انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الممتحنة

تفسير الطبريالآيات 1–10

تفسير سورة الممتحنة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الممتحنة

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 19:17

  1. 1 الآيات 1–6في هذه الصفحة 9:11
  2. 2 الآيات 7–13في هذه الصفحة 10:06

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ۝١

قال أبو جعفر: يقول: تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوّي} من المشركين {وَعَدُوَّكُمْ أوْلياءَ} يعني أنصاراً.

وقوله: {تُلْقُونَ إلَيْهمْ بالمَوَدَّة} يقول جلّ ثناؤه: تلقون إليهم مودّتكم إياه. ودخول الباء في قوله: {بالمَوَدَّةِ} وسقوطها سواء، نظير قول القائل: أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهب سواء، وكقوله:

{ { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظُلْمٍ } } والمعنى: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم ومن ذلك قول الشاعر:

فَلَمَّا رَجَتْ بالشُّرْبِ هَزَّ لَهَا الْعَصَاشَحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الإزَاءِ نَهِيمُ

بمعنى: فلما رجت الشربَ.

{وقد كَفَرُوا بِمَا جاءَكُمْ مِنَ الحَقّ} يقول: وقد كفر هؤلاء المشركون الذين نهيتكم أن تتخذوهم أولياء بما جاءكم من عند الله من الحقّ، وذلك كفرهم بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله على رسوله.

وقوله: {يَخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكُمْ أنْ تُؤْمِنُوا باللَّهِ رَبِّكُمْ} يقول جلّ ثناؤه: يخرجون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإياكم، بمعنى: ويخرجونكم أيضاً من دياركم وأرضكم، وذلك مشركي قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة.

وقوله: {أن تؤْمِنُوا باللَّهِ رَبِّكُمْ} يقول جلّ ثناؤه: يخرجون الرسول وإياكم من دياركم، لأن آمنتم بالله.

وقوله: {إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلي وَابْتِغاءَ مَرْضَاتِي} من المؤخر الذي معناه التقديم، ووجه الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقّ إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي، وابتغاء مرضاتي {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم}. ويعني بقوله تعالى ذكره: {إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلي}: إن كنتم خرجتم من دياركم، فهاجرتم منها إلى مهاجرَكم للجهاد في طريقي الذي شرعته لكم، وديني الذي أمرتكم به. والتماس مرضاتي.

وقوله: {تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بالمَوَدَّةِ} يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسرّون أيها المؤمنون بالمودّة إلى المشركين بالله {وأنا أعْلَمُ بِمَا أخْفَيْتُمْ} يقول: وأنا أعلم منكم بما أخفى بعضكم من بعض، فأسره منه {وَما أعْلَنْتُمْ} يقول: وأعلم أيضاً منكم ما أعلنه بعضكم لبعض {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبيلِ} يقول جلّ ثناؤه: ومن يسرُّ منكم إلى المشركين بالمودّة أيها المؤمنون فقد ضلّ: يقول: فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقاً إلى الجنة ومحجة إليها.

وذُكر أن هذه الآيات من أوّل هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بَلتعة، وكان كتب إلى قُرَيش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباريّ، والفضل بن الصباح قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن عليّ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزُّبير بن العوّام والمقداد قال الفضل قال سفيان: نفر من المهاجرين فقال:

انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منهافانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فوجدنا امرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ليس معي كتاب، قلنا: لتخرجنّ الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عِقَاصها، وأخذنا الكتاب فانطلقنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا حاطِبُ ما هَذَا؟قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ كنت امرأ ملصقاً في قريش، ولم يكن لي فيهم قرابة، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ فيها يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:قَدْ صَدَقَكُمْفقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال:إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرِ فَقال: اعْمَلُوا ما شِئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْزاد الفضل في حديثه، قال سفيان: ونزلت فيه {يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ}... إلى قوله { حتَّى تُؤْمِنُوا باللَّهِ وَحْدَهُ }

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرّة الجملي، عن أبي البختري الطائي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: لما أردا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة، أسرّ إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة. فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يريدكم، قال: فبعثني النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال:

ائْتُوا رَوْضَةَ خاخ، فإنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بِها امْرأةً وَمَعَها كِتاب، فَخذُوهُ مِنْها فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقلنا: هاتي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشنا، فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها، فقلت: ما كذَب النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا كذبَ، فقلنا: أخرجي الكتاب، وإلا عريناك قال عمرو بن مرّة: فأخرجته من حُجْزَتها، وقال حبيب: أخرجته من قبلها فأتينا به النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فقام عمر فقال: خان الله ورسوله، ائذن لي أضرب عنقه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:ألْيسَ قَدْ شَهِدَ بَدْراً؟قال: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:فَلَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْل بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ »، ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، فأرسل إلى حاطب، فقال:ما حملك على ما صنعت؟فقال: يا نبيّ الله إني كنت امرأ ملصقاً في قريش، وكان لي بها أهل ومال، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك، والله يا نبيّ الله إني لمؤمن بالله وبرسوله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:صَدَقَ حاطِبُ بْنُ أبي بَلْتَعَةَ، فَلا تَقُولُوا لِحاطِبَ إلاَّ خَيْراً »، فقال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله عزّ وجلّ: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ}... الآية.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياء تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بالمَوَدَّةِ}... إلى آخر الآية، نزلت في رجل كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة من قريش، كتب إلى أهله وعشيرته بمكة، يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته، فبعث إليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جُعْلاً، على أن تبلغه قريشاً، فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العوّام رضي الله عنهما، فقال:

أدرِكا امْرأةً قَدْ كَتَبَ مَعَها حاطِبٌ بكِتاب إلى قُرَيْش يُحَذّرُهُمْ ما قَدِ اجْتَمَعْنا لَهُ فِي أمْرِهِمْ »، فخرجا حتى أدركا بالحليفة، حليفة ابن أبي أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إني أحلف بالله ما كُذِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كُذِبنا، ولتخرِجِنّ إليّ هذا الكتاب، أو لنكشفنك فلما رأت الجدّ منه، قالت: أعرض عني، فأعرض عنها، فحلَّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، فقال:يا حاطب ما حَمَلَكَ على هَذَا؟فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ في القوم ليس لي أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:وَما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ الله قَدِ اطَّلَعَ على أصحَاب بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتم فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْفأنزل الله عزّ وجلّ في حاطب {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ...} إلى قوله { { وَإلَيْكَ أنَبْنا... } } إلى آخر القصة.

حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: لما نزلت: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ} في حاطب بن أبي بلتعة، كتب إلى كفار قريش كتاباً ينصح لهم فيه، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك، فأرسل علياً والزُّبير، فقال:

اذْهَبا فإنَّكُما سَتَجدَنِ امْرأةً بِمَكانِ كَذَا وكَذَا، فأتَيَا بكِتاب مَعَها »، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا: الكتاب الذي معك، قالت: ليس معي كتاب، فقالا: والله لا ندع معك شيئاً إلا فتِّشناه، أو تخرجينه، قالت: أولستم مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن معك كتاباً قد أيقنت أنفسنا أنه معك فلما رأت جدّهما أخرجت كتاباً من بين قرونها، فذهبا به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار قريش، فدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:أنْت كَتَبْت هَذَا الكِتاب؟قال: نعم، قال:ما حَمَلَكَ على ذَلكَ؟قال: أما والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرأ غريباً فيكم أيُّها الحيّ من قريش، وكان لي بمكة مال وبنون، فأردت أن أدفع بذلك عنهم، فقال عمر رضي الله عنه: ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:مَهْلاً يا بْن الخَطَّاب، وما يُدْرِيكَ لَعَل الله قَدِ اطَّلَع إلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فأنّي غافِرٌ لَكُمْقال الزهري: فيه نزلت حتى {غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ}... إلى قوله

{ { بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } } في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة، ومن معه كفار قريش يحذرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ...} حتى بلغ {سَوَاء السَّبِيلِ}: ذُكر لنا أن حاطباً كتب إلى أهل مكة يخبرهم سير النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم زمن الحديبية، فأطلع الله عزّ وجلّ نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك، وذُكر لنا أنهم وجدوا الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها، فدعاه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقال:

ما حَمَلَكَ على الذِي صَنَعْتَ؟قال: والله ما شَكَكْتُ في أمر الله، ولا ارتددت فيه، ولكن لي هناك أهلاً ومالاً، فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي. وذُكر لنا أنه كان حليفاً لقريش لم يكن من أنفسهم، فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك القرآن، فقال: { { إنْ يَثْقَفُوكُمْ يكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسِطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وألْسِنَتَهُمْ بالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ } }.

إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا۟ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ ۝٢ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝٣

يقول تعالى ذكره: إن يثقفكم هؤلاء الذين تسرّون أيها المؤمنون إليهم بالمودّة، يكونوا لكم حرباً وأعداء {وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ} بالقتال {وألْسِنَتَهُمْ بالسُّوءِ}.

وقوله: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} يقول: وتمنوا لكم أن تكفروا بربكم، فتكونوا على مثل الذي هم عليه.

وقوله: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أرْحامُكُمْ وَلا أوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ} يقول تعالى ذكره: لا يدعونكم أرحامكم وقراباتكم وأولادكم إلى الكفر بالله، واتخاذ أعدائه أولياء تلقون إليهم بالمودّة. فإنه لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم عند الله يوم القيامة، فتدفع عنكم عذاب الله يومئذ، إن أنتم عصيتموه في الدنيا، وكفرتم به.

وقوله: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} يقول جلّ ثناؤه: يفصل ربكم أيها المؤمنون بينكم يوم القيامة بأن يدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معاصيه والكفر به النار.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة ومكة والبصرة: «يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ» بضم الياء وتخفيف الصاد وفتحها، على ما لم يسمّ فاعله. وقرأه عامة قرّاء الكوفة خلا عاصم بضم الياء وتشديد الصاد وكسرها بمعنى: يفصل الله بينكم أيها القوم. وقرأه عاصم بفتح الياء وتخفيف الصاد وكسرها، بمعنى يفصل الله بينكم. وقرأ بعض قرّاء الشام «يُفَصَّلُ» بضم الياء وفتح الصاد وتشديدها على وجه ما لم يسم فاعله.

وهذه القراءات متقاربات المعاني صحيحات في الإعراب، فبأيتها قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {واللَّهُ بِمَا تَعْمَلونَ بَصِيرٌ} يقول جلّ ثناؤه: والله بأعمالكم أيها الناس ذو علم وبصر، لا يخفى عليه منها شيء، هو بجميعها محيط، وهو مجازيكم بها إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، فاتقوا الله في أنفُسكم واحذروه.

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ۝٤

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كان لكم أيها المؤمنون أُسوة حسنة: يقول: قدوة حسنة في إبراهيم خليل الرحمن، تقتدون به، والذين معه من أنبياء الله، كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عزّ وجل: {قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبراهِيمُ وَالَّذِينَ مَعَهُ} قال: الذين معه الأنبياء.

وقوله: {إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يقول: حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله، وعبدوا الطاغوت: أيها القوم إنا برآء منكم، ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد.

وقوله: {كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ العَدَوَاةُ والبَغْضَاءُ أبَداً حتى تؤْمِنُوا باللَّهِ وَحْدَهُ} يقول جلّ ثناؤه مخبراً عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة: كفرنا بكم، أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن تكون حقاً، وظهر بيننا وبينكم العدواة والبغضاء أبداً على كفركم بالله، وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا هوادة، حتى تؤمنوا بالله وحده، يقول: حتى تصدّقوا بالله وحده، فتوحدوه، وتفردوه بالعبادة.

