انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الكهف

تفسير البغويالآيات 23–60

تفسير سورة الكهف آية آية، من تفسير البغوي.

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝٢٣ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا ۝٢٤

{وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} يعني: إذا عزمت على أن تفعل غداً شيئاً تقل أفعل غداً، حتى تقول إن شاء الله، وذلك أن أهل مكة سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، فقال: أخبركم غداً ولم يقل إن شاء الله، فلبث الوحي أياماً ثم نزلت هذه الآية.

{وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}، قال ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن.

وجوَّز ابنُ عباس الاستثناءَ المنقطع، وإن كان إلى سنة. وجوَّزه الحسن ما دام في المجلس، وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان، فإن بَعُدَ فلا يصح. ولم يجوِّز باستثناء جماعة حتى يكون الكلام متصلاً بالكلام.

وقال عكرمة: معنى الآية: واذكر ربك إذا غضبت.

وقال وهب: مكتوب في الإِنجيل: ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب.

وقال الضحاك والسدي: هذا في الصلاة.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا الحسن بن أحمد المخلدي، حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من نسي صلاة فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها

{وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لأَِقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا}، أي: يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد.

وقيل: أمر الله نبيه أن يذكره إذا نسي شيئاً، ويسألَه أن يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه.

ويقال: هو أن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله عزّ وجلّ أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدلُّ لهم من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل، حيث آتاه من علم الغيب حال المرسلين ما كان أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف.

وقال بعضهم: هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله "إن شاء الله" إذا ذكر الاستثناء بعد النسيان، وإذا نسي الإِنسان "إن شاء الله" فتوبته من ذلك أن يقول: "عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً".

وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَٰثَ مِا۟ئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًا ۝٢٥

قوله عزّ وجلّ: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ}، يعني: أصحاب الكهف. قال بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك. ولو كان خبراً من الله عزّ وجلّ عن قدر لبثهم لم يكن لقوله "قل الله أعلم بما لبثوا" وَجْهٌ، وهذا قول قتادة. ويدل عليه قراءة ابن مسعود: "وقالوا لبثوا في كهفهم" ثم ردّ الله تعالى عليهم فقال: "قل الله أعلم بما لبثوا".

وقال الآخرون: هذا إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف وهو الأصح.

وأما قوله: "قل الله أعلم بما لبثوا" فمعناه: أن الأمر من مدة لبثهم كما ذكرنا، فإن نازعوك فيها فأجِبْهم، وقل: الله أعلم بما لبثوا، أي: هو أعلم منكم، وقد أخبرنا بمدة لبثهم.

وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن هذه المدة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلثمائة وتسع سنين فردّ الله عليهم وقال: "قل الله أعلم بما لبثوا" يعني: بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله.

قوله تعالى: {ثَلاَثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ} قرأ حمزة والكسائي "ثلثمائة" بلا تنوين، وقرأ الآخرون بالتنوين.

فإن قيل: لِمَ قال ثلثمائةٍ سنين ولم يقل سنة؟

قيل: نزلَ قوله: "ولبثوا في كهفهم ثلثمائة"، فقالوا: أياماً أو شهوراً أو سنين؟ فنزلت "سنين".

قال الفرَّاء: ومن العرب من يضع سنين في موضع سنة.

وقيل: معناه ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة.

{وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا}، قال الكلبي: قالت نصارى نجران أما ثلثمائة فقد عرفنا، وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}.

قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٦

{قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} روي عن علي أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة شمسية، والله تعالى ذكر ثلثمائة قمرية، والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين، فيكون في ثلثمائة تسع سنين، فلذلك قال: "وازدادوا تسعاً".

{لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، فالغيب ما يغيب عن إدراك: والله عزّ وجلّ لا يغيب عن إدراكه شيء.

{أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي: ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه لكل مسموع! أي: لا يغيب عن سمعه وبصره شيء.

{مَا لَهُم} أي: ما لأهل السموات والأرض، {مِّن دُونِهِ} أي من دون الله، {مِن وَلِىٍّ} ناصر، {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا}، قرأ ابن عامر ويعقوب: {ولا تشركْ} بالتاء على المخاطبة والنهي، وقرأ الآخرون بالياء، أي: لا يشركُ الله في حكمه أحداً. وقيل: "الحُكْم" هنا عِلْمُ الغيب، أي: لا يشرك في علم غيبه أحداً.

وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا ۝٢٧ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا ۝٢٨

قوله عزّ وجلّ: {وَٱتْلُ} أي: واقرأ يا محمد، {مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَـٰبِ رَبِّكَ}، يعني القرآن، واتبع ما فيه، {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ}، قال الكلبي: لا مغيّر للقرآن. وقيل: لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه، {وَلَن تَجِدَ}، أنت، {مِن دُونِهِ}، إن لم تتبع القرآن، {مُلْتَحَدًا}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حرزاً. وقال الحسن: مدخلاً. وقال مجاهد: ملجأ. وقيل: مَعْدِلاً. وقيل: مهرباً. وأصله من الميل.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} الآية، نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، وعنده جماعة من الفقراء، فيهم سلمان وعليه شملةٌ قد عرق فيها، وبيده خوصة يشقها ثم ينسجها، فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أمَا يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها، فإن أسلمنا أسلم الناس، وما يمنعنا من اتِّباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ}، أي: احبس يا محمد نفسك، {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَٰوةِ وَٱلْعَشِىِّ}، طرفي النهار، {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، أي: يريدون الله، لا يريدون به عَرَضاً من الدنيا.

قال قتادة: نزلت في أصحاب الصُّفَّة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع، يصلُّون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم:

الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم

{وَلاَ تَعْدُ} أي: لا تصرف ولا تتجاوز، {عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}، إلى غيرهم، {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، أي: طلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا.

{وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}، أي: جعلنا قلبه غافلاً عن ذكرنا، يعني: عيينة ابن حصن. وقيل: أمية بن خلف، {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}، أي مراده في طلب الشهوات، {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}، قال قتادة ومجاهد: ضياعاً. وقيل: معناه ضيع عمره وعطل أيامه. وقيل: ندماً. وقال مقاتل ابن حيان: سرفاً. وقال الفراء: متروكاً. وقيل باطلاً. وقيل: مخالفاً للحق. وقال الأخفش: مجاوزاً للحد. قيل: معنى التجاوز في الحد، هو قول عيينة: أن أسلمنا أسلم الناس، وهذا إفراط عظيم.

وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ۝٢٩

{وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}، أي: ما ذكر من الإيمان والقرآن، معناه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس قد جاءكم من ربكم الحق وإليه التّوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، ليس إليَّ من ذلك شيء.

{فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}، هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله:

{ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }[فصلت: 40].

وقيل معنى الآية: وقل الحق من ربكم، ولست بطارد المؤمنين لِهوَاكم، فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا، فإن كفرتم فقد أعدّ لكم ربكم ناراً أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عزّ وجلَّ لأهل طاعته.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: من شاء الله له الإِيمان آمن، ومن شاء له الكفر، كفر، وهو قوله:

{ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } [الإنسان: 30].

{إِنَّا أَعْتَدْنَا}، أعددنا، وهيَّأنا، من الإِعداد، وهو العدة، {لِلظَّالِمِينَ} للكافرين، {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}، "السُّرادق الحجرة": التي تطيف بالفساطيط.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد ابن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، أنبأنا عبدالله بن المبارك، عن رشدين بن سعد، حدثني عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم بن عبدالله، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

سرادق النار أربعة جُدُر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة.«

قال ابن عباس: هو حائط من نار.

وقال الكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة.

وقيل: هو دخان يحيط بالكفار وهو الذي ذكره الله تعالى:

{ انطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ }[المرسلات: 30].

{وَإِن يَسْتَغِيثُواْ}، من شدة العطش، {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}.

أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن رِشدين بن سعد، حدثنا عمرو بن الحارث، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "{بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} قال كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه".

وقال ابن عباس: هو ماء غليظ مثل دُرْدِيِّ الزيت.

وقال مجاهد: هو القيح والدم.

وسئل ابن مسعود عن: "المهل" فدعا بذهب وفضة فأوقد عليهما النار حتى ذابا، ثم قال: هذا أشبه شيء بالمهل.

{يَشْوِى ٱلْوجُوهَ}، ينضج الوجوه من حرّه.

{بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ} النار، {مُرْتَفَقًا}، قال ابن عباس: منزلاً. وقال مجاهد: مجتمعاً. وقال عطاء: مقراً. وقال القتيبي: مجلساً. وأصل "المرتفق": المُتَّكَأُ.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ۝٣٠ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ جَنَّٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ۝٣١ وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَٰبٍ وَحَفَفْنَٰهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ۝٣٢

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}، فإن قيل: أين جواب قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ}؟

قيل: جوابه قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى}، وأما قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} فكلام معترض.

وقيل: فيه إضمار، معناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع أجرهم بل نجازيهم، ثم ذكر الجزاء فقال:

{أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}، أي: إقامة، يقال: عَدَنَ فلان بالمكان إذا أقام به، سمِّيتْ عَدْنَا لخلود المؤمنين فيها، {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}، قال سعيد بن جبير: يحلى كل واحد منهم ثلاثة أساور، واحد من ذهب، وواحد من فضة، وواحد من لؤلؤ ويواقيت، {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ}، وهو ما رقَّ من الديباج، {وَإِسْتَبْرَقٍ}، وهو ما غلظ منه، ومعنى الغلظ في ثياب الجنة: إحكامه. وعن أبي عمران الجوني قال: السندس هو الديباج المنسوج بالذهب، {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا}، في الجنان، {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ}، وهي السُّرُر في الحِجَال، واحدتُها أَرِيْكَة، {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ}. أي نِعْمَ الجزاء، {وَحَسُنَتْ}، الجنان {مُرْتَفَقًا} أي: مجلساً ومقراً.

{وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} الآية، قيل: نزلت في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم، أحدهما مؤمن، وهو أبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد بن عبد ياليل وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.

وقيل: هذا مَثَلٌ لعيينة بن حصن وأصحابه مع سليمان،وأصحابه، شبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، وقال مقاتل: يمليخا، والآخر كافر واسمه قطروس، وقال وهب: قطفير، وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة "والصافات"، وكانت قصتهما، على ما حكى عبدالله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكين لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل: كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى أرضاً بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلاناً قد اشترى أرضاً بألف دينار، فإني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف دينار، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى داراً بألف دينار، فقال هذا: اللهم إن فلاناً بنى داراً بألف دينار، فإني اشتري منك داراً في الجنة بألف دينار، فتصدق بذلك ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار، فقال هذا المؤمن: اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار. فتصدق بألف دينار، ثم اشترى صاحبه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال هذا: اللهم إني أشتري منك متاعاً وخدماً في الجنة بألف دينار، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة شديدة، فقال: لو أتيتُ صاحبي لعله ينالني منه معروف، فجلس على طريقه حتى مرَّ به في حشمه، فقام إليه فنظر إليه الآخر فعرفه، فقال: فلان؟ قال: نعم، فقال: ما شأنك؟ فقال: أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتصيبني بخير، فقال: ما فعل مالك وقد اقتسمنا مالاً واحداً وأخذت شطره؟ فقصّ عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا؟ اذهب فلا أعطيك شيئاً، فطرده فقضي لهما أن توفيا، فنزل فيهما:

{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ }" [الصافات: 50-51]

وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أموال نفسه، فنزل فيهما.

{وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} اذكر لهم خبر رجلين، {جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ}، بستانين، {مِنْ أَعنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ}، أي: أطفناهما من جوانبهما بنخل، والحِفَاف: الجانب، وجمعه أحِفَّة، يقال: حفَّ به القوم، أي: طافوا بجوانبه، {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا}، أي: جعلنا حول الأعناب النخيل، ووسط الأعناب الزرع.

وقيل: "بينهما" أي بين الجنتين زرعاً، يعني: لم يكن بين الجنتين موضع خراب.

كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًٔا وَفَجَّرْنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرًا ۝٣٣ وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ۝٣٤ وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدًا ۝٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ۝٣٦

{كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ}، أي: أعطتْ كلُّ واحدة من الجنتين، {أُكُلَهَا}، ثمرها تاماً، {وَلَمْ تَظْلِمِ} لم تنقص، {مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا}، قرأ العامة بالتشديد، وقرأ يعقوب بتخفيف الجيم، {خِلاَلَهُمَا نَهَراً} يعني: شققنا وأخرجنا وسطهما نهراً.

{وََكَانَ لَهُ}، لصاحب البستان، {ثَمَرٌ} قرأ عاصم وأبو جعفر ويعقوب: {ثَمَر} بفتح الثاء والميم، وكذلك: "بثمرة"، وقرأ أبو عمرو: بضم الثاء ساكنة الميم، وقرأ الآخرون بضمهما.

