقول: لـخطأ من القول عظيـم.

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: وأمرنا الإنسان ببرّ والديه {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلـى وَهْنٍ} يقول: ضعفـاً علـى ضعف، وشدّة علـى شدّة ومنه قول زهير:

فَلَنْ يَقُولُوا بِحَبْلٍ وَاهِنٍ خَـلَقٍلَوْ كانَ قَوْمُكَ فِـي أسْبـابِه هَلَكُوا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل، غير أنهم اختلفوا فـي الـمعنـيّ بذلك، فقال بعضهم: عنى به الـحمل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلـى وَهْنٍ} يقول: شدّة بعد شدّة، وخـلقاً بعد خـلق.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وَهْناً عَلـى وَهْنٍ} يقول: ضعفـاً علـى ضعف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلـى وَهْنٍ} أي جهداً علـى جهد.

وقال آخرون: بل عنى به: وهن الولد وضعفه علـى ضعف الأمّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَهْناً عَلـى وَهْنٍ} قال: وهن الولد علـى وهن الوالدة وضعفها.

وقوله: {وَفِصَالُهُ فِـي عامَيْنِ} يقول: وفطامه فـي انقضاء عامين. وقـيـل: {وَفِصَالُهُ فِـي عامَيْنِ} وترك ذكر «انقضاء» اكتفـاء بدلالة الكلام علـيه، كما قـيـل: وَاسأَلِ القَرْيَةَ التـي كُنَّا فِـيهَا يراد به أهل القرية.

وقوله: {أنِ اشْكُرْ لـي وَلِوَالِدَيْكَ} يقول: وعهدنا إلـيه أن اشكر لـي علـى نعمي علـيك، ولوالديك تربـيتهما إياك، وعلاجهما فـيك ما عالـجا من الـمشقة حتـى استـحكم قواك. وقوله: {إلـيَّ الـمَصِيرُ} يقول: إلـى الله مصيرك أيها الإنسان، وهو سائلك عما كان من شكرك له علـى نعمه علـيك، وعما كان من شكرك لوالديك، وبرّك بهما علـى ما لقـيا منك من العناء والـمشقة فـي حال طفولـيتك وصبـاك، وما اصطنعا إلـيك فـي برّهما بك، وتـحننهما علـيك.

وذُكر أن هذه الآية نزلت فـي شأن سعد بن أبـي وقاص وأمه. ذكر الرواية الواردة فـي ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: حلفت أمّ سعد أن لا تأكل ولا تشرب، حتـى يتـحوّل سعد عن دينه. قال: فأبى علـيها. فلـم تزل كذلك حتـى غشي علـيها. قال: فأتاها بنوها فسقوها. قال: فلـما أفـاقت دعت الله علـيه، فنزلت هذه الآية: {وَوَصيْنا الإنْسانَ بِوَالِدَيْهِ...} إلـى قوله:

{ فِـي الدُّنْـيا مَعْرُوفـاً }

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبـيه، قال: قالت أمّ سعد لسعد: ألـيس الله قد أمر بـالبرّ، فوالله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شرابـاً حتـى أموت أو تكفر قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فـاها بعصا، ثم أوجروها، فنزلت هذه الآية: {وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوَالِدَيْهِ}.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن سماك بن حرب، قال: قال سعد بن مالك: نزلت فـيّ:

{ وَإنْ جاهَدَاكَ عَلـى أنْ تُشْرِكَ بِـي ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ فَلا تُطِعْهُما، وَصَاحِبْهُما فِـي الدُّنْـيا مَعْرُوفـاً }قال: لـما أسلـمت، حلفت أمي لا تأكل طعاماً ولا تشرب شرابـاً، قال: فناشدتها أوّل يوم، فأبت وصبرت فلـما كان الـيوم الثانـي ناشدتها، فأبت فلـما كان الـيوم الثالث ناشدتها فأبت، فقلت: والله لو كانت لك مئة نفس لـخرجت قبل أن أدع دينـي هذا فلـما رأت ذلك، وعرفت أنـي لست فـاعلاً أكلت.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت أبـا هبـيرة يقول: قال: نزلت هذه الآية فـي سعد بن أبـي وقاص

{ وَإنْ جاهَداكَ عَلـى أنْ تُشْرِكَ بِـي ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ فَلا تُطِعْهُمَا... }الآية.

وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: وإن جاهدك أيها الإنسان والداك علـى أن تشرك بـي فـي عبـادتك إياي معي غيري مـما لا تعلـم أنه لـي شريك، ولا شريك له تعالـى ذكره علوّاً كبـيراً، فلا تطعهما فـيـما أراداك علـيه من الشرك بـي، {وَصَاحِبْهُما فِـي الدُّنْـيا مَعْرُوفـاً} يقول: وصاحبهما فـي الدنـيا بـالطاعة لهما فـيـما لا تبعة علـيك فـيه فـيـما بـينك وبـين ربك ولا إثم. وقوله: {وَاتَّبِعْ سَبِـيـلَ مَنْ أنابَ إلـيَّ} يقول: واسلك طريق من تاب من شركه، ورجع إلـى الإسلام، واتبع مـحمداً صلى الله عليه وسلم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَاتَّبِعْ سَبِـيـلَ مَنْ أنابَ إلـيَّ}: أي من أقبل إلـيّ.

وقوله: {إلـيَّ مَرْجِعُكُمْ فأُنَبِّئُكُمْ بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} فإن إلـيّ مصيركم ومعادكم بعد مـماتكم فأخبركم بجميع ما كنتـم فـي الدنـيا تعملون من خير وشرّ، ثم أجازيكم علـى أعمالكم، الـمـحسن منكم بإحسانه، والـمسيء بإساءته.

فإن قال لنا قائل: ما وجه اعتراض هذا الكلام بـين الـخبر عن وصيتـي لقمان ابنه؟ قـيـل ذلك أيضاً، وإن كان خبراً من الله تعالـى ذكره عن وصيته عبـاده به، وأنه إنـما أوصى به لقمان ابنه، فكان معنى الكلام:

{ وَإذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: يا بُنَـيَّ لا تُشْرِكْ بـاللّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْـمٌ عَظِيـمٌ }ولا تطع فـي الشرك به والديك {وَصَاحِبْهُما فِـي الدُّنْـيا مَعْرُوفـاً} فإن الله وصّى بهما، فـاستؤنف الكلام علـى وجه الـخبر من الله، وفـيه هذا الـمعنى، فذلك وجه اعتراض ذلك بـين الـخبرين عن وصيته.

يَٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ۝١٦

اختلف أهل العربـية فـي معنى الهاء والألف اللتـين فـي قوله {إنَّها} فقال بعض نـحويـي البصرة: ذلك كناية عن الـمعصية والـخطيئة. ومعنى الكلام عنده: يا بنـيّ إن الـمعصية إن تك مثقال حبة من خردل، أو إن الـخطيئة. وقال بعض نـحويـي الكوفة: وهذه الهاء عماد. وقال: أنَّث تك، لأنه يراد بها الـحبة، فذهب بـالتأنـيث إلـيها، كما قال الشاعر:

وَتَشْرَقُ بـالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ كمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ

وقال صاحب هذه الـمقالة: يجوز نصب الـمثقال ورفعه قال: فمن رفع رفعه بتك، واحتـملت الننكرة أن لا يكون لها فعل فـي كان ولـيس وأخواتها، ومن نصب جعل فـي تكن اسماً مضمراً مـجهولاً مثل الهاء التـي فـي قوله {إنَّها إنْ تَكُ} قال: ومثله قوله: { فإنَّها لا تَعْمَى الأَبْصَارُ }قال: ولو كان إن يك مثقال حبة كان صوابـاً، وجاز فـيه الوجهان. وأما صاحب الـمقالة الأولـى، فإن نصب مثقال فـي قوله، علـى أنه خبر، وتـمام كان، وقال: رفع بعضهم فجعلها كان التـي لا تـحتاج إلـى خبر.

وأولـى القولـين بـالصواب عندي، القول الثانـي: لأن الله تعالـى ذكره لـم يعد عبـاده أن يوفـيهم جزاء سيئاتهم دون جزاء حسناتهم، فـيقال: إن الـمعصية إن تك مثقال حبة من خردل يأت الله بها، بل وعد كلا العاملـين أن يوفـيه جزاء أعمالهما. فإذا كان ذلك كذلك، كانت الهاء فـي قوله {إنَّها} بأن تكون عماداً أشبه منها بأن تكون كناية عن الـخطيئة والـمعصية. وأما النصب فـي الـمثقال، فعلـى أن فـي «تك» مـجهولاً، والرفع فـيه علـى أن الـخبر مضمر، كأنه قـيـل: إن تك فـي موضع مثقال حبة، لأن النكرات تضمر أخبـارها، ثم يترجم عن الـمكان الذي فـيه مثقال الـحبة.

