انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النحل

تفسير الطبريالآيات 92–106

تفسير سورة النحل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النحل

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:38:44

  1. 1 الآيات 90–110في هذه الصفحة 17:13

التفسير الصوتي لسورة النحل كاملًا (6 مقاطع)

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٩٢

يقول تعالـى ذكره ناهياً عبـاده عن نقض الأيـمان بعد توكيدها، وآمراً بوفـاء العهود، ومـمثلاً ناقض ذلك بناقضة غزلها من بعد إبرامه وناكثته من بعد إحكامه: ولا تكونوا أيها الناس فـي نقضكم أيـمانكم بعد توكيدها وإعطائكم الله بـالوفـاء بذلك العهود والـمواثـيق {كالَّتِـي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} يعنـي: من بعد إبرام. وكان بعض أهل العربـية يقول: القوّة: ما غُزِل علـى طاقة واحدة ولـم يثن. وقـيـل: إن التـي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء معروفة بـمكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير: {كالَّتِـي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} قال: خرقاء كانت بـمكة تنقضه بعد ما تُبْرِمه.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، عن صدقة، عن السديّ: {وَلا تَكