نص الآية 2:180
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ١٨٠
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ١٨٠
الآية 180 من سورة البقرة (2:180)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 2، في الصفحة 27 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 69 قارئًا.
75 تلاوة بأصوات 69 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
فُرِضَ عليكم إذا حضر أحدَكم علاماتُ الموت وأسبابُه، إن ترك مالًا كثيرًا أن يوصي للوالدين ولذوي القرابة بما حَدَّه الشرع وهو ألا يزيد عن ثلث المال، وفِعْلُ هذا حقٌّ مؤكد على المتقين لله تعالى. وقد كان هذا الحكم قبل نزول آيات المواريث، فلما نزلت آيات المواريث بيَّنت مَن يرث الميت ومقدار ما يرث.
فرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته -إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل; فلا يدع الفقير ويوصي للغني، ولا يتجاوز الثلث، وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله. وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث.
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجباً على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتماً من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: {إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ … تابع القراءة
يعنـي بقوله تعالـى ذكره: {كتب علـيكم}: فرض علـيكم أيها الـمؤمنون الوصية إذا حضر أحدكم الـموت{ إنْ تَرَكَ خَيْراً} والـخير: الـمال،{ للْوَالِدَيْن وَالأقْرَبـينَ } الذين لا يرثونه،{ بـالـمَعْرُوفِ} وهو ما أذن الله فـيه وأجازه فـي الوصية مـما لـم يجاوز الثلث، ولـم يتعمد الـموصي ظلـم ورثته،{ حَقّاً علـى الـمُتّقـين}، يعنـي بذلك: فرض علـيكم هذا وأوجبه، وجعله حقّاً واجبـاً علـى من اتقـى الله فأطاعه أن يعمل به. فإن قال قائل: أَوَ فرض علـى الرجل ذي الـمال أن يوصي لوالديه وأقربـيه الذين لا يرثونه؟ قـيـل: نعم. فإن قال: فإن هو فرّط فـي ذلك فلـم يوص لهم أيكون مضيعاً فرضاً يحرج بتضيـيعه؟ قـيـل: نعم. فإن … تابع القراءة
فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} هذه آية الوصية، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، وفي «النساء»: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } [النساء: 11] وفي «المائدة»: { حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ }[المائدة: 106]. والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث؛ على ما يأتي بيانه. وفي الكلام تقدير واو العطف؛ أي وكتب عليكم، فلِما طال الكلام أسقطت الواو. ومثله في بعض الأقوال: { لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ }[الليل:15] أي والذي؛ فحذف. وقيل: لمّا ذكر أن لوَليِّ الدم أن يقتصّ؛ فهذا الذي أشرف على أن يقتصّ منه وهو سبب الموت فكأنما حضره … تابع القراءة
أي: فرض الله عليكم، يا معشر المؤمنين { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أي: أسبابه، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك، وكان قد { تَرَكَ خَيْرًا } [أي: مالا] وهو المال الكثير عرفا، فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف، على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد، دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا أتى فيه بأفعل التفضيل. وقوله: { حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } دل على وجوب ذلك، لأن الحق هو: الثابت، وقد جعله الله من موجبات التقوى. واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل … تابع القراءة
{كتب} فرض {عليكم إذا حضر أحدكم الموت} أي أسبابه {إن ترك خيرا} مالا {الوصية} مرفوع بكتب ومتعلق بإذا إن كانت ظرفية ودال على جوابها إن كانت شرطية وجواب إن أي فليوص {للوالدين والأقربين بالمعروف} بالعدل بأن لا يزيد على الثلث ولا يفضل الغني {حقا} مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله {على المتقين} الله وهذا منسوخ بآية الميراث وبحديث : ( لا وصية لوارث رواه الترمذي).
قوله تعالىٰ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ } أي فرض عليكم {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي جاء أسباب الموت وآثاره من العلل والأمراض {إِن تَرَكَ خَيْرًا} أي مالاً نظيره قوله تعالىٰ { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ }[البقرة: 272] {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} كانت الوصية فريضة في ابتداء الإِسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ثم نسخت بآية الميراث. أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد أخبرنا الهيثم بن جميل أخبرنا حماد بن سلمة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد … تابع القراءة
استئناف ابتدائي لبيان حكم المال بعد موت صاحبه، فإنه لم يسبق له تشريع ولم يفتتح بــــ {يا أيها الذين آمنوا} لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام فلم يكن شرعها إحداث شيء غير معروف، لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه لتلقي الحكم، ومناسبة ذكره أنه تغيير لما كانوا عليه في أول الإسلام من بقايا عوائد الجاهلية في أموال الأموات فإنهم كانوا كثيراً ما يمنعون القريب من الإرث بتوهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض، ولما كان هذا مما يفضي بهم إلى الإحن وبها تختل الحالة الاجتماعية بإلقاء العداوة بين الأقارب كما قال طَرَفة: وظُلْم ذوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةًعلى المَرْءِ من وَقْع … تابع القراءة
قوله تعالى: {كتب عليكم إِذا حضر أحدَكم الموتُ} قال الزجاج: المعنى: وكتب عليكم، إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف بالواو. وعلم أن معناه معنى الواو، وليس المراد: كتب عليكم أن يوصي أحدكم عند الموت، لأنه في شغل حينئذ، وإنما المعنى: كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول الرجل: إذا أنا متُّ، فلفلان كذا. فأما الخير هاهنا؛ فهو المال في قول الجماعة. وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال. أحدها: أنه ألف درهم فصاعداً، روي عن علي، وقتادة. والثاني: أنه سبعمائة درهم فما فوقها، رواه طاووس عن ابن عباس. والثالث: ستون ديناراً فما فوقها، رواه عكرمة عن ابن عباس. والرابع: أنه المال … تابع القراءة
فوائد الآيات من 177 إلى 181 من سورة البقرة (الصفحة 27 من المصحف).
