نص الآية 18:53
وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًا ٥٣
وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًا ٥٣
الآية 53 من سورة الكهف (18:53)، وهي سورة مكية، تقع في الجزء 15، في الصفحة 299 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 73 قارئًا.
79 تلاوة بأصوات 73 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
وعاين المشركون النار، فأيقنوا تمام اليقين أنهم واقعون فيها، ولم يجدوا عنها مكانًا ينصرفون إليه.
وشاهد المجرمون النار، فأيقنوا أنهم واقعون فيها لا محالة، ولم يجدوا عنها معدلا للانصراف عنها إلى غيرها.
يقول تعالى مخبراً عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعاً لهم وتوبيخاً: {نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذوكم مما أنتم فيه كما قال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }[الأنعام: 94] وقوله: {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} كما قال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ … تابع القراءة
يقول عزّ ذكره {وَيَوْمَ يَقُولُ} الله عزّ ذكره للـمشركين به الآلهة والأنداد {نادُوا شُرَكائيَ الَذِينَ زَعَمْتُـمْ} يقول لهم: ادعوا الذين كنتـم تزعمون أنهم شركائي فـي العبـادة لـينصروكم ويـمنعوكم منـي {فَدَعَوهُمْ فَلَـمْ يَسْتَـجِيبُوا لَهُمْ} يقول: فـاستغاثوا بهم فلـم يغيثوهم {وجَعَلْنا بَـيْنَهُمْ مَوْبِقاً}. فـاختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وجعلنا بـين هؤلاء الـمشركين وما كانوا يدعون من دون الله شركاء فـي الدنـيا يومئذٍ عداوة. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، عن عوف، عن الـحسن، فـي قول الله: {وَجَعَلْنا بَـيْنَهُمْ مَوْبِقاً} … تابع القراءة
قوله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} قيل: الضمير عائد على إبليس وذريته؛ أي لم أشاورهم في خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقتهم على ما أردت. وقيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض «ولا خلق أنفسهم» أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني؟. وقيل: الكناية في قوله: «مَا أَشْهَدْتُهُمْ» ترجع إلى المشركين، وإلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجّمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يتخوّض في هذه الأشياء. وقال ابن عطية: وسمعت أبي رضي الله عنه يقول: سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ … تابع القراءة
أي: لما كان يوم القيامة وحصل من الحساب ما حصل، وتميز كل فريق من الخلق بأعمالهم، وحقت كلمة العذاب على المجرمين، فرأوا جهنم قبل دخولها، فانزعجوا واشتد قلقهم لظنهم أنهم مواقعوها، وهذا الظن قال المفسرون: إنه بمعنى اليقين، فأيقنوا أنهم داخلوها { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } أي: معدلا يعدلون إليه، ولا شافع لهم من دون إذنه، وفي هذا من التخويف والترهيب، ما ترعد له الأفئدة والقلوب.
{ ورأى المجرمون النار فظنوا } أي أيقنوا { أنهم مواقعوها } أي واقعون فيها { ولم يجدوا عنها مَصرفا } معدلاً .
