انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الكهف

تفسير القرطبيالآيات 46–65

تفسير سورة الكهف آية آية، من تفسير القرطبي.

ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ۝٤٦

قوله تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ويجوز «زينتا» وهو خبر الابتداء في التثنية والإفراد. وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالاً ونفعاً، وفي البنين قوّة ودفعاً، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تُتبعوها نفوسكم. وهو رَدٌّ على عُيينة بن حِصْن وأمثاله لما افتخروا بالغنى والشرف، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم حين ذرته الريح؛ إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعُدد الآخرة. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فَيْءٌ ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغداً مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغداً لغيرك. ويكفي في هذا قول الله تعالى:

{ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ }[التغابن: 15]. وقال تعالى: { إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ }[التغابن: 14].

قوله تعالى: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} أي ما يأتي به سلْمان وصُهيب وفقراء المسلمين من الطاعات {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي أفضل {وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي أفضل أملا من ذي المال والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه خرج مخرج قوله

{ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً }[الفرقان: 24]. وقيل: خير في التحقيق مما يظنّه الجهال أنه خير في ظنّهم.

واختلف العلماء في «الباقيات الصالحات»؛ فقال ابن عباس وابن جُبير وأبو مَيْسرة وعمرو بن شُرَحْبِيل: هي الصلوات الخمس. وعن ابن عباس أيضاً: أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة. وقاله ابن زيد ورجّحه الطبري. وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا. وقال عليّ رضي الله عنه: الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والبنون؛ وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام. وقال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: سبحانَ الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. خرّجه مالك في موطئه عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيِّب أنه سمعه يقول في الباقيات الصالحات: إنها قول العبد الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. أسنده النَّسائيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

استكثروا من الباقيات الصالحات قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: المسئلة: وقيل ما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. صححه أبو محمد عبد الحق رحمه الله. وروى قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غُصْناً فخرطه حتى سقط ورقه وقال: إن المسلم إذا قال سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر تحاتّت خطاياه كما تحات هذا خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فإنهن من كنوز الجنة وصفايا الكلام وهن الباقيات الصالحات. ذكره الثعلبي، وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:عليك بسبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر فإنهن يعني يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها. وأخرجه الترمذي من حديث الأعمش عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بشجرة يابسة الورقة فضربها بعصاة فتناثر الورق فقال:إن الحمد لله وسبحان الله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة. قال: هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعاً من أنس، إلا أنه قد رآه ونظر إليه. وخرج الترمذي أيضاً عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لَقِيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسْرِيَ بي فقال يا محمد أقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التُّربة عذبة الماء وأنها قِيعان وأن غِراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال: حديث حسن غريب، خرّجه الماوردي بمعناه. وفيه ـ فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وخرّج ابن ماجه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ به وهو يَغرس غَرْساً فقال: يا أبا هريرة ما الذي تغرس قلت غِراساً. قال ألا أدُلّك على غِراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر يُغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة. وقد قيل: إن الباقيات الصالحات هي النيات والهمّات؛ لأن بها تقبل الأعمال وترفع؛ قاله الحسن. وقال عُبيد بن عُمير: هن البنات؛ يدل عليه أوائل الآية؛ قال الله تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ثم قال «والباقيات الصالحات» يعني البنات الصالحات هنّ عند الله لآبائهن خير ثواباً، وخير أملاً في الآخرة لمن أحسن إليهن. يدّل عليه ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: دخلتْ عليّ ٱمرأة مسكينة... الحديث، وقد ذكرناه في سورة النحل في قوله { يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ }[النحل: 59] الآية. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لقد رأيت رجلاً من أمتي أمِر به إلى النار فتعلق به بناته وجعلن يصرخن ويقلن ربِّ إنه كان يحسن إلينا في الدنيا فرحمه الله بهن». وقال قتادة في قوله تعالى: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} قال: أبدلهما منه ابنة فتزوجها نبيّ فولدت له اثني عشر غلاماً كلهم أنبياء.

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ۝٤٧

قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} قال بعض النحويين: التقدير والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسيّر الجبال. قال النحاس: وهذا غلط من أجل الواو. وقيل: المعنى وٱذكر يوم نسيّر الجبال، أي نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض، ونسيرها كما نسير السحاب؛ كما قال في آية أخرى

{ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ }[النمل: 88]. ثم تكسر فتعود إلى الأرض؛ كما قال { وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاًفَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً }[الواقعة: 5]. وقرأ ابن كثير والحسن وأبو عمرو وابن عامر «ويوم تُسَيَّر» بتاء مضمومة وفتح الياء. و «الجبالُ» رفعا على الفعل المجهول. وقرأ ابن مُحَيْصِن ومجاهد «ويوم تسير الجبال» بفتح التاء مخففاً من سار. «الجبال» رفعا. دليل قراءة أبي عمرو { وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ }[التكوير: 3]. ودليل قراءة ابن محيصِن { وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً }[الطور: 10]. واختار أبو عبيد القراءة الأولى «نسيّر» بالنون لقوله «وحشرناهم». ومعنى {بَارِزَةً} ظاهرة، وليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان؛ أي قد ٱجتثت ثمارها وقلعت جبالها، وهدم بنيانها؛ فهي بارزة ظاهرة. وعلى هذا القول أهل التفسير. وقيل: «وترى الأرض بارزة» أي برز ما فيها من الكنوز والأموات؛ كما قال { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ }[الانشقاق: 4] وقال { وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا }[الزلزلة: 2] وهذا قول عطاء. {وَحَشَرْنَاهُمْ} أي إلى الموقف. {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي لم نترك؛ يقال: غادرت كذا أي تركته. قال عنترة:

غَادَرْتُه مُتَعَفِّرا أوصالهُوالقومُ بين مُجَرَّحٍ ومُجَدَّلِ

أي تركته. والمغادرة الترك؛ ومنه الغَدْر؛ لأنه ترك الوفاء. وإنما سمي الغدير من الماء غديراً لأن الماء ذهب وتركه. ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها. يقول: حشرنا بَرّهم وفاجِرَهم وجنّهم وإنسهم.

وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا ۝٤٨

قوله تعالى: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً} «صفًّا» نصب على الحال. قال مقاتل: يعرضون صفًّا بعد صفٍّ كالصفوف في الصلاة، كل أمة وزمرة صفا؛ لا أنهم صفّ واحد. وقيل جميعاً؛ كقوله

{ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً }[طه: 64] أي جميعاً. وقيل قياماً. وخرّج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن مَنْدَه في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع يا عبادي أنا الله لا إلٰه إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أَحْضِروا حجتكم ويسّروا جواباً فإنكم مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب».

قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية، ولم يذكره كثير من المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة، ومنه نقلناه والحمد لله.

{لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي يقال لهم: لقد جئتمونا حُفاةً عُراة، لا مالَ معكم ولا ولداً. وقيل فرادَى؛ دليله قوله

{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ }[الأنعام: 94]. وقد تقدم. وقال الزجاج: أي بعثناكم كما خلقناكم. {بَلْ زَعَمْتُمْ} هذا خطاب لمنكري البعث؛ أي زعمتم في الدنيا أن لن تُبعثوا وأن لن نجعل لكم موعداً للبعث. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُحشر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراة غُرْلاً قلت: يا رسول اللهٰ الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة، الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض. «غُرْلاً» أي غير مختونين. وقد تقدم في «الأنعام» بيانه.

وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ۝٤٩

قوله تعالى: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} «الكتاب» اسم جنس، وفيه وجهان: أحدهما ـ أنها كتب الأعمال في أيدي العباد؛ قاله مُقاتل. الثاني ـ أنه وضْع الحساب؛ قاله الكَلْبِيّ، فعبّر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة. والقول الأوّل أظهر؛ ذكره ابن المبارك قال: أخبرنا الحكم أو أبو الحكم ـ شكّ نَعيم ـ عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من بني أسد قال قال عمر لكعْب: وَيْحك يا كعب! حدِّثنا من حديث الآخرة؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين! إذا كان يوم القيامة رُفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله ـ قال ـ ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنثر حول العرش، وذلك قولُه تعالى {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} قال الأسدي: الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك، إلا أحصاها ـ قال كعب: ثم يدعى المؤمن فيُعطى كتابه بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته بادِيات للناس وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول كانت لي حسنات فلم تذكر فأحبّ الله أن يُريه عمله كلّه حتى إذا استنقص ما في الكتاب وجد في آخر ذلك كلّه أنه مغفور وأنك من أهل الجنة؛ فعند ذلك يُقبِل إلى أصحابه ثم يقول

{ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْإِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ } [الحاقة: 20] ثم يدعى بالكافر فيعطى كتابه بشماله ثم يُلَفّ فيجعل من وراء ظهره ويُلْوَى عنقه؛ فذلك قولُه { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ }[الانشقاق: 10] فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات للناس وينظر في حسناته لكيلا يقول أفأثاب على السيئات. وكان الفُضيل بن عِيَاض إذا قرأ هذه الآية يقول: يا ويلتاه! ضِجوُّا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر. قال ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك؛ يعني ما كان من ذلك في معصية الله عز وجل؛ ذكره الثعلبِيّ. وحكى الماوَرْدِيّ عن ابن عباس أن الصغيرة الضحك.

قلت فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية، فإن الضحك من المعصية رِضاً بها والرضا بالمعصية معصية، وعلى هذا تكون كبيرة، فيكون وجه الجمع هذا والله أعلم. أو يُحمل الضحك فيما ذكر الماورديّ على التبسم، وقد قال تعالى:

{ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا }}. [النمل: 19] وقال سعيد بن جبير: إن الصغائر اللَّمَمُ كالمسيس والقُبَل، والكبيرة المواقعة والزِّنى. وقد مضى في «النساء» بيان هذا. قال قتادة: اشتكى القوم الإحصاء، وما اشتكى أحد ظلماً، فإياكم ومحقَّرات الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. وقد مضى. ومعنى «أحصاها» عدّها وأحاط بها؛ وأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسُّعاً. {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضراً. وقيل: وجدوا جزاء ما عملوا حاضراً. {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } أي لا يأخذ أحداً بجرم أحد، ولا يأخذه بما لم يعمله؛ قاله الضحاك. وقيل: لا ينقص طائعاً من ثوابه ولا يزيد عاصياً في عقابه.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ بِئْسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلًا ۝٥٠

قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تقدم في «البقرة» هذا مستوفًى. قال أبو جعفر النحاس: وفي هذه الآية سؤال، يقال: ما معنى «فَفَسَق عَنْ أَمْرِ رَبِّه» ففي هذا قولان: أحدهما ـ وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أُمِر فعَصَى، فكان سببَ الفسق أمْرُ ربه؛ كما تقول: أطعمته عن جوع. والقول الآخر ـ وهو مذهب محمد بن قُطْرب أن المعنى: ففسق عن ردّ أمر ربه. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} وقّف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله: أفتتخذونه يا بني آدم وذرّيّته أولياء وهم لكم عدوّ؛ أي أعداء، فهو اسم جنس. {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} أي بئس عبادة الشيطان بدلاً عن عبادة الله. أو بئس إبليس بدلاً عن الله. واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه؛ فقال الشعبيّ: سألني رجل فقال هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عُرْس لم أشهده، ثم ذكرت قوله {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ} فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات؛ فهذا أصل ذريته. وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكراً وفي اليسرى فرجاً؛ فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطاناً وشيطانة، فهو يَخْرج وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له أولاد ولا ذرية، وذرّيته أعوانه من الشياطين. قال القشيري أبو نصر: والجملة أن الله تعالى أخبر أن لإبليس أتباعاً وذرّية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقّف الأمر فيه على نقل صحيح.

قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البَرْقانِي أنه خرج في كتابه مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان

عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكن أوّلَ من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرّخ. وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. قال ابن عطية: وقوله «وذريَّتَه» ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين، الذين يأتون بالمنكر ويحملون على الباطل. وذكر الطبري وغيره أن مجاهداً قال: ذرية إبليس الشياطين، وكان يعدّهم: زَلَنْبُور صاحبُ الأسواق، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض، يجعل تلك الراية على حانوت أوّل من يفتح وآخر من يغلق. وثبر صاحب المصائب، يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب، والدعاءِ بالويل والحرب. والأعور صاحب أبواب الزنى. ومسوط صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلاً. وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلّم ولم يذكر ٱسم الله بصّرَه من المتاع ما لم يُرفع وما لم يُحسَن موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. قال الأعمش: وإني ربما دخلت البيت فلم أذكر الله ولم أسلّم، فرأيت مطهرة فقلت: ارفعوا هذه! وخاصمتهم، ثم أذكر فأقول: داسم داسم! أعوذ بالله منه! زاد الثعلبي وغيره عن مجاهد: والأبيض، وهو الذي يوسوس للأنبياء. وصخر وهو الذي اختلس خاتم سليمان عليه السلام. والولهان وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها. والأقيس وهو صاحب الصلاة يوسوس فيها. ومُرّة وهو صاحب المزامير وبه يُكْنَى. والهفاف يكون بالصحارى يُضلّ الناس ويتيههم. ومنهم الغيلان. وحكى أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب اللؤلؤيات عن مجاهد أن الهفاف هو صاحب الشراب، ولقوس صاحب التحريش، والأعور صاحب أبواب السلطان. قال وقال الدّارانِيّ: إن لإبليس شيطاناً يقال له المتقاضي، يتقاضى ٱبن آدم فيخبر بعمل كان عمله في السرّ منذ عشرين سنة، فيحدّث به في العلانية. قال ٱبن عطية: وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح، وقد طوّل النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة، ولم يمرّ بي في هذا صحيح إلا ما كان في كتاب مسلم من: أن للصلاة شيطاناً يسمى خُنْزب. وذكر الترمذي: أن للوضوء شيطاناً يسمى الولهان.

قلت: أما ما ذُكر من التعيين في الاسم فصحيح؛ وأما أن له أتباعاً وأعواناً وجنوداً فمقطوع به، وقد ذكرنا الحديث الصحيح في أن له أولاداً من صلبه، كما قال مجاهد وغيره. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدّثهم بالحديث من الكذب فيتفرّقون فيقول الرجل منهم سمعت رجلاً أعرف وجهه ولا أدري ما ٱسمه يحدّث. وفي مسند البَزّار

عن سلمان الفارسي قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا تكونن إن استطعت أوّل من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصِب رايته. وفي مسند أحمد بن حنبل قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك قال حدّثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ عن أبي موسى الأشعري قال: إذا أصبح إبليس بثّ جنوده فيقول من أضل مسلماً ألبستُه التاج قال فيقول له القائل لم أزل بفلان حتى طلّق زوجته، قال: يوشِك أن يتزوّج. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى عَقّ؛ قال: يوشِك أن يَبَرّ. قال ويقول القائل: لم أزل بفلان حتى شَرِب؛ قال: أنت! قال ويقول: لم أزل بفلان حتى زنى؛ قال: أنت! قال ويقول: لم أزل بفلان حتى قتل؛ قال: أنت أنت! وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلتُ كذا وكذا فيقول ما صنعتَ شيئاً قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركتُه حتى فرّقتُ بينه وبين أهله قال فيُدنيه أو قال فيلتزمه ويقول نعم أنت». وقد تقدّم. وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد المعطي بثَغْر الإسكندرية يقول: إن شيطاناً يقال له البيضاوي يتمثل للفقراء المواصلين في الصيام فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم يكشف لهم عن ضياء ونور حتى يملأ عليهم البيوت فيظنّون أنهم قد وصلوا وأن ذلك من الله وليس كما ظنوا.

مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا ۝٥١ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا ۝٥٢ وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًا ۝٥٣

قوله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} قيل: الضمير عائد على إبليس وذريته؛ أي لم أشاورهم في خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقتهم على ما أردت. وقيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض «ولا خلق أنفسهم» أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني؟. وقيل: الكناية في قوله: «مَا أَشْهَدْتُهُمْ» ترجع إلى المشركين، وإلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجّمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يتخوّض في هذه الأشياء. وقال ابن عطية: وسمعت أبي رضي الله عنه يقول: سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ المهدويّ بالمهدية يقول: سمعت عبد الحق الصقليّ يقول هذا القول، ويتأوّل هذا التأويل في هذه الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر هذا بعض الأصوليين. قال ابن عطية وأقول: إن الغرض المقصود أولاً بالآية هم إبليس وذريته؛ وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة، وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن؛ حين يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي؛ إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأوّل بالمضلّين؛ وتندرج هذه الطوائف في معناهم. قال الثعلبي: وقال بعض أهل العلم «مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» ردّ على المنجّمين أن قالوا: إنّ الأفلاك تُحدث في الأرض وفي بعضها في بعض، وقوله: «والأرضِ» ردّ على أصحاب الهندسة حيث قالوا: إن الأرض كريّة والأفلاك تجري تحتها، والناس ملصَقون عليها وتحتها، وقوله: «ولا خلق أنفسهم» ردّ على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس. وقرأ أبو جعفر «ما أشهدناهم» بالنون والألف على التعظيم. الباقون بالتاء بدليل قوله: «وما كنت متخذ» يعني ما استعنتهم على خلق السموات والأرض ولا شاورتهم. {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ} يعني الشياطين. وقيل: الكفار. {عَضُداً } أي أعواناً. يقال: اعتضدتُ بفلان إذا استعنتَ به وتقويتَ. والأصل فيه عضد اليد، ثم يوضع موضع العون؛ لأن اليد قوامها العضد. يقال: عَضَده وعَاضَدَه على كذا إذا أعانه وأعزّه. ومنه قوله:

{ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ }[القصص: 35] أي سنعينك بأخيك. ولفظ العضد على جهة المثَل، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد. وخصّ المضلّين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ. وقرأ أبو جعفر الجَحْدَريّ «وَمَا كُنْتَ» بفتح التاء؛ أي وما كنت يا محمد متخذ المضلّين عضدا. وفي عضد ثمانية أوجه: «عَضُداً» بفتح العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور، وهي أفصحها. و«عَضْداً» بفتح العين وإسكان الضاد، وهي لغة بني تميم. و«عُضُداً» بضم العين والضاد، وهي قراءة أبي عمرو والحسن. و«عُضْداً» بضم العين وإسكان الضاد، وهي قراءة عكرمة. و«عِضَداً» بكسر العين وفتح الضاد، وهي قراءة الضحاك. و«عَضَداً» بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر. وحكى هارون القارىء «عَضِداً». واللغة الثامنة «عِضْدا» على لغة من قال: كِتْف وفِخْذ.

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي اذكروا يوم يقول الله: أين شركائي؟ أي ادعوا الذين اشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي. وإنما يقول ذلك لعبدة الأوثان. وقرأ حمزة ويحيـى وعيسى بن عمر «نقول» بنون. الباقون بالياء؛ لقوله: «شركائي» ولم يقل: شركائنا. {فَدَعَوْهُمْ} أي افعلوا ذلك. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} أي لم يجيبوهم إلى نصرهم، ولم يكفّوا عنهم شيئاً. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} قال أنس بن مالك: هو وادٍ في جهنم من قيح ودم. وقال ابن عباس: أي وجعلنا بين المؤمنين والكافرين حاجزاً. وقيل: بين الأوثان وعبدتها، نحو قوله:

{ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ }[يونس: 28] قال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين فهو مَوْبق. وذكر ابن وهب عن مجاهد في قوله تعالى: «مَوْبِقا» قال وادٍ في جهنم يقال له مَوْبق. وكذلك قال نَوْف البِكَاليّ إلا أنه قال: يحجز بينهم وبين المؤمنين. عِكرمة: هو نهر في جهنم يسيل ناراً، على حافتيه حيات مثل البغال الدّهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا منها بالاقتحام في النار. وروى زيد بن درهم عن أنس بن مالك قال: «مَوْبقا» وادٍ من قيح ودم في جهنم. وقال عطاء والضحاك: مَهْلِكا في جهنم؛ ومنه يقال: أوبقته ذنوبه إِيباقا. وقال أبو عبيدة: موعداً للهلاك. الجوهري: وَبَق يبِق وبوقا هَلَك، والمَوْبِق مثل الموعد مَفعِل من وعد يعِد، ومنه قوله تعالى: «وجعلنا بينهم موبقا». وفيه لغة أخرى: وَبِق يَوْبَق وَبَقاً. وفيه لغة ثالثة: وَبِق يَبِق بالكسر فيهما، وأوبقه أي أهلكه. وقال زهير:

ومن يشتري حُسنَ الثَّناءِ بمالِهِيَصُنْ عِرضَه من كلّ شَنْعاء مُوبِقُ

قال الفرّاء: جعل تواصلهم في الدنيا مَهلِكا لهم في الآخرة.

قوله تعالى: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} «رأى» أصله رَأَيَ؛ قلبت الياء ألفاً لانفتاحها وانفتاح ما قبلها؛ ولهذا زعم الكوفيون أن «رأى» يكتب بالياء، وتابعهم على هذا القول بعض البصريين. فأما البصريون الحذّاق، منهم محمد بن يزيد فإنهم يكتبونه بالألف. قال النحاس: سمعت عليّ بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكل ما كان من ذوات الياء إلا بالألف، ولا فرق بين ذوات الياء وبين (ذوات) الواو في الخط، كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ، ولو وجب أن يكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن يكتب ذوات الواو بالواو، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون رمى بالياء ورماه بالألف، فإن كانت العلة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء، ثم يكتبون ضُحاً جمع ضَحْوة، وكُساً جمع كِسوة، وهما من ذوات الواو بالياء، وهذا ما لا يحصل ولا يثبت على أصل. {فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} «فظنّوا» هنا بمعنى اليقين والعلم، كما قال:

فَقلْتُ لهمْ ظُـنُّوا بأَلْفَيْ مُدَجَّج

أي أيقنوا؛ وقد تقدّم. قال ابن عباس: أيقنوا أنهم مواقعوها. وقيل: رأوها من مكان بعيد فتوهموا أنهم مواقعوها، وظنوا أنها تأخذهم في الحال. وفي الخبر: «إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة». والمواقعة ملابسة الشيء بشدّة. (وعن علقمة أنه قرأ) «فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُلاَفُّوها» أي مجتمعون فيها، واللَّفَف الجمع. {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} أي مَهْرَباً لإحاطتها بهم من كل جانب. وقال القتبي: مَعْدِلا ينصرفون إليه. وقيل: ملجأ يلجأون إليه؛ والمعنى واحد. وقيل: ولم تجد الأصنام مصرِفاً للنار عن المشركين.

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ۝٥٤ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًا ۝٥٥ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَٰتِى وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًا ۝٥٦ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًا ۝٥٧ وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًا ۝٥٨ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ أَهْلَكْنَٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ۝٥٩

قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية. الثاني: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية وقد تقدم في «سبحان»؛ فهو على الوجه الأوّل زجر، وعلى الثاني بيان. {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي جدالاً ومجادلة، والمراد به النضر بن الحارث وجداله في القرآن. وقيل: الآية في أبيّ بن خلف. وقال الزجاج: أي الكافر أكثر شيء جدلاً؛ والدليل على أنه أراد الكافر قوله: «ويُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالْبَاطِلِ». وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار فيقول الله له: ما صنعتَ فيما أرسلتُ إليك فيقول: رب آمنتُ بك وصدّقت برسلك وعملتُ بكتابك فيقول الله له: هذه صحيفتك ليس فيها شيء من ذلك فيقول: يا رب إني لا أقبل ما في هذه الصحيفة فيقال له هذه الملائكة الحفظة يشهدون عليك فيقول: ولا أقبلهم يا رب وكيف أقبلهم ولا هم من عندي ولا من جهتي فيقول الله تعالى: هذا اللوح المحفوظ أمّ الكتاب قد شهد بذلك فقال: يا رب ألم تُجرني من الظلم قال: بلى فقال: يا رب لا أقبل إلا شاهداً عليّ من نفسي فيقول الله تعالى الآن نبعث عليك شاهداً من نفسك فيتفكر من ذا الذي يشهد عليه من نفسه فيختم على فيه ثم تنطق جوارحه بالشرك ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام فيدخل النار وإنّ بعضه ليلعن بعضاً يقول لأعضائه: لعنكنّ الله فعنكنّ كنتُ أناضل فتقول أعضاؤه: لعنك الله أفتعلم أن الله تعالى يُكْتَم حديثاً فذلك قوله تعالى: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} أخرجه مسلم بمعناه من حديث أنس أيضاً. وفي صحيح مسلم عن عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال: «ألا تصلّون»فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا؛ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}».

قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي القرآن والإسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام. {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي سنتنا في إهلاكهم؛ أي ما منعهم عن الإيمان إلا حكمي عليهم بذلك؛ ولو حكمت عليهم بالإيمان آمنوا. وسنة الأوّلين عادة الأوّلين في عذاب الاستئصال. وقيل: المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن تأتيهم سنة الأوّلين فحذف. وسنة الأوّلين معاينة العذاب، فطلب المشركون ذلك، وقالوا:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ }[الأنفال: 32] الآية. {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} نصب على الحال، ومعناه عِيانا؛ قاله ابن عباس. وقال الكلبيّ: هو السيف يوم بَدْر. وقال مقاتل: فجأة. وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة ويحيـى والكسائي «قُبُلاً» بضمتين أرادوا به أصناف العذاب كلّه؛ جمع قبيل نحو سَبِيل وسُبُل. النحاس: ومذهب الفراء أن «قُبُلا» جمع قَبِيل أي متفرّقاً يتلو بعضه بعضاً. ويجوز عنده أن يكون المعنى عِيانا. وقال الأعرج: وكانت قراءته «قُبُلاً» معناه جميعاً. وقال أبو عمرو: وكانت قراءته «قِبَلاً» ومعناه عِيانا.

قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} أي بالجنة لمن آمن. {وَمُنذِرِينَ} أي مخوّفين بالعذاب من كفر. وقد تقدّم. {وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} قيل: نزلت في المقتسمين، كانوا يجادلون في الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقولون: ساحر ومجنون وشاعر وكاهن كما تقدّم. ومعنى «يُدحِضوا» يزيلوا ويبطلوا. وأصل الدَّحْض الزَّلَق. يقال: دَحَضتْ رِجلُه أي زَلِقت، تَدْحَض دَحْضاً، ودَحَضِتِ الشمسُ عن كبد السماء زالت، ودَحَضَت حُجّته دُحوضاً بَطلت، وأدحضها الله. والإدحاض الإزلاق. وفي وصف الصراط:

ويُضرَب الجِسرُ على جهنم وتَحِلُّ الشفاعةُ فيقولون اللهم سَلِّم سَلِّم» قيل: يا رسول الله وما الجِسر؟ قال:«دَحْضٌ مَزْلَقةأي تَزلَق فيه القدم. قال طَرَفة:

أبا منذِرٍ رُمْتَ الوفاءَ فهِبتَهُوحِدْتَ كما حَادَ البعِيرُ عن الدَّحْضِ

{وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي} يعني القرآن {وَمَا أُنْذِرُواْ} من الوعيد {هُزُواً }. و«ما» بمعنى المصدر أي والإنذار. وقيل: بمعنى الذي؛ أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزواً أي لعباً وباطلاً؛ وقد تقدّم في «البقرة» بيانه. وقيل: هو قول أبي جهل في الزُّبد والتمّر هذا هو الزقّوم. وقيل: هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأوّلين، وقالوا للرسول: «هَلْ هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»، { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف: 31] و { مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً }[البقرة: 26].

قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه، فتهاون بها وأعرض عن قبولها. {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها؛ فالنسيان هنا بمعنى الترك. وقيل: المعنى نسي ما قدّم لنفسه وحصّل من العذاب؛ والمعنى متقارب. {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} بسبب كفرهم؛ أي نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم. {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} أي إلى الإيمان {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} نزل في قوم معينين، وهو يردّ على القَدَرية قولهم؛ وقد تقدّم معنى هذه الآية في «سبحان» وغيرها.

قوله تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي للذنوب. وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة بدليل قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }[النساء: 48]. «ذو الرحمة» فيه أربع تأويلات: أحدها: ذو العفو. الثاني: ذو الثواب؛ وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر. الثالث: ذو النعمة. الرابع: ذو الهدى؛ وهو على هذين الوجهين يعم أهل الإيمان والكفر، لأنه ينعِم في الدنيا على الكافر كإنعامه على المؤمن. وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. ومعنى قوله: {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ} أي من الكفر والمعاصي {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} ولكنه يمهل. {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} أي أجل مقدّر يؤخرون إليه. نظيره { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ }[الأنعام: 67]، { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ }[الرعد: 38] أي إذا حلّ لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة. {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ} أي ملجأ؛ قاله ابن عباس وابن زيد، وحكاه الجوهريّ في الصحاح. وقد وَأَلَ يَئِلُ وَأْلاً وَوُءُولاً على فُعول أي لجأ، ووَاءَل منه على فاعل أي طلب النجاة. وقال مجاهد: مَحْرِزاً. قتادة: وليًّا. أبو عبيدة: مَنْجًى. وقيل: مَحيصاً؛ والمعنى واحد. والعرب تقول: لا وَأَلتْ نفسُه أي لا نَجَت؛ ومنه قول الشاعر:

لا وَأَلتْ نفسُك خَلَّيْتَهَاللعامِرِيَّيْنِ ولم تُكْلَم

وقال الأعشى:

وقد أخَالِسُ رَبَّ البيتِ غَفْلَتهُوقد يُحاذِرُ منّي ثم ما يَئِلُ

أي ما ينجو.

قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ} «تلك» في موضع رفع بالابتداء. «القرى» نعت أو بدل. و«أهلكناهم» في موضع الخبر محمول على المعنى؛ لأن المعنى أهل القرى. ويجوز أن تكون «تلك» في موضع نصب على (قول) من قال: زيداً ضربته؛ أي وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم، نحو قُرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط أهلكناهم لما ظلموا وكفروا. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} أي وقتاً معلوماً لم تَعْدُه. و«مُهْلَك» من أُهلِكوا. وقرأ عاصم «مَهْلَكِهِم» بفتح الميم واللام وهو مصدر هَلَك. وأجاز الكسائي والفراء «لِمَهْلِكِهِم» بكسر اللام وفتح الميم. النحاس: (قال الكسائي) وهو أحبّ إليّ لأنه من هلك. الزجاج: مَهْلكْ اسم للزمان والتقدير: لوقت مَهْلِكهم، كما يقال: أتت الناقة على مَضْرِبِها.

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ۝٦٠

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ} الجمهور من العلماء وأهل التاريخ أنه موسى بن عِمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره. وقالت فرقة منها نَوْف البِكَاليّ: إنه ليس ابن عمران وإنما هو موسى بن منشا بن يوسف بن يعقوب وكان نبياً قبل موسى بن عمران. وقد ردّ هذا القول ابن عباس في صحيح البخاري وغيره. وفتاه: هو يوشع بن نون. وقد مضى ذكره في «المائدة» وآخر «يوسف». ومن قال هو ابن منشا فليس الفتى يوشع بن نون. «لاَ أَبْرَحُ» أي لا أزال أسِير؛ قال الشاعر:

