نص الآية 16:106
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠٦
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠٦
الآية 106 من سورة النحل (16:106)، وهي سورة مكية، تقع في الجزء 14، في الصفحة 279 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 73 قارئًا.
79 تلاوة بأصوات 73 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بِلسانِه وقلبُه مطمئن بالإيمان موقن بحقيقته، لكن من كان منفسح الصدر بالكفر فاختاره على الإيمان وتكلم به طائعًا فهو مرتد عن الإسلام فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.
إنما يفتري الكذب مَن نطق بكلمة الكفر وارتدَّ بعد إيمانه، فعليهم غضب من الله، إلا مَن أُرغم على النطق بالكفر، فنطق به خوفًا من الهلاك وقلبه ثابت على الإيمان، فلا لوم عليه، لكن من نطق بالكفر واطمأن قلبه إليه، فعليهم غضب شديد من الله، ولهم عذاب عظيم; وذلك بسبب إيثارهم الدنيا وزينتها، وتفضيلهم إياها على الآخرة وثوابها، وأن الله لا يهدي الكافرين، ولا يوفقهم للحق والصواب.
أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به: أنه قد غضب عليه؛ لعلمهم بالإيمان، ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابا عظيماً في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئاً ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم، فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئاً، فهم غافلون عما يراد بهم، {لاَ جَرَمَ} أي: لا بد، ولا عجب أن من هذه صفته {أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرونَ} أي: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وأما قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ … تابع القراءة
اختلف أهل العربـية فـي العامل فـي «مَن» من قوله: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ} ومن قوله: {وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً}، فقال بعض نـحويـي البصرة: صار قوله: {فَعَلَـيْهِمْ} خبراً لقوله: {وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً}، وقوله: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ مِنْ بَعْدَ إيـمانِهِ} فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ علـى الـمعنى. وقال بعض نـحويـي الكوفة: إنـما هذان جزءان اجتـمعا، أحدهما منعقد بـالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بـمعنى: من يحسن مـمن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتـمعا الثانـي منعقد بـالأوّل، فـالـجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله … تابع القراءة
فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ} هذا متصل بقوله تعالى: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} فكان مبالغة في الوصف بالكذب؛ لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم. أي من كفر من بعد إيمانه وٱرتد فعليه غضب الله. قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح ومِقْيَس بن صُبابة وعبد الله بن خَطَل، وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم. ثم قال: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ}. وقال الزجاج: «من كفر باللَّهِ مِن بعد إيمانِهِ» بدل ممن يفتري الكذب؛ أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه؛ لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام … تابع القراءة
يخبر تعالى عن شناعة حال { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ } فعمى بعد ما أبصر ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر راضيا به مطمئنا أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وغضب عليهم كل شيء، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي: في غاية الشدة مع أنه دائم أبدا. و { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ } حيث ارتدوا على أدبارهم طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان منعهم الله الهداية فلم يهدهم لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا … تابع القراءة
{ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره } على التلفظ بالكفر فتلفظ به { وقلبه مطمئن بالإيمان } ومن مبتدأ أو شرطية والخبر أو الجواب لهم وعيد شديد دل على هذا { ولكن من شرح بالكفر صدرا } له أي فتحه ووسعه بمعنى طابت به نفسه { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } .
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ}، لا يرشدهم الله، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ثم أخبر الله تعالى أن الكفار هم المفترون. فقال: {إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ}، لا محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: قد قال: "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون"، فما معنى قوله: "وأولئك هم الكاذبون"؟ قيل: "إنما يفتري الكذب": إخبار عن فعلهم، و"هم الكاذبون" نعت لازم لهم، كقول الرجل لغيره: كذبت وأنت كاذب، أي: كذبت في هذا القول، ومن عادتك الكذب. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا … تابع القراءة
لما سبق التّحذير من نقض عهد الله الذي عاهدوه، وأن لا يغرّهم ما لأمّة المشركين من السّعة والرُبُو، والتحذير من زَلل القدم بعد ثبوتها، وبشروا بالوعد بحياة طيبة، وجزاء أعمالهم الصالحة من الإشارة إلى التّمسك بالقرآن والاهتداء به، وأن لا تغرّهم شُبه المشركين وفتونهم في تكذيب القرآن، عقب ذلك بالوعيد على الكفر بعد الإيمان، فالكلام استئناف ابتدائي. ومناسبة الانتقال أن المشركين كانوا يحاولون فتنة الراغبين في الإسلام والذين أسلموا، فلذلك ردّ عليهم بقوله: { قل نزّله روح القدس }[سورة النحل: 102] إلى قوله: { ليثبّت الذين آمنوا }[سورة النحل: 102]، وكانوا يقولون: { إنما يعلمه بشر }[سورة النحل: 103] فردّ … تابع القراءة
قوله تعالى: {مَنْ كفر بالله من بعد إِيمانه} قال مقاتل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أَبي سرح القرشي، ومِقْيَس بن صُبابة، وعبد الله بن أنس بن خَطَل، وطعمة بن أُبيرِق، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الفاكه المخزومي. فأما قوله تعالى: {إِلاَّ من أُكره} فاختلفوا فيمن نزل على أربعة أقوال. أحدها: أنه نزل في عمار بن ياسر، أخذه المشركون فعذَّبوه، فأعطاهم ما أرادوا بلسانه، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال قتادة. والثاني: أنه لما نزل قوله: {إِن الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أنفسهم...} إِلى آخر الآيتين اللتين في سورة النساء [96، 97] كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إِلىَ من كان بمكة، فخرج ناس ممن … تابع القراءة
قوله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية. [١٠٦].