السراج في بيان غريب القرآن
ان ترك خيرا اى مالا
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ في الكلام تقدير واو العطف المعنى وكتب عليكم، ومثله في بعض الأقوال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:
١٥، ١٦] أي ولا يصلاها. أَحَدَكُمُ مفعول والْمَوْتُ فاعل. إِنْ تَرَكَ خَيْراً شرط، وفي جوابه قولان: قال الأخفش سعيد: التقدير فالوصيّة ثم حذف الفاء كما قال: [البسيط]
٣٤-من يفعل الحسنات الله يشكرهاوالشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان
والجواب الآخر أنّ الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا فإن حذفت الفاء فالوصية رفع بالابتداء وإن لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها أيضا بالابتداء وأن ترفعها على أنها اسم ما لم يسمّ فاعله أي كتب عليكم الوصية. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في الآية أقوالا منها أن تكون منسوخة بالفرض ومنها أن تكون على الندب على الوصية. قال أبو جعفر: والقول أنه لا يجوز أن يكون شيء من هذا على الندب إلّا بدليل وقد قيل: أنها منسوخة بالحديث «لا وصية لوارث». حَقًّا مصدر، ويجوز في غير القرآن «حقّ» بمعنى ذلك حق.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ) : الْعَامِلُ فِي إِذَا كُتِبَ وَالْمُرَادُ بِحُضُورِ الْمَوْتِ حُضُورُ أَسْبَابِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي فُرِضَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكُتُبِ حَقِيقَةَ الْخَطِّ فِي اللَّوْحِ بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى» وَنَحْوِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي إِذَا مَعْنَى الْإِصَاءِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْوَصِيَّةُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ لَفْظُ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَعْمُولُهُ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى التَّبْيِينُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) : فَجَوَابُهُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ «الْوَصِيَّةُ» وَتُحْذَفُ الْفَاءُ ; أَيْ فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ.
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانِ.
فَالْوَصِيَّةُ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ وَ «وَلِلْوَالِدَيْنِ» خَبَرُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي الْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى كَتْبِ الْوَصِيَّةِ ; كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّرْطِ مَعْنَى الْإِيصَاءِ لَا مَعْنَى الْكَتْبِ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ رَفَعَ الْوَصِيَّةَ بِكُتِبَ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَقِيلَ الْمَرْفُوعُ بِكُتِبَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ، وَهُوَ عَلَيْكُمْ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
(بِالْمَعْرُوفِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالْمَعْرُوفِ لَا جَوْرَ فِيهَا.
(حَقًّا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ كَتْبًا حَقًّا، أَوْ إِيصَاءً حَقًّا.
وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ الرَّفْعُ بِمَعْنَى ; ذَلِكَ حَقٌّ.
وَ (عَلَى الْمُتَّقِينَ) : صِفَةٌ لِحَقٍّ.
وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُؤَكِّدَ لَا يَعْمَلُ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الْمَصْدَرُ الْمُنْتَصِبُ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ إِذَا نَابَ عَنْهُ ; كَقَوْلِكَ: ضَرْبًا زَيْدًا أَيِ اضْرِبْ.
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾
قوله تعالى: ﴿الوَصِيَّةُ للوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِين﴾:
الأشهرُ في هذه الآية أنها منسوخةٌ. واختُلِفَ في الناسخ لها ما هو؟فَمَن أجاز أن تنسخ السُّنةُ المتواترةُ القرآنَ قال: نسخ فرضَ الوصية للوالدين ما تواتر نقلُه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصيَّةَ لوارث". - وقد حكاه أبو الفرج عن مالك كذلك -. ونسخت آية المواريث فرضَ الوصية للأقربين.