وقوله: {إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنْ الله مِنْ شَيْءٍ} يقول تعالى ذكره: قد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها من مباينة الكفار ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم لأبيه {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدوّ الله فلما تبين له أنه عدّو لله تبرأ منه. يقول تعالى ذكره: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله، فتبرّءوا من أعداء الله من المشركين به ولا تتخذوا منهم أولياء يؤمنوا بالله وحده ويتبرّءوا عن عبادة ما سواه وأظهروا لهم العداوة والبغضاء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} قال: نُهُوا أن يتأسَّوْا باستغفار إبراهيم لأبيه، فيستغفروا للمشركين.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن مطرِّف الحارثي، عن مجاهد: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ}... إلى قوله {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} يقول: في كلّ أمر أسوة، إلا الاستغفار لأبيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ}... الآية، ائتسوا به في كلّ شيء، ما خلا قوله لأبيه: {لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فلا تأتسوا بذلك منه، فإنها كانت عن موعدة وعدها إياه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} يقول: لا تأسوا بذلك فإنه كان عليه موعداً، وتأسوا بأمره كله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: {قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}... إلى قوله: {إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} قال: يقول: ليس لكم في هذا أُسوة.

ويعني بقوله: {وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} يقول: وما أدفع عنك من الله من عقوبة، إن الله عاقبك على كفرك به، ولا أُغُنِي عنك منه شيئاً.

وقوله: {رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا} يقول جلّ ثناؤه مخبراً عن قيل إبراهيم وأنبيائه صلوات الله عليهم: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإلَيْكَ أنْبْنا} يعني: وإليك رجعنا بالتوبة مما تكره إلى ما تحبّ وترضى {وَإلَيْكَ المَصِيرُ} يقول: وإليك مصيرنا ومرجعنا يوم تبعثنا من قبورنا، وتحشرنا في القيامة إلى موقف العَرْض.

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٥ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٦

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل إبراهيم خليله والذين معه: يا ربَّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بك فجحدوا وحدانيتك، وعبدوا غيرك، بأن تسلطهم علينا، فيروا أنهم على حقّ، وأنا على باطل، فتجعلنا بذلك فتنة لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للَّذِينَ كَفَرُوا} قال لا تعذّبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حقّ ما أصابهم هذا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للَّذِينَ كَفَرُوا} قال: يقول: لا تظهرهم علينا فيَفْتَتنوا بذلك. يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقّ هم عليه.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للَّذِينَ كَفَرُوا} يقول: لا تسلِّطْهم علينا فيفتنونا.

وقوله: {وَاغُفِرْ لَنا رَبَّنا} يقول: واستر علينا ذنوبنا بعفوك لنا عنها يا ربنا، {إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ} يعني الشديد الانتقام ممن انتقم منه، الحكيم: يقول الحكيم في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما فيه صلاحهم.

وقوله: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} يقول تعالى ذكره لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة حسنة في الذين ذكرهم إبراهيم والذين معه من الأنبياء صلوات الله عليهم والرسل {لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ} يقول: لمن كان منكم يرجو لقاء الله، وثواب الله، والنجاة في اليوم الآخر.

وقوله {وَمَنْ يَتَوَلَّ فإنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيّ الْحَمِيدُ} يقول تعالى ذكره: ومن يتول عما أمره الله به وندبه إليه منكم ومن غيركم، فأعرض عنه وأدبر مستكبراً، ووالى أعداء الله، وألقى أليهم بالمودّة، فإن الله هو الغنيّ عن إيمانه به، وطاعته إياه، وعن جميع خلقه، الحميد عند أهل المعرفة بأياديه، وآلائه عندهم.

عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٧

يقول تعالى ذكره: عسى الله أيها المؤمنون أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من أعدائي من مشركي قريش مودّة، ففعل الله ذلك بهم، بأن أسلم كثير منهم، فصاروا لهم أولياء وأحزاباً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {عَسَى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدّةً} قال: هؤلاء المشركون قد فعل، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح.