فمن قرأ بالفتح هو جمع ثَمَرَة، وهو ما تخرجه الشجرة من الثمار المأكولة.

ومن قرأ بالضم فهي الأموال الكثيرة المثمَّرة من كل صنف، جمع ثمار. وقال مجاهد: ذهب وفضة. وقيل: جميع الثمرات.

قال الأزهري: "الثَّمَرَة" تجمع على "ثَمَر"، ويجمع "الثَّمَر" على "ثِمار"، ثم تجمع "الثِّمار" على "ثُمُر".

{فَقَالَ}، يعني صاحب البستان، {لِصَـٰحِبِهِ}، المؤمن، {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}، يخاطبه ويجاوبه:

{أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي: عشيرة ورهطاً. وقال قتادة: خدماً وحشماً. وقال مقاتل: ولداً، تصديقه قوله تعالى:

{ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا }[الكهف: 39].

{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ}، يعني الكافر، أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به فيها ويريه أثمارها، {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}، بكفره، {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ}، تهلك، {هَـٰذِهِ أَبَداً}، قال أهل المعاني: راقَهُ حُسنها وغرَّتْهُ زهرتُها، فتوهَّم أنها لا تفنى أبداً، وأنكر البعث.

فقال: {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً}، كائنة، {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً}، وقرأ أهل الحجاز والشام هكذا على التثنية، يعني من الجنتين، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الآخرون {منها} أي: من الجنة التي دخلها، {مُنقَلَباً} أي: مرجعاً.

إن قيل: كيف قال: "ولئن رددت إلى ربي"، وهو منكر البعث؟

قيل: معناه: ولئن رددت إلى ربي ـ على ما تزعم أنت ـ يعطيني هنالك خيراً منها، فإنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها.

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًا ۝٣٧ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًا ۝٣٨ وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ۝٣٩ فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ۝٤٠

{قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ}، المسلم، {وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ}، أي خلق أصلك من تراب، {ثُمَّ}، خلقك، {مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أي: عدلك بشراً سوياً ذكراً.

{لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى}، قرأ ابن عامر ويعقوب: "لكنَّا" بالألف في الوصل، وقرأ الباقون بلا ألف، واتفقوا على إثبات الألف في الوقف، وأصله: "لكن أنا"، فحذفت الهمزة طلباً للتخفيف، لكثرة استعمالها، ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، مجازه: لكن الله هو ربي، {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّى أَحَدًا}.

{وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ}، أي: هلا إذ دخلت جنتك، {قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي: الأمر ما شاء الله. وقيل: جوابه مضمر، أي: ما شاء الله كان، وقوله: {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}، أي لا أقدر على حفظ مالي أو دفع شيء عنه إلا بإذن الله.

وروي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى من ماله شيئاً يعجبه أو دخل حائطاً من حيطانه. قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

ثم قال: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا} و"أنا" عماد، ولذلك نصب أقلَّ، معناه: إن ترني أقل منك مالاً وولداً فتكبرت وتعاظمت عليّ.

{فعَسَىٰ رَبِّى}، فلعلّ ربي، {أَن يُؤْتِيَنِ}، يعطيني في الآخرة، {خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا}، أي على جنتك، {حُسْبَانًا}، قال قتادة: عذاباً. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ناراً. وقال القتيبي: مراميَ. {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، وهي مثل صاعقة أو شيء يهلكها، واحدتها: "حسبانة"، {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا}، أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها. وقيل: تزلق فيها الأقدام. وقال مجاهد: رملاً هائلاً.

أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًا ۝٤١ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًا ۝٤٢ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ۝٤٣ هُنَالِكَ ٱلْوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ۝٤٤

{أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا}، أي: غائراً، منقطعاً ذاهباً، لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاء، و"الغور": مصدرٌ وُضع موضع الاسم، مثل زور وعدل، {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا}، يعني: إن طلبته لم تجده.

{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أي: أحاط العذاب بثمر جنته، وذلك أن الله تعالى أرسل عليها ناراً فأهلكتها وغار ماؤها، {فَأَصْبَحَ}، صاحبها الكافر، {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ}، أي: يصفق بيده على الأخرى، ويقلب كفيه ظهراً لبطن، تأسفاً وتلهفاً، {عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ}، أي ساقطة، {عَلَىٰ عُرُوشِهَا}، سقوفها، {وَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا}.