ومن منع نسخ القرآن بالسُّنة قال:
نُسِختْ الوصِيَّةُ للوالِدَيْن بقوله: ﴿ولأَبويْهِ لِكُلِّ واحد منهما السدس﴾ [النساء: ١١] - وكذلك قال مالك في الموطأ - ونُسخت الوصيَّةُ للأقربين بالمواريث.
ولا حُجَّةَ لمن قال هذا على من قال له: ولمَ (لا) تثبت الوصية والفرض لهما؟ - لأنَّه مُطْلَقٌ في الموضعين (لم يقل: لا شيء) لوالديه إلا السُّدسان فيكون ناسخاً للوصية. إنما قال: لهما السدسان فرضاً، وقال: لهما الوصية -.
(فلا) بُدَّ من استعمال قولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصيَّة لوارث".
وقد يحتجُّ مَن قال: نَسختْ آيةُ المواريث الوصيَّةَ بأن المواريث قد حد فيها قدراً معروفاً، والوصيَّةُ لم يحُد فيها قدراً معروفاً، فكان المحدود أولى من غير المحدود، وله من الحجَّةِ غيرُ ذلك.
وقد روى ابنُ وهبٍ وابنُ القاسم عن مالك أنه قال: نزلَت هذه الآيةُ قبل الفرائض، ثم أنزل اللهُ فرائضَ المواريث، فنسخَت المواريث الوصية للوالدين ولكل وارث، إلا أن يأذنَ الورثةُ - وكذلك قال ابنُ شهاب والحسن وعطاء وزيد بن أسلم -.
وقيل: الأحسنُ: أن يكونَ نسخَ الوصيةَ للوالدين قولُهُ: "لا وصيةَ لوارث". لأن الله لما ذكر فرض الوالديْن، قال بعدَه: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقد كان يجوز أن يُثْبِتَ لهما الفرضَ المذكورَ مِن بعد ما يوصي لهما به بنصِّ القرآن، فَنَسْخُ الوصية للوالدين بآية المواريث فيه إشكال لاتِّصال قوله:﴿مِن بعدِ وصيَّةٍ يوصي بها أو ديْن﴾ بفرضِ الوالديْن. فالنَّسخُ بالسنّة أولى به إِذْ لا إشكالَ في ذلك.
- على أنه قد أجمعَ (المفسرون) أنّ قولَه: ﴿الوصيّةُ للوَالِدَيْن﴾نزل قبل نزولِ آيةِ المواريثِ، ففي هذا قُوَّةٌ لِنسخِ الوصيَّة للوالديْن بآية المواريث -.
وكذلك الكلام في نسخ الوصيَّة للزّوجات، في قوله: ﴿وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ لأن بعدَ فرضِهِنّ: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فنسخ ذلك بالسُّنة(أولى) وأحسنُ عند قوم لما ذكرنا أولاً فافهمه.
وقد قيل: بل نَسخَ الوصيَّة للأقربين التخصيصُ في قوله: ﴿وإذا حضر القسمة أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى﴾ [النساء: ٨] - الآية -.
فحضّ الله على أن يعطوا إذا حضروا، ولو لم يُفْرَض لهم ذلك، بدَلالة الإِجماع على أن اليتامى والمساكين المذكورين مع أُولي القربى إذا حضروا القسمةَ (لا فرضَ) لهم يُعطَوْنَه، وقد عُطفوا على الأقربين، فالحكم فيهم واحد لا فرض لجميعِهم. ولكنَّه نَدْبٌ نَسخَ ما كان فرضاً من الوصية لِلأَقربين. وبيَّنَت السُّنَّة أَنَّا غير مُخيَّرين في الوصيَّةِ للوالدين المنسوخة وتركِها؛ إذ قال - صلى الله عليه وسلم - "لا وصيَّة لوارثٍ".
وبقي التَّخييرُ لنا في الوصيَّةِ للأقربين غير الوارثين المنسوخة، إن شئنا فَعَلْنا ذلك، وإن شئنا لم نفعلْه، وفعلُه أفضلُ كصوم عاشوراء - وهذا قول مالك وأصحابه وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وابن زيد، وهو قول ابن عمر والسُّدِّي -.
وقال قتادةُ والحسن (في هذه) الآية: نُسِخَ منها الوصية للوالدين بآية المواريث، وبقي فرض الوصية للأقربين ممّن لا يرث، وهو اختيار الطبري.
وقد قال الضحاك: من مات ولم يوصِ لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية.
وقال الحسن: إذا أوصى الرَّجلُ لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث، والباقي من الثلث لقرابتهِ - وقاله طاووس -.
وقال الشعبي والنخعي: (الوصيَّةُ للوالدين والأقربين في الآية على الندب) لا على الفرض. فمنعت السنةُ (من جواز الوصية للوالدين وبقيت الوصية للأقربين على الندب).
تشترك مع هذه الآية في عبارة واحدة أو أكثر، فيحسن التفريق بينها عند الحفظ.
وَلِلْمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