وقوله: {واللَّه قَدِيرٌ} يقول: والله ذو قدرة على أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من المشركين مودّة {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يقول: والله غفور لخطيئة من ألقى إلى المشركين بالمودّة إذا تاب منها، رحيم بهم أن يعذّبهم بعد توبتهم منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {عَسَى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدّةً واللَّهُ قَدِيرٌ} على ذلك {واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر الذنوب الكثيرة، رحيم بعباده.

لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ۝٨

يقول تعالى ذكره: {لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ} من أهل مكة {وَلم يُخْرِجوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ} يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبرّكم بهم.

واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرّهم والإحسان إليهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لا يَنْهاكُمْ اللَّهُ عَن الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدّينِ} أن تستغفروا لهم، و {تبروّهم وتقسطوا إليهم} قال: وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.

وقال آخرون: عُنِي بها من غير أهل مكة مَنْ لم يهاجر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطيّ، قال: ثنا هارون بن معروف، قال: ثنا بشر بن السري، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وكانت لها أمّ في الجاهلية يقال لها قُتَيلة ابنة عبد العُزى، فأتتها بهدايا وصِنَاب وأقط وَسمْن، فقالت: لا أقبل لك هدية، ولا تدخلي عليّ حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {لا يَنْهاكُمْ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ...} إلى قوله: المُقْسِطِينَ.

قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قَدِمتْ قُتَيلة بنت عبد العُزى بن سعد من بني مالك بن حِسْل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، فذكر نحوه.

وقال آخرون: بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم قال: ونسخ الله ذلك بعدُ بالأمر بقتالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: {لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ}... الآية، فقال: هذا قد نسخ، نَسَخه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ}... الآية، قال: نسختها

{ { اقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ } }.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله {الَّذِينَ لَمْ يُقاتلُوكُمْ فِي الدّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكمْ مِنْ دِيارِكُمْ} جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصُصْ به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولانسب غير محرّم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح. قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} يقول: إن الله يحبّ المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحقّ والعدل من أنفسهم، فيبرّون من برّهم، ويُحْسنون إلى من أحسن إليهم.

إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٩

يقول تعالى ذكره: {إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} أيها المؤمنون {عَن الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدّين} من كفار أهل مكة {وأخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظَاهِرُوا على إخْرَاجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ} يقول: وعاونوا من أخرجكم من دياركم على إخراجكم أن تولوهم، فتكونوا لهم أولياء ونصراء {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} يقول: ومن يجعلهم منكم أو من غيركم أولياء {فأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} يقول: فأولئك هم الذين تولوا غير الذي يجوز لهم أن يتولوهم، ووضعوا ولايتهم في غير موضعها، وخالفوا أمر الله في ذلك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله {الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّين} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لآإنَّمَا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَن الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّين} قال: كفار أهل مكة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَٰتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا۟ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ وَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقُوا۟ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝١٠

يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ} النساء {المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ} من دار الكفر إلى دار الإسلام {فامْتَحِنُوهُن} وكانت محنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهن إذا قَدِمن مهاجرات، كما:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر الأسديّ، قال: سُئل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الحسن بن عطية، عن قيس، قال: أخبرنا الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس في {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ} قال كانت المرأة إذا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفها بالله ما خرجت... ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، أن عائشة قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن المؤمنات إلا بالآية، قال الله:

{ { إذَا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ على أنْ لا يُشْرِكْنَ باللَّهِ شَيْئاً } } ولا، ولا.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنّ بقول الله:

{ { يا أيُّها النَّبِيُّ إذَا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ } }... إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات، فقد أقرّ بالمحبة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهنّ قال لهنّ:انطلقن فقد بايعتكن »، ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قطّ، غير أنه بايعهنّ بالكلام قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قطّ، إلا بما أمره الله عزّ وجلّ، وكان يقول لهنّ إذا أخذ عليهنقد بايعتكنّ كلاماً