وأَبرحُ ما أدامَ اللَّهُ قَومِيبحمد الله مُنْتَطِقاً مُجِيدَا

وقيل: «لاَ أَبْرَحُ» لا أفارقك. {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي ملتقاهما. قال قتادة: وهو بحر فارس والروم؛ وقاله مجاهد. قال ابن عطية: وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أَذْرَبِيجان، فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بَرّ الشام هو مجمع البحرين على هذا القول. وقيل: هما بحر الأرْدُنّ وبحر القُلْزُم. وقيل: مجمع البحرين عند طنجة؛ قاله محمد بن كعب. وروي عن أبيّ بن كعب أنه بأفريقية. وقال السدي: الكُرّوالرَّسُّ بأرمينية. وقال بعض أهل العلم: هو بحر الأندلس من البحر المحيط؛ حكاه النقاش؛ وهذا مما يذكر كثيراً. وقالت فرقة: إنما هما موسى والخضر؛ وهذا قول ضعيف؛ وحكي عن ابن عباس، ولا يصح؛ فإن الأمر بيِّن من الأحاديث أنه إنما وُسِم له بحر ماء. وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال: أنا فعتَب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه فأوحى الله إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مِكتَل فحيثما فَقدتَ الحُوت فهو ثَمَّوذكر الحديث، واللفظ للبخاري. وقال ابن عباس: لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكرّهم بأيام الله، فخطب قومه فذكّرهم ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوّهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لنفسه، وألقى عليّ محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا؛ فقال له رجل من بني إسرائيل: عَرَفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا؛ فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبريل: أن يا موسى وما يدريك أين (أضع) علمي؟ بلىٰ إن لي عبداً بمجمع البحرين أعلم منك؛ وذكر الحديث. قال علماؤنا: وقوله في الحديثهو أعلم منكأي بأحكام وقائع مفصَّلة، وحُكم نوازل معينة، لا مطلقاً، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علّمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علّمنيه لا تعلمه أنت، وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه واحد منهما ولا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة؛ وهمته العالية، لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك؛ فعزم فسأل سؤال الذليل بكيف السبيل، فأمر بالارتحال على كل حال. وقيل له احمل معك حوتاً مالحا في مِكْتل ـ وهو الزنبيل ـ فحيث يحيا وتفقده فثَمَّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، مجتهداً طالباً قائلاً: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين}. {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} بضم الحاء والقاف وهو الدهر، والجمع أحقاب. وقد تسكن قافه فيقال: حُقْب. وهو ثمانون سنة. ويقال: أكثر من ذلك. والجمع حِقاب. والحِقْبة بكسر الحاء واحدة الحقُب وهي السنون.

الثانية: في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وذلك في دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام، قال البخاري: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث.

الثالثة: قوله تعالى: {وَإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} للعلماء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان معه يخدمه، والفتى في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتياناً قيل للخادم فتى على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم:

لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فَتايَ وفتاتيفهذا ندبٌ إلى التواضع؛ وقد تقدم هذا في «يوسف». والفتى في الآية هو الخادم وهو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام. ويقال: هو ابن أخت موسى عليه السلام. وقيل: إنما سمي فتى موسى لأنه لزمه ليتعلم منه وإن كان حراً؛ وهذا معنى الأوّل. وقيل: إنما سماه فتى لأنه قام مقام الفتى وهو العبد، قال الله تعالى: { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ }[يوسف: 62] وقال: { تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ }[يوسف: 30] قال ابن العربي: فظاهر القرآن يقتضي أنه عبد، وفي الحديث: أنه كان يوشع بن نون. وفي «التفسير» أنه ابن أخته، وهذا كله مما لا يُقطع به، والتوقف فيه أسلم.

الرابعة: قوله تعالى: «أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً» قال عبد الله بن عمرو: الحُقب ثمانون سنة. مجاهد: سبعون خريفاً. قتادة: زمان. النحاس: الذي يعرفه أهل اللغة أن الحُقب والحِقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود؛ كما أن رهطاً وقوماً مبهم غير محدود: وجمعه أحقاب.

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًا ۝٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ۝٦٢ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا ۝٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ۝٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ۝٦٥

قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} الضمير في قوله: «بينهما» للبحرين؛ قاله مجاهد. والسَّرَب المسلك؛ قاله مجاهد أيضاً. وقال قتادة: جَمَد الماء فصار كالسَّرَب. وجمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغاً، وأن موسى مشى عليه متبعاً للحوت، حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها وجد الخضر. وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر. وقوله: «نسيا حوتهما» وإنما كان النسيان من الفتى وحده فقيل: المعنى؛ نسي أن يُعلِم موسى بما رأى من حاله فنسب النسيان إليهما للصحبة، كقوله تعالى:

{ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }[الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح، وقوله: {يا معشر الجِن والإنس ألم يأتِكم رسل مِنكم} وإنما الرسل من الإنس لا من الجن. وفي البخاري؛ فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلَّفتَ كبيراً؛ فذلك قوله عز وجل: {وإذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون ـ ليست عن سعيد ـ قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكانٍ ثَرْيَانَ إذ تضرَّب الحوتُ وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه؛ حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتَضَرَّبَ الحوتُ حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جِرْيَةَ البحرِ حتى كأنّ أثرَه في حَجَر؛ قال لي عمرو: هكذا كأنّ أثره في حَجَر وحَلَّقَ بين إبهاميه واللتين تَلِيانِهِما. وفي رواية: وأمسك الله عن الحوت جِرْية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبُه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} ولم يجد موسى النَّصَبَ حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}. وقيل: إن النسيان كان منهما لقوله تعالى: «نسِيا» فنسب النسيان إليهما؛ وذلك أن بدو حمل الحوت كان من موسى لأنه الذي أمر به، فلما مضيا كان فتاه هو الحامل له حتى أويا إلى الصخرة نزلا؛ {فَلَمَّا جَاوَزَا} يعني الحوت هناك منسياً ـ أي متروكاً ـ فلما سأل موسى الغداء نسب الفتى النسيان إلى نفسه عند المخاطبة، وإنما ذكر الله نسيانهما عند بلوغ مجمع البحرين وهو الصخرة، فقد كان موسى شريكاً في النسيان؛ لأن النسيان التأخير؛ من ذلك قولهم في الدعاء: أنسأ الله في أجلِك. فلما مضيا من الصخرة أخّرا حوتهما عن حمله فلم يحمله واحد منهما، فجاز أن ينسب إليهما لأنهما مضيا وتركا الحوت.