قال الله تعالى: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ}، جماعة، {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، يمنعونه من عذاب الله، {وَمَا كَانَ مُنتَصِراً}، ممتنعاً منتقماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه. وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.

{هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ}، يعني: في القيامة، قرأ حمزة والكسائي {الولاية} بكسر الواو، يعني السلطان، وقرأ الآخرون بفتح الواو، من: الموالاة والنصر، كقوله تعالى:

{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }[البقرة: 257]، قال القتيبي: يريد أنهم يولَّونه يومئذٍ ويتبرؤون مما كانوا يعبدون.

وقيل: بالفتح: الربوبية، وبالكسر: الإِمارة.

{ٱلْحَقِّ} برفع القاف: أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية، وتصديقه قراءة أُبيّ: {هنالك الولاية الحق لله}، وقرأ الآخرون بالجر على صفة الله كقوله تعالى:

{ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ } [الأنعام: 62].

{هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا}، أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب، {وَخَيْرٌ عُقْبًا}، أي: عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، فهو خير إثابة، "وعاقبة": طاعة، قرأ حمزة وعاصم {عُقْباً} ساكنة القاف، وقرأ الآخرون بضمها.

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا ۝٤٥ ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ۝٤٦

قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُم}، يا محمد، أي: لقومك {مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ}، يعني: المطر، {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ}، خرج منه كل لون وزهرة، {فَأَصْبَحَ}، عن قريب، {هَشِيمًا}، يابساً. قال ابن عباس وقال الضحاك: كسيراً. والهشيم: ما يبس وتفتت من النباتات فأصبح هشيماً، {تَذْرُوهُ ٱلرِّيَاحُ}، قال ابن عباس: تثيره الرياح. وقال أبو عبيدة: تفرقه. وقال القتيبي تنسفه، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا}، قادراً.

{ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ}، التي يفتخر بها عتبة وأصحابه الأغنياء، {زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، ليست من زاد الآخرة.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المال والبنون حَرْث الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوام.

{وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ}، اختلفوا فيها، فقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: هي قول سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر. وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أفضل الكلام أربع كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.«

أخبرنا أبو القاسم عبدالله بن محمد الحنفي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا أبو جعفر عبدالله بن إسماعيل الهاشمي، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس.«

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار، أنبأنا حميد بن زنجويه، حدثنا عثمان عن أبي صالح، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الملة" قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

وقال سعيد بن جبير، ومسروق، وإبر اهيم: "الباقيات الصالحات" هي الصلوات الخمس. ويروى هذا عن ابن عباس.

وعنه رواية أخرى: أنها الأعمال الصالحة، وهو قول قتادة.

قوله تعالى: {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا}، أي جزاء، المراد {وَخَيْرٌ أَمَلاً}، أي ما يأمله الإنسان.

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ۝٤٧

قوله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: "تُسَيَّر" بالتاء وفتح الياء (الجبالُ) رفعٌ، دليله: قوله تعالى:

{ وَإِذَا ٱلجِبَالُ سُيِّرَتْ } } [التكوير: 3].

وقرأ الآخرون بالنون وكسر الياء، "الجبالَ" نصبٌ، وتسييرُ الجبال: نقلُها من مكان إلى مكان.

{وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً}، أي: ظاهرة، ليس عليها شجر، ولا جبل، ولا نبات، كما قال:

{ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً } [طه: 106 ــ 107].

قال عطاء: هو بُروز ما في باطنها من الموتى وغيرهم، فترى باطن الأرض ظاهراً.

{وحَشَرْنَاهُمْ}، جميعاً إلى الموقف والحساب، {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ}، أي: نترك منهم، {أَحَدًا}.

وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا ۝٤٨

{وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا}، أي صفاً صفاً، فوجاً فوجاً، لا أنهم صف واحد. وقيل: قياماً، ثم يقال لهم، يعني الكفار: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، يعني أحياءً، وقيل: فُرادى كما ذكر في سورة الأنعام. وقيل: غرلاً.

{بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا}، يوم القيامة، يقوله لمنكري البعث.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهب عن ابن طاووس، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يُحْشَرُ الناسُ على ثلاثِ طرائقَ، راغبينَ وراهبينَ، واثنان على بعير، وثلاثةٌ على بعير، وأربعةٌ على بعير، وعَشَرةٌ على بعير، وتحشر بَقِيَّتَهُم النارُ، تَقِيْل معهم حيث قالوا، وتَبيتُ معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أَمْسَوا

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان بن المغيرة بن النعمان، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إنكم محشورون حفاةً عراةً غُرْلاً، ثم قرأ، { كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ } [الأنبياء: 104]، وأول من يُكْسَٰى يومَ القيامة إبراهيمُ، وإن ناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لن يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} إلى قوله: { ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }[المائدة:117 ـ 118].