قال ابن عباس: نزلت في عمَّار بن يَاسِر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً، وأمه سمية، وصُهَيْباً، وبلالاً، وخَبَّاباً، وسالماً - [فعذبوهم] فأما سُمَيَّة فإِنها ربطت بين بعيرين ووُجِئَ قُبُلُهَا بحربة، وقيل لها: إِنك أسلمت من أجل الرجال. فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عماراً كفرن فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قَرْنه إلى قدمه، واختلط الإيمانُ بلحمه ودمه! فأتى عمار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله عليه السلام يمسح عينيه ويقول: "إنْ عادوا لك فعُدْ لهم بما قلت"! فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم المسلمون بالمدينة: أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا. فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم مُكْرَهين. وفيهم نزلت هذه الآية.
قوله تعالى إلا من أكره أخرج الآيه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة أخذ المشركون بلالا وخبابا وعمار بن ياسر فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه فقال كيف كان قلبك حين قلت أكان منشرحا بالذي قلت قال لا فأنزل الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
وأخرج عن مجاهد قال نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب اليهم بعض الصحابة بالمدينة أن هاجروا فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم فكفروا مكرهين ففيهم نزلت هذه الآية
( ك ) وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عمر بن الحكم قال كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول وبلال وعامر بن فهيرة وقوم من المسلمين وفيهم نزلت هذه الآية ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا
قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)} [النحل: 106].
221 - عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: "كيف تجد قلبك؟ "، قال: مطمئن بالإيمان. قال: "إن عادوا فعد" ¬أخرجه الحاكم: 2/ 357، وعبد الرزاق في التفسير: 1/ 311 برقم: 1509، وابن جرير: 14/ 182، وابن سعد: 3/ 178/1، وأبو نعيم في الحلية: 1/ 140 به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، إلا أن ابن جرير قال: عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار مرسلاً، وعزاه في الدر المنثور: 4/ 248 لابن مردويه والبيهقي في الدلائل. وقال الحافظ في الفتح: 12/ 312 عن المرسل: وهو مرسل ورجاله ثقات. قلت: وللحديث شواهد عن أبي مالك، أخرجه ابن جرير: 14/ 182 وهو مرسل صحيح الإسناد، ومن مرسل ابن سيرين. أخرجه عبد بن حميد كما عزاه إليه الحافظ في الفتح: 12/ 312 وقال: رجاله ثقات مع إرساله، وبعد أن ذكر الحافظ في الفتح هذه المراسيل قال: وهذه المراسيل تقوي بعضها ببعض. قلت: فبها يكون الحديث صحيحاً.¥.
فوائد الآيات من 103 إلى 110 من سورة النحل (الصفحة 279 من المصحف).
من شرح بالكفر أي من اتاه باختيار
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ مَنْ في موضع رفع على البدل من «الكاذبين».
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ في موضع نصب على الاستثناء. والمعنى- والله أعلم- إلّا من أكره.
فله أن يقول ما ظاهره الكذب والكفر ولا يعتقده، ولا يجوز له أن يكذب كذبا صراحا بوجه، وإنما يقول: فلان كذّاب على قولهم أو يعني به غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممن هو كاذب لأن الكذب قبيح فلا يجوز أن يأذن الله فيه بحال، والدليل على قبحه أن قائله لا يوثق بخبره وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ابتداء وخبر، وهو تبيين ما تقدّم. مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ مبتدأ. فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ في موضع الخبر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ كَفَرَ) : فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: «الْكَاذِبُونَ» ; أَيْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ أُولَئِكَ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ «الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ» وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُقَدَّمٌ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِمُقَدَّمٍ، فَهُوَ كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ وَقِيلَ: «مَنْ» شَرْطٌ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ».
وَ «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ» اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ. وَقِيلَ: هُوَ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ اعْتِقَادٌ، وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَوْلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ.
(مَنْ شَرَحَ) : مُبْتَدَأٌ. «فَعَلَيْهِمْ» خَبَرُهُ.
﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
قوله تعالى: ﴿مَن كَفَر باللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُه مطمئن بالإيمان، وَلكِن مَن شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية:
قال ابنُ حبيب: هذا منسوخٌ بقولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ ربَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا من بعد مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠].
قال أبو محمد: وهذا لم يقلْه أحد غيره، وهو غلط ظاهر، لأن نسخ هذا بأن يجازوا بغير ما أخبرنا الله به من مجازاتهم، وذلك لا يجوز على الله - جلّ ذكره -. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]: نزل في صِنْفٍ آخر غيرِ الصِّنْفِ الأَوَّل، وهم قوم أسلموا ففتنوا عن دينهم ومُنِعوا من الهجرة، فأخبرنا اللهُ أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإنَّه لَهم غفور رحيم. وقد قُرِىءَ: فَتَنوا - بالفتح - على معنى أنهم فتنوا غيرَهم عن دينهم. ﴿والله غفور رحيم﴾ لهم إذا أسلموا وهاجروا، وجاهدوا. الآية الأولى نزلت في قوم أُكْرِهوا على الكفر، وفي قوم شرحوا صدورَهم بالكفر، وفي قوم كفروا بعد إيمانهم، وهذا كُلُّه في أصنافٍ مختلفة يختلف الحكمُ فيهم وفي مجازاتهم، فلا يَنْسَخُ شيءٌ منه شيئاً.
وأيضاً فإنه خبر، والخبر لا يُنْسَخ، لأنه يصير المنسوخُ أخبر به على غير ما هو عليه - ويتعالى الله عن ذلك - وأخبار الله - جلّ ذكره -كُلُّها جاريةٌ على حقيقة ما هي به لا يجوز فيها غير ذلك.
وإذا كانت كذلك لم يَجُزْ نسخُها إلا بشيءٍ على خلاف ما هو به، وهذا كُلُّه لا يجوز ولا يَحْسُن من الآدميين، فكيف من علاّم الغيوب!- تعالى الله عن ذلك -.