وعنى بقوله: {مِثْقالَ حَبَّةٍ}: زنة حبة. فتأويـل الكلام إذن: إن الأمر إن تك زنة حبة من خردل من خير أو شرّ عملته، فتكن فـي صخرة، أو فـي السموات، أو فـي الأرض، يأت بها الله يوم القـيامة، حتـى يوفـيك جزاءه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {يا بُنَـيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} من خير أو شرّ.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله {فَتَكُنْ فِـي صَخْرَةٍ} فقال بعضهم: عنى بها الصخرة التـي علـيها الأرض وذلك قول رُوي عن ابن عبـاس وغيره، وقالوا: هي صخرة خضراء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن عبد الله بن الـحارث، قال: الصخرة خضراء علـى ظهر حوت.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي خبر ذكره عن أبـي مالك عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرّة، عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: خـلق الله الأرض علـى حوت، والـحوت هو النون الذي ذكر الله فـي القرآن نَ والقلـم وما يسطرون والـحوت فـي الـماء، والـماء علـى ظهر صفـاة، والصفـاة علـى ظهر ملك، والـملك علـى صخرة، والصخرة فـي الريح، وهي الصخرة التـي ذكر لقمان لـيست فـي السماء، ولا فـي الأرض.

وقال آخرون: عنى بها الـجبـال، قالوا: ومعنى الكلام: فتكن فـي جبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله: {فَتَكُنْ فِـي صَخْرَةٍ}: أي جبل.

وقوله: {يَأْتِ بِها اللّهُ} كان بعضهم يوجه معناه إلـى يعلـمه الله، ولا أعرف يأتـي به، بـمعنى يعلـمه، إلاَّ أن يكون قائل ذلك أراد أن لقمان، إنـما وصف الله بذلك، لأن الله يعلـم أماكنه، لا يخفـى علـيه مكان شيء منه فـيكون وجهاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى، قالا: ثنا أبو سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك {فَتَكُنْ فِـي صَخْرَةٍ أوْ فِـي السَّمَوَاتِ، أوْ فِـي الأرْضِ يَأْتِ بِها اللّهُ} قال: يعلـمها الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك، مثله.

وقوله: {إنَّ اللّهَ لَطيفٌ خَبِـيرٌ} يقول: إن الله لطيف بـاستـخراج الـحبة من موضعها حيث كانت خبـير بـموضعها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {إنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِـيرٌ}: أي لطيف بـاستـخراجها خبـير بـمستقرّها.

يَٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل لقمان لابنه {يا بُنَـيَّ أقِمِ الصَّلاةَ} بحدودها {وأمُرْ بـالـمَعْرُوفِ} يقول: وأمر الناس بطاعة الله، واتبـاع أمره {وَانْهَ عَنِ الـمُنْكَرِ} يقول: وانه الناس عن معاصي الله ومواقعة مـحارمه {وَاصْبِرْ عَلـى ما أصَابَكَ} يقول: واصبر علـى ما أصابك من الناس فـي ذات الله إذا أنت أمرتهم بـالـمعروف، ونهيتهم عن الـمنكر، ولا يصدّنك عن ذلك ما نالك منهم {إنَّ ذلكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ} يقول: إن ذلك مـما أمر الله به من الأمور عزماً منه. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله: {يا بُنَـي أقِمِ الصلاةَ وأْمرْ بـالـمَعْروفِ وَانْهَ عَنِ الـمُنْكَرِ وَاصْبِرْ علـى ما أصَابَكَ} قال: اصبر علـى ما أصابك من الأذى فـي ذلك {إنَّ ذَلكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} قال: إن ذلك مـما عزم الله علـيه من الأمور، يقول: مـما أمر الله به من الأمور.

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ۝١٨

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَلا تُصَعِّرْ} فقرأه بعض قراء الكوفة والـمدنـيـين والكوفـيـين: {ولا تصعر} علـى مثال تفعل. وقرأ ذلك بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الـمدينة والكوفة والبصرة: «وَلا تُصَاعِرْ» علـى مثال تفـاعل.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وتأويـل الكلام: ولا تعرض بوجهك عمن كلـمته تكبراً واستـحقاراً لـمن تكلـمه وأصل الصعر داء يأخذ الإبل فـي أعناقها أو رؤوسها حتـى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فـيشبه به الرجل الـمتكبر علـى الناس، ومنه قول عمرو بن حُنَـيَ الثَّعلبِـيّ:

وكُنَّا إذَا الـجَبَّـارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِنْ مَيْـلِهِ فَتَقَوَّما

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاس} يقول: ولا تتكبر فتـحقر عبـاد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلـموك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ} يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس تكبراً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلا تُصَعِّرْ} قال: الصدود والإعراض بـالوجه عن الناس.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبـي الزرقاء، عن جعفر بن برقان، عن يزيد فـي هذه الآية {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ} قال: إذا كلـمك الإنسان لويت وجهك، وأعرضت عنه مـحقرة له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن حيان الرقـي، عن جعفر بن ميـمون بن مهران، قال: هو الرجل يكلـم الرجل فـيـلوي وجهه.

حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا مـحمد بن ربـيعة، قال: ثنا أبو مكين، عن عكرمة، فـي قوله {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ} قال: لا تُعْرض بوجهك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاس} يقول: لا تعرض عن الناس، يقول: أقبل علـى الناس بوجهك وحسن خـلقك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ} قال: تصعير الـخدّ: التـجبر والتكبر علـى الناس ومـحقرتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي مكين، عن عكرمة، قال: الإعراض.

وقال آخرون: إنـما نهاه عن ذلك أن يفعله لـمن بـينه وبـينه صعر، لا علـى وجه التكبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ} قال: الرجل يكون بـينه وبـين أخيه الـحنة، فـيراه فـيعرض عنه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاس} قال: هو الرجل بـينه وبـين أخيه حنة فـيعرض عنه.

وقال آخرون: هو التشديق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن جعفر الرازي، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: هو التشديق.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الـمغيرة، عن إبراهيـم، قال: هو التشديق أو التشدّق «الطبري يشكّ».

حدثنا يحيى بن طلـحة، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيـم بـمثله.

وقوله {وَلا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ مَرَحاً} يقول: ولا تـمش فـي الأرض مختالاً. كما:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك، يقول فِـي قوله {وَلا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ مَرَحاً} يقول: بـالـخيلاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ولا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ مَرَحا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ} قال: نهاه عن التكبر.

قوله {إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ} متكبر ذي فخر. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ} قال: متكبر. وقوله: فخور: قال: يعدّد ما أعطى الله، وهو لا يشكر الله.

وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ۝١٩

يقول: وتواضع فـي مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر، ولا تستعجل، ولكن اتئد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل، غير أن منهم من قال: أمره بـالتواضع فـي مشيه، ومنهم من قال: أمره بترك السرعة فـيه. ذكر من قال: أمره بـالتواضع فـي مشيه:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن جابر، عن مـجاهد {وَاقْصِدْ فِـي مَشْيِكَ} قال: التواضع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَاقْصِدْ فِـي مَشْيِكَ} قال: نهاه عن الـخيلاء. ذكر من قال: نهاه عن السرعة:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن عبد الله بن عقبة، عن يزيد بن أبـي حبـيب، فـي قوله: {وَاقْصِدْ فِـي مَشْيِكَ} قال: من السرعة.

قوله: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} يقول: واخفض من صوتك، فـاجعله قصداً إذا تكلـمت، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} قال: أمره بـالاقتصاد فـي صوته.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} قال: أخفض من صوتك.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {إنَّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الـحَمِيرِ} فقال بعضهم: معناه: إن أقبح الأصوات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة وأبـان بن تغلب، قالا: ثنا أبو معاوية عن جُوَيبر، عن الضحاك {إنَّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ} قال: إن أقبح الأصوات {لَصَوْتُ الـحَمِيرِ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الـحَمِيرِ} أي أقبح الأصوات لصوت الـحمير، أوّله زفـير، وآخره شهيق أمره بـالاقتصاد فـي صوته.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، قال: سمعت الأعمش يقول: {إنَّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ} صوت الـحمير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن أشرّ الأصوات. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن يحيى بن واضح، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرمة والـحكم بن عُتـيبة {إنَّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ} قال: أشرّ الأصوات.

قال جابر: وقال الـحسن بن مسلـم: أشدّ الأصوات.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {إنَّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الـحَمِيرِ} قال: لو كان رفع الصوت هو خيراً ما جعله للـحمير.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: إن أقبح أو أشرّ الأصوات، وذلك نظير قولهم، إذا رأوا وجهاً قبـيحاً، أو منظراً شنـيعاً: ما أنكر وجه فلان، وما أنكر منظره.

وأما قوله: {لَصَوْتُ الـحَمِيرِ} فأضيف الصوت وهو واحد إلـى الـحمير وهي جماعة، فإن ذلك لوجهين إن شئت، قلت: الصوت بـمعنى الـجمع، كما قـيـل

{ لَذَهَبَ بسَمْعهمْ }وإن شئت قلت: معنى الـحمير: معنى الواحد، لأن الواحد فـي مثل هذا الـموضع يؤدّي عما يؤدّي عنه الـجمع.
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