قوله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ يَقُولُ} قرأ حمزة بالنون والآخرون بالياء، أي: يقول الله لهم يوم القيامة: {نَادُواْ شُرَكَآئِىَ}، يعني الأوثان {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ}، أنهم شركائي، {فَدَعَوْهُمْ}، فاستغاثوا بهم، {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ}، أي: لم يجيبوهم ولم ينصروهم، {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم}، يعني بين الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل الهدى وأهل الضلالة، {مَّوْبِقاً} مهلكاً، قاله عطاء والضحاك. وقال ابن عباس: هو وادٍ في النار. وقال مجاهد: واد في جهنم. وقال عكرمة: هو نهر في النار، يسيل ناراً، على حافته حيَّات مثل البغال الدُّهْم. قال ابن الأعرابي: وكل حاجز بين شيئين فهو مَوْبِق، وأصله الهلاك يقال … تابع القراءة
عطف على جملة { { وجعلنا بينهم موبقاً } } [الكهف: 52]، أي جعلنا الموبق ورآه المجرمون، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للدلالة على ما يفيده المجرمون من تلبسهم بما استحقوا به عذاب النار. وكذلك عُبر ب (النار) في مقام الإضمار للموبق للدلالة على أن المَوبق هو النار فهو شبيه بعطف البيان. والظن مستعمل هنا في معنى التحقق وهو من استعمالاته. ولعل اختياره هنا ضرب من التهكم بهم؛ بأنهم رجحوا أن تلك النار أعدت لأجلهم في حين أنهم موقنون بذلك. والمواقعة: مفاعلة من الوقوع، وهو الحصول لقصد المبالغة، أي واقعون فيها وقوع الشيء الحاصل في موقع يتطلبه فكأنه يقع هو فيه. والمصرف: مكان الصرف، أي التخلص والمجاوزة. وفي الكلام إيجاز، تقديره: وحاولوا الانقلاب أو الانصراف فلم يجدوا عنها مصرفاً، أي مخلصاً.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المجرمين يرون النار يوم القيامة، ويظنون أنهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها. والظن في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأنهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم موقنون بالواقع؛ كقوله عنهم: { وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } [السجدة: 12]، وكقوله: { فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ } [ق: 22]، وقوله تعالى: { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } [مريم: 38] الآية. ومن إطلاق … تابع القراءة
قوله تعالى: {ويوم يقول} وقرأ حمزة: «نقول» بالنون، يعني: يوم القيامة {نادوا شركائيَ} أضاف الشركاء إِليه على زعمهم، والمراد: نادوهم لدفع العذاب عنكم، أو الشفاعة لكم، {الذين زعمتم} أي: زعمتموهم شركاء {فَدَعَوْهم فلم يستجيبوا لهم} أي: لم يجيبوهم، {وجعلنا بينهم} في المشار إِليهم قولان. أحدهما: أنهم المشركون والشركاء. والثاني: أهل الهدى وأهل الضلالة. وفي معنى {مَوْبقاً} ستة أقوال. أحدها: مَهْلِكاً، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقال ابن قتيبة: مَهْلِكاً بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أَوبَقتْه ذنوبُه، [أي: أهلكتْه]. قال الزجاج: [المعنى]: جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي: يهلكهم … تابع القراءة
فوائد الآيات من 46 إلى 53 من سورة الكهف (الصفحة 299 من المصحف).
السراج في بيان غريب القرآن
فظنوا ايقنوامصرفا أي موضعا يصرفون اليه
مَصْرِفاً: أي معدلا.
مصرفا: معدلا.
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ الأصل رأى قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ولهذا زعم الكوفيون أن رأى يكتب بالياء واتّبعهم على هذا بعض البصريين، فأما البصريون الحذاق، منهم: محمد بن يزيد فإنّ هذا كلّه يكتب عندهم بالألف. قال أبو جعفر:
وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكلّ ما كان من ذوات الياء إلّا بالألف، ولا فرق بين ذوات الياء وذوات الواو في الخطّ كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ، وإنما الكتاب نقل ما في اللفظ كما أن ما في اللفظ نقل ما في القلب، ومن كتب ذوات شيئا من هذا بالياء فقد أشكل وجاء بما لا يجوز، ولو وجب أن تكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن تكتب ذوات الواو بالواو، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون، رمى بالياء ورماه بالألف فإن كانت العلّة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء ثم يكتبون ضحا وكسا جمع كسوة وهما من ذوات الواو بالياء. وهذا لا يحصّل ولا يثبت على أصل. قال: فقلت لمحمد بن يزيد: فما بال الكتّاب وأكثر الناس قد اتّبعوهم على هذا الخطأ البيّن؟ قال: الأصل في هذا من الأخفش سعيد لأنه كان رجلا محتالا للتكسّب، فاحتال بهذا وهو الكسائي فهذا هو
الأصل فيه. وحكى سيبويه أنه يقال راء يا هذا، على القلب. وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ويجوز مصرفا على أنه مصدر، وكسر الراء على أنه اسم للموضع، والمعنى ولم يجدوا موضعا يتهيّأ لهم الانصراف إليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَصْرِفًا) : أَيِ انْصِرَافًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا ; أَيْ لَمْ يَجِدُوا مَكَانًا يُنْصَرَفُ إِلَيْهِ عَنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.