قوله تعالى: {آتِنَا غَدَآءَنَا} فيه مسألة واحدة، وهو اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو ردٌّ على الصوفية الجهلة الأغمار، الذين يقتحمون المهامه والقِفار، زعماً منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار؛ هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد. وفي صحيح البخاري: إن ناساً من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزوّدون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى

{ وَتَزَوَّدُواْ }[البقرة: 197]. وقد مضى هذا في «البقرة». واختلف في زاد موسى ما كان؛ فقال ابن عباس: كان حوتاً مملوحاً في زنبيل، وكانا يصيبان منه غداء وعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المِكتل، فأصاب الحوت جري البحر فتحرك الحوت في المكتل، فقلب المكتل وانسرب الحوت، ونسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى. وقيل: إنما كان الحوت دليلاً على موضع الخضر لقوله في الحديث:احمل معك حوتاً في مِكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثَمَّ، على هذا فيكون تَزوَّدا شيئاً آخر غير الحوت، وهذا ذكره شيخنا الإمام أبو العباس واختاره. وقال ابن عطية: قال أبي رضي الله عنه، سمعت أبا الفضل الجوهريّ يقول في وعظه: مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بَشَر لحقه الجوع في بعض يوم. وقوله: «نَصَباً» أي تعباً، والنصب التعب والمشقة. وقيل: عنى به هنا الجوع، وفي هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في الرضا، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط. وفي قوله: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} أن مع الفعل بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في «أنسانيه» وهو بدل الظاهر من المضمر، أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان؛ وفي مصحف عبد الله «وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان». وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار لقول موسى: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت؛ فقال: ما كَلَّفتَ كبيراً؛ فاعتذر بذلك القول.

قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى؛ أي اتخذ الحوت سبيله عجباً للناس. ويحتمل أن يكون قوله: «واتخذ سبيله في البحر» تمام الخبر، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه: «عجباً» لهذا الأمر. وموضع العجب أن يكون حوت قد مات فأكل شقّه الأيسر ثم حيي بعد ذلك. قال أبو شجاع في كتاب «الطبري»: رأيته ـ أتيت به ـ فإذا هو شقّ حوت وعين واحدة، وشق آخر ليس فيه شيء. قال ابن عطية: وأنا رأيته والشقّ الذي ليس فيه شيء عليه قشرة رقيقة ليست تحتها شوكة. ويحتمل أن يكون قوله: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ} إخباراً من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجباً، أي تعجب منه، وإمّا أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجباً للناس. ومن غريب ما روي في البخاريّ عن ابن عباس من قصص هذه الآية: أن الحوت إنما حَيِيَ لأنه مسّه ماء عين هناك تدعى عين الحياة، ما مست قط شيئاً إلا حَيِيَ. وفي «التفسير»: إن العلامة كانت أن يحيا الحوت؛ فقيل: لما نزل موسى بعد ما أجهده السفر على صخرة إلى جنبها ماء الحياة أصاب الحوت شيء من ذلك الماء فَحَيِيَ. وقال الترمذي في حديثه قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها شيئاً إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش. وذكر صاحب كتاب «العروس» أن موسى عليه السلام توضأ من عين الحياة فقطرت من لحيته على الحوت قطرة فحيي؛ والله أعلم.

قوله تعالى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى} أي قال موسى لفتاه أمرُ الحوت وفقدُه هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثَمَّ؛ فرجعا يقصّان آثارهما لئلا يخطئا طريقهما. وفي البخاري: فوجدا خضراً على طنْفِسة خضراء على كَبِد البحر مُسَجًّى بثوبه، قد جعل طَرفَه تحت رجليه، وَطَرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك من سلام؟ٰ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتُ لتعلّمني مما علّمت رشدا؛ الحديث. وقال الثعلبيّ في كتاب «العرائس»: إن موسى وفتاه وجدا الخضر وهو نائم على طِنْفِسة خضراء على وجه الماء وهو مُتَّشِح بثوب أخضر فسلّم عليه موسى، فكشف عن وجهه فقال: وأَنَّى بأرضنا السلام؟ٰ ثم رفع رأسه واستوى جالساً وقال: وعليك السلام يا نبيّ بني إسرائيل، فقال له موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أنّي نبيّ بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي ودَلَّك عليّ؛ ثم قال: يا موسى لقد كان لك في بني إسرائيل شغل، قال موسى: إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم من علمك، ثم جلسا يتحدّثان، فجاءت خُطَّافة وحملت بمنقارها من الماء؛ وذكر الحديث على ما يأتي.

قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} العبد هو الخضر عليه السلام في قول الجمهور، وبمقتضى الأحاديث الثابتة. وخالف من لا يعتد بقوله، فقال: ليس صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر. وحكى أيضاً هذا القول القشيريّ، قال: وقال قوم هو عبد صالح، والصحيح أنه كان الخضر؛ بذلك ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: سمي الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله. وروى الترمذيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنما سُمّي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراءهذا حديث صحيح غريب. الفروة هنا وجه الأرض؛ قاله الخطّابي وغيره. والخضر نبيّ عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبيّ، والآية تشهد بنبوّته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضاً فإن الإنسان لا يتعلم ولا يَتَّبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبيّ من ليس بنبيّ. وقيل: كان مَلَكاً أمر الله موسى أن يأخذ عنه مما حمله من علم الباطن. والأوّل الصحيح؛ والله أعلم.

قوله تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} الرحمة في هذه الآية النبوة. وقيل: النعمة. {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} أي علم الغيب. ابن عطية: كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه، لا تُعطى ظواهرُ الأحكام أفعاله بحسبها؛ وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