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ}... إلى قوله: {عَلِيمٌ حَكِيم} كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فامْتَحِنُوهُنَّ} قال: سلوهنّ ما جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمنّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فامْتَحِنُوهُنَّ} كانت محنتهنّ أن يستحلفن بالله «ما أخرجكنّ النشوز، وما أخرجكنّ إلاّ حبّ الإسلام وأهله، وحِرْصٌ عليه»، فإذا قلن ذلك قُبل ذلك منهنّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {فامْتَحِنُوهُنَّ} قال: يحلفن ما خرجن إلا رغبة في الإسلام، وحباً لله ورسوله.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه أو عكرمة {إذَا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ} قال: يقال: ما جاء بك إلا حبّ الله، ولا جاء بك عشق رجل منا، ولا فراراً من زوجك، فذلك قوله {فامْتَحِنُوهُنَّ}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كانت المرأة من المشركين إذا غضبت على زوجها، وكان بينه وبينها كلام، قالت: والله لأهاجرنّ إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال الله عزّ وجلّ: {إذَا جاءَكُمُ المُؤْمِنات مُهاجِرات فامْتَحِنُوهُنَّ} إن كان الغضب أتى بها فردّوها، وإن كان الإسلام أتى بها فلا تردّوها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، قال: كان امتحانهنّ إنه لم يُخْرِجْكِ إلا الدين.

وقوله: {اللَّهُ أعْلَمُ بإيمَانِهِنّ} يقول: الله أعلم بإيمان من جاء من النساء مهاجرات إليكم.

وقوله: {فإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّارِ} يقول: فإن أقررن عند المحنة بما يصحّ به عقد الإيمان لهنّ، والدخول في الإسلام، فلا تردّوهنْ عن ذلك إلى الكفار. وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن العهد كان جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش في صلح الحديبية أن يردّ المسلمون إلى المشركين من جاءهم مسلماً، فأبطل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات مهاجرات فامتحنّ، فوجدهنّ المسلمون مؤمنات، وصحّ ذلك عندهم مما قد ذكرنا قبل، وأمروا أن لا يردّوهنّ إلى المشركين إذا علم أنهنّ مؤمنات. وقال جل ثناؤه لهم: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّار لاهُنَّ حِلّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونُ لَهُنّ} يقول: لا المؤمنات حلّ للكفار ولا الكفار يحلون للمؤمنات. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار. ذكر بعض ما رُوي في ذلك من الأثر:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، قال: دخلت على عُرْوة بن الزُّبير، وهو يكتب كتاباً إلى ابن أبي هُنيد صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله عزّ وجلّ: {إذَا جاءَكُمُ المؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ}... إلى قوله {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وكتب إليه عُرْوة بن الزُّبير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشاً عام الحديبية على أن يردّ عليهم من جاء بغير إذن وليه فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام، أبى الله أن يُرْدَدْن إلى المشركين، إذا هنّ امْتَحنّ محنة الإسلام، فعرفوا أنهنّ إنما جئن رغبة فيه.

وقوله {وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا} يقول جلّ ثناؤه: وأعطوا المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات إذا علمتموهنّ مؤمنات، فلم ترجعوهنّ إليهم ما أنفقوا في نكاحهم إياهنّ من الصداق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ}... إلى قوله {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال: كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا علموا أن ذلك حقّ منهنّ لم يرجعوهنّ إلى الكفار، وأعطى بعلها من الكفار الذين عقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقه الذي أصدقها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {وآتُوهُم ما أنْفَقُوا} وآتُوا أزواجهنّ صدقاتهن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بإيمَانِهِن} حتى بلغ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} هذا حكم حكمه عزّ وجلّ بين أهل الهدى وأهل الضلالة كنّ إذا فررن من المشركين الذي بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عهد إلى أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فتزوّجوهنّ بعثوا مهورهنّ إلى أزواجهنّ من المشركين الذي بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عهد وإذا فررن من أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عهد بعثوا بمهورهنّ إلى أزواجهنّ من أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: نزلت عليه وهو بأسفل الحديبية، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم صالحهم أنه من أتاه منهم ردّه إليهم فلما جاءه النساء نزلت عليه هذه الآية، وأمره أن يردّ الصداق إلى أزواجهن حكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردّوا الصداق إلى أزواجهنّ فقال {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ}.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بإيمَانِهنَّ} كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عاهد من المشركين ومن أهل الكتاب، فعاهدهم وعاهدوه، وكان في الشرط أن يردّوا الأموال والنساء، فكان نبيّ الله إذا فاته أحد من أزواج المؤمنين، فلحق بالمعاهدة تاركاً لدينه مختاراً للشرك، ردّ على زوجها ما أنفق عليها، وإذا لحق بنبيّ الله صلى الله عليه وسلم أحد من أزواج المشركين امتحنها نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فسألها:

ما أخرجك من قومك؟فإن وجدها خرجت تريد الإسلام قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّ على زوجها ما أنفق عليها، وإن وجدت فرّت من زوجها إلى آخر بينها وبينه قرابة، وهي متمسكة بالشرك ردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها من المشركين.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ}... الآية كلها، قال: لما هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين كان في الشرط الذي شُرط: أن تردَّ إلينا من أتاك منا، ونردّ إليك من أتانا منكم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

مَنْ أتانا مِنْكُمْ فَنرُدُّهُ إلَيْكُمُ، وَمَنْ أتاكُمْ مِنَّا فاخْتارَ الكُفْرَ على الإيمَانِ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِمْقال: فأبى الله ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم في النساء، ولم يأبه للرجال، فقال الله عزّ وجلّ: {إذَا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ}... إلى قوله {وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا} أزواجهنّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، قال كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين هدنة فيمن فرّ من النساء، فإذا فرّت المشركة أعطى المسلمون زوجها نفقته عليها وكان المسلمون يفعلون وكان إذا لم يعط هؤلاء ولا هؤلاء أخرج المسلمون للمسلم الذي ذهبت امرأته نفقتها.

وقوله: {وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يقول تعالى ذكره: ولا حرج عليكم أيها المؤمنون أن تنكحوا هؤلاء المهاجرات اللاتي لحقن بكم من دار الحرب مفارقات لأزواجهنّ، وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب إذا علمتموهنّ مؤمنات إذا أنتم أعطيتموهنّ أجورهن، ويعني بالأجور: الصَّدقات. وكان قتادة يقول: كنّ إذا فررن من المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عهد إلى أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فتزوّجوهنّ، بعثوا بمهورهنّ إلى أزواجهنّ من المشركين الذين بينهم وبين أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عهد.

حدثنا بذلك بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة.

وكان الزهريّ يقول: إنما أمر الله بردّ صداقهنُ إليهم إذا حُبِسن عنهم وإن هم ردّوا المسلمين على صداق من حبسوا عنهم من نسائهم.

حدثنا بذلك ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ.

حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ} ولها زوج ثمَّ، لأنه فرق بينهما الإسلام إذا استبرأتن أرحامهنّ.

وقوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ} يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمسكوا إيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأسبابهنّ، والكوافر: جمع كافرة، والعصم: جمع عصمة، وهي ما اعتصم به من العقد والسبب، وهذا نهي من الله للمؤمنين عن الإقدام على نكاح النساء المشركات من أهل الأوثان، وأمر لهم بفراقهنّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاءه نسوة مؤمنات بعد أن كتب كتاب القضية بينه وبين قريش، فأنزل الله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المؤْمِنات مُهاجِرَاتٍ} حتى بلغ {بعِصَمِ الكَوَافِرِ} فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بالشرك، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغنا أن آية المحنة التي مادّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش من أجل العهد الذي كان بين كفار قريش وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يردّ إلى كفار قريش ما أنفقوا على نسائهم اللاتي يسلمن ويهاجرن، وبعولتهنّ كفار للعهد الذي كان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبينهم، ولو كانوا حرباً ليست بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم مدّة وعقد لم يردّ عليهم شيئاً مما أنفقوا، وحكم الله للمؤمنين على أهل المدّة من الكفار بمثل ذلك، قال الله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِنات مُهاجِرَاتٍ} حتى بلغ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حِكِيمٌ} فطلق المؤمنون حين أنزلت هذه الآية كلّ امرأة كافرة كانت تحت رجل منهم، فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته ابنة أبي أُمية بن المغيرة من بني مخزوم فتزوّجها معاوية بن أبي سفيان، وابنة جرول من خزاعة، فتزوّجها أبو جهم بن حذافة العَدَوِيّ، وجعل الله ذلك حكماً حكم به بين المؤمنين والمشركين في هذه المدة التي كانت.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وقال الزهريّ: لما نزلت هذه الآية {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِنات}... إلى قوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ} كان ممن طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته قريبة ابنة أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم ابنة جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حُذافة بن غانم رجل من قومه، وهما على شركهما وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي كانت عنده أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ففرّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها، ثم تزوّجها في الاسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس. وكان ممن فرّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار ممن لم يكن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فحبسها وزوّجها رجلاً من المسلمين أميمة بنت بشر الأنصارية، ثم إحدى نساء بني أمية بن زيد من أوس الله، كانت عند ثابت بن الدحداحة، ففرّت منه، وهو يومئذ كافر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل بن حنيف أحد بني عمرو بن عوف، فولدت عبد الله بن سهل.

حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال الله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ} قال: الزهريّ: فطلق عمر امرأتين كانتا له بمكة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ} قال: أصحاب محمد أُمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة، قعدن مع الكفار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ} مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أُمر أن يُخَلَّى سبِيلُهن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ} إذا كفرت المرأة فلا تمسكوها، خلوها، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كفرت.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله {وَلا تُمْسِكُوا} فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والمدينة والكوفة والشام، {وَلا تُمْسِكُوا} بتخفيف السين. وقرأ ذلك أبو عمرو «ولاَ تمسِّكوا» بتشديدها، وذكر أنها قراءة الحسن، واعتبر من قرأ ذلك بالتخفيف، وإمساك بمعروف.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، محكى عن العرب أمسكت به ومسكت، وتمسَّكت به.

وقوله: {وَاسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أنْفَقُوا} يقول تعالى ذكره لأزواج اللواتي لحقن من المؤمنين من دار الإسلام بالمشركين إلى مكة من كفار قريش: واسئلوا أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن بالمشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللواتي لحقن بهم من الصداق من تزوّجهن منهم، وليسئلكم المشركون منهم الذين لحق بكم أزواجهم مؤمنات إذا تزوّجن فيكم من تزوّجها منكم ما أنفقوا عليهنّ من الصداق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أقر المؤمنون بحكم الله، وأدَّوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقرّوا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وَاسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ وَلْيسْئَلُوا ما أنْفَقوا} قال: ما ذهب من أزواج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكفار، فليعطهم الكفار صدقاتهنّ، وليمسكوهن، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمثل ذلك في صلح كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين قريش.

وقوله: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} يقول تعالى ذكره: هذا الحكم الذي حكمت بينكم من أمركم أيها المؤمنون بمسألة المشركين، وما أنفقتم على أزواجكم اللاتي لحقن بهم وأمرهم بمسألتكم مثل ذلك في أزواجهن اللاتي لحقن بكم، حكم الله بينكم فلا تعتدوه، فإنه الحقّ الذي لا يسمع غيره، فانتهى المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذُكر إلى أمر الله وحكمه، وامتنع المشركون منه وطالبوا الوفاء بالشروط التي كانوا شارطوها بينهم في ذلك الصلح، وبذلك جاءت الآثار والأخبار عن أهل السير وغيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: أما المؤمنون فأقرّوا بحكم الله، وأما المشركون فأبوا أن يقرّوا، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ { وَإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ } }... الآية.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، قال: قال الله: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يحكم بينكم}، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، وردّه الرجال، وسأل الذي أمره الله أن يسأل من صدقات النساء من حبسوا منهنّ، وأن يردّوا عليهم مثل الذي يردّون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، كما ردّ الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية أمسك النساء ولم يرد إليهم صداقاً، وكذلك يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.

قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يقول جلّ ثناؤه: والله ذو علم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأمور، حكيم في تدبيره إياهم.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