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا أبو القاسم جعفر ابن محمد بن المغلِّس، ببغداد، حدثنا هارون بن إسحاق الهمذاني، أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن حاتم بن أبي صغير، عن ابن أبي ملكية، عن القاسم بن محمد،

عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: "عُراةً حفاةً"، قالت: قلت والنساء؟ قال: "والنساء" قالت: قلت يا رسول الله نستحي، قال: "يا عائشة الأمر أشد من ذلك أن يَهُمَّهُم أن ينظر بعضُهم إلى بعضٍ"

وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ۝٤٩

قوله عزّ وجلّ: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ}، يعني: كتب أعمال العباد يوضع في أيدي الناس، في إيمانهم وشمائلهم، وقيل: معناه يوضع بين يدي الله تعالى. {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ}، خائفين، {مِمَّا فِيهِ}، من الأعمال السيئة، {وَيَقُولُونَ}، إذا رأوها، {يَٰوَيْلَتَنَا}، يا هلاكنا، و"الويل" و"الويلة": الهلكة، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء تنبيه المخاطبين، {مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً}، من ذنوبنا. قال ابن عباس: "الصغيرة": التبسم، و"الكبيرة": القهقهة. وقال سعيد بن جبير: "الصغيرة": اللمم، واللمس، والقبلة، و"الكبيرة": الزنا. {إِلاَّ أَحْصَاهَا}، عدَّها، قال السدي: كتبها وأثبتها. قال مقاتل بن حيان: حفظها.

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا أبو العباس عبدالله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن يسار القرشي، حدثنا يوسف بن عدي المصري، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن أبي حازمٍ قال: لا أعلمه إلاّ عن سهل بن سعدٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إيّاكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنما مَثَلُ محقَّراتِ الذنوب مَثَلُ قومٍ نزلوا بطنَ وادٍ فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، فأنضجوا خُبْزَتَهُمْ، وإنَّ محقراتِ الذنوبِ لَمُوبِقاتٍ

قوله تعالى: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا}، مكتوباً مثبتاً في كتابهم، {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، أي: لا ينقص ثواب أحد عمل خَيراً.

وقال الضحاك: لا يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله.

وقال عبدالله بن قيس: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما العرضتان: فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخِذٌ بيمينه، وآخذ بشماله". ورفعه بعضهم عن أبي موسى.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ بِئْسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلًا ۝٥٠

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ}، يقول: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ}، قال ابن عباس: كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن، خُلقوا من نار السموم. وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة، فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإِنس، {فَفَسَقَ}، أي خرج، {عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}، عن طاعة ربه، {أَفَتَتَّخِذُونَهُ}، يعني يا بني آدم {وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}، أي أعداء.

روى مجالد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوماً إذْ أقبل رجل فقال: أخبرني هل لإِبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك لعرس ما شهدته، ثم ذكرت قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى}، فعلمت أنه لا تكون الذرية إلا من الزوجة، فقلت: نعم.

وقال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.

وقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين.

قال مجاهد: من ذريته إبليس "لا قيس" و "ولهان"، وهما صاحبا الطهارة والصلاة، و"الهفاف" و"مُرَّة" وبه يكنى، و"زَلَنْبُور" وهو صاحب الأسواق، يزين اللغو والحلف الكاذبة ومدح السلع، و"ثبر" وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، و"الأعور" وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة، و"مطوس" وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس، لا يجدون لها أضلاً، و"داسم" وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع ولم يحتبس موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه.

قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم أسلم، فرأيت مطهرة فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم، ثم أذكر اسم الله فأقول داسم داسم.

وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان. فاتقوا وسواس الماء

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيـى بن خلف الباهلي، أنبأنا عبد الأعلى عن سعيد الجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاء؛

أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي، يَلْبِسُها عليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيطان يقال له "خِنْزِبٌ"، فإذا أَحْسَسْتَه فتعوَّذْ بالله منه، وٱتفُلْ عن يسارك ثلاثاً»، قال: ففعلتُ ذلك فأذهبه الله عنِّي.

وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو كريب محمد بن علاء، أنبأنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن إبليس يضع عَرْشَه على الماء ثم يبعث سَرَايَاه، فأدناهم منه منزلةً أعظمُهم فتنةً، يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً، قال: ثم يجيء أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فَرَّقْتُ بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نِعْمَ أنت قال الأعمش أُراه قال: فَيَلْتَزِمُه.

قوله تعالى: {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً}، قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم.

مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا ۝٥١

{مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ}، ما أحضرتهم، وقرأ أبو جعفر "ما أشهدناهم" بالنون والألف على التعظيم، أي: أحضرناهم، يعني إبليس وذريته. وقيل: الكفار. وقال الكلبي: يعني الملائكة، {خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ}، يقول: ما أَشهدتم خلقاً فأستعين بهم على خلقها وأُشاورهم فيها، {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}، أي: الشياطين الذين يضلون الناس عضداً أي: أنصاراً وأعواناً.

وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا ۝٥٢ وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًا ۝٥٣ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ۝٥٤

قوله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ يَقُولُ} قرأ حمزة بالنون والآخرون بالياء، أي: يقول الله لهم يوم القيامة: {نَادُواْ شُرَكَآئِىَ}، يعني الأوثان {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ}، أنهم شركائي، {فَدَعَوْهُمْ}، فاستغاثوا بهم، {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ}، أي: لم يجيبوهم ولم ينصروهم، {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم}، يعني بين الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل الهدى وأهل الضلالة، {مَّوْبِقاً} مهلكاً، قاله عطاء والضحاك. وقال ابن عباس: هو وادٍ في النار. وقال مجاهد: واد في جهنم.

وقال عكرمة: هو نهر في النار، يسيل ناراً، على حافته حيَّات مثل البغال الدُّهْم.

قال ابن الأعرابي: وكل حاجز بين شيئين فهو مَوْبِق، وأصله الهلاك يقال: أوبقه، أي: أهلكه.

قال الفراء: وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة، والبين على هذا القول التواصل كقوله تعالى:

{ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ }[الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع.

{وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ}، أي: المشركون، {فَظَنُّوۤاْ}، أيقنوا، {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا}، داخلوها وواقعون فيها، {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا}، معدلاً، لأنها أحاطت بهم من كل جانب.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا}، بيّنَّا، {فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ}، أي ليتذكروا ويتعظوا، {وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىءٍ جَدَلاً}، خصومة في الباطل.

قال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن.

قال الكلبي: أراد به أُبيّ بن خلف الجمحي.

وقيل: المراد من الآية الكفار، لقوله تعالى:

{ وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ }[الكهف: 56].

وقيل: هي على العموم، وهذا أصح.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد ابن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أنبأنا علي بن الحسين، أن الحسين بن علي أخبره: أن علياً أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً فقال: «ألاَ تُصَلِّيان؟ فقلت: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلتُ له ذلك ولم يُرجِعْ إليّ شيئاً، ثم سمعته وهو مولٍّ يضرب فخذه وهو يقول: {وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىءٍ جَدَلاً}.

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًا ۝٥٥ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَٰتِى وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًا ۝٥٦ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًا ۝٥٧

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ}، القرآن، والإِسلام، والبيان من الله عزّ وجلّ، وقيل: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ}، يعني: سنتنا في إهلاكهم إن لم يؤمنوا.

وقيل: إلا طَلَبُ أن تأتيهم سنة الأولين من معاينة العذاب، كما قالوا:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }[الأنفال: 32].

{أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً}، قال ابن عباس: أي: عياناً من المقابلة. وقال مجاهد: فجأة، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: {قبلاً} بضم القاف والياء، جمع قبيل أي: أصناف العذاب نوعاً نوعاً.

{وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ}، ومجادلتهم قولهم:

{ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً }[الإسراء: 94]. و { لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } } [الزخرف: 31]، وما أشبهه. {لِيُدْحِضُواْ}، ليبطلوا، {بِهِ ٱلْحَقَّ}، وأصل الدحض الزلق يريد ليزيلوا به الحق، {وَٱتَّخَذُوۤاْ ءايَاتِى وَمَا أُنذِرُواْ هُزُواً}، فيه إضمار يعني وما أنذروا به وهو القرآن، هزواً أي استهزاء.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ}، وعُظ، {بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعرَضَ عَنْهَا}، تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها، {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}، أي: ما عمل من المعاصي من قبل، {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً}، أغطية، {أَن يَفْقَهُوهُ}، أي: يفهموه يريد لئلا يفهموه، {وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً}، أي صمماً وثقلاً، {وَإِن تَدْعُهُمْ}، يا محمد {إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ}، إلى الدين، {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً}، وهذا في أقوام علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.

وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًا ۝٥٨ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ أَهْلَكْنَٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ۝٥٩ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ۝٦٠

{وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ}، ذو النعمة {لَوْ يُؤَاخِذُهُم}، يعاقب الكفار، {بِمَا كَسَبُواْ}، من الذنوب {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ}، في الدنيا، {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ}، يعني البعث والحساب، {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً}، ملجأً.

{وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَـٰهُمْ}، يعني: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، {لَمَّا ظَلَمُواْ}، كفروا، {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}، أي: أجلاً، قرأ أبو بكر {لمَهْلَكِهم} بفتح الميم واللام، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام، وكذلك في النمل «مهلك» أي لوقت هلاكهم، وقرأ الآخرون بضم الميم وفتح اللام أي: لإِهلاكهم.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ}، عامة أهل العلم قالوا: إنه موسى بن عمران. وقال بعضهم: هو موسى بن ميشا من أولاد يوسف. والأول أصح.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نَْوفَاً البَكَالِيَّ يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أُبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعَتَبَ الله عليه، إذْ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأوحى الله إليه أنَّ لي عبداً بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: يا ربِّ فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مِكْتَل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثَمَّ. فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سَرَبَاً، وأمسك الله تعالى عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد، قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نَصَبَاً، قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أُمِرَ به، وقال له فتاه: أرأيتَ إذْ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجباً، قال: فكان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً، وقال موسى: ذلك ما كنا نبغ. قال: رجعا يقصّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجَّيً بثوب، فسلَّم عليه موسى، فقال الخضر عليه السلام: وأنّٰى بأرضك السلام، فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً، قال: إنك لن تستطيع معي صبراً، يا موسى، إني على علمٍ من علم الله علَّمَنِيْهِ لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ من علم الله علمك الله، لا أعلمُه، فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً، فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحْدِث لك منه ذكراً، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرَّت سفينة فكلَّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نَوْلٍ، فلما ركبا في السفينة لم يضح إلاّ والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقَدُوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نَوْلٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً إمراً!، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيتُ ولا تُرهقني من أمري عُسراً، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كانت الأولى من موسى نسياناً والوسطى شرطاً والثالثة عمداً"، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نَقْرَةً فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئاً نكراً، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال: وهذه أشد من الأولى، قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغتَ من لَدُنِّي عذراً، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبَوْا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض،فأقامه، قال: كان مائلاً، فقال الخضر بيده فأقامه، فقال موسى: قوم آتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا، لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال: "هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَدِدْنَا أنَّ موسى كان صبر حتى يُقَصَّ علينا من خبرهما".

قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً"، وكان يقرأ: "وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين".

وعن سعيد بن جبير في رواية أخرى عن ابن عباس عن أُبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قام موسى رسول الله فذكَّر الناس يوماً حتى إذا فاضتِ العيون ورقَّتِ القلوب ولَّٰى فأدركه رجل فقال: أيْ رسولَ الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعَتَبَ الله عليه، إذ لم يردَّ العلمَ إلى الله ـ قيل: بلٰى عبدنا الخضر قال: أي ربِّ وأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: ربِّ اجعل لي علماً أعلم بك منه قال: خذ حوتاً ميِّتاً حيث ينفخ فيه الروح، وفي رواية قيل له: تزود حوتاً مالحاً فإنه حيث تفقد الحوت، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل.«

رجعنا إلى التفسير؛ قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ}، يوشع بن نون، {اۤ أَبْرَحُ}، أي لا أزال أسير {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ}، قال قتادة: بحر فارس وبحر الروم، مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة. وقال أبيّ بن كعب: أفريقية.

{أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً}، وإن كان حُقُباً أي دهراً طويلاً وزماناً، وجمعه أحقاب، والحُقب: جمع الحَقب. قال عبدالله بن عمر: والحقب ثمانون سنة، فحملا خبزاً وسمكة مالحة حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلاً وعندها عين تسمى ماء الحياة لا يصيب ذلك الماء شيئاً إلا حي، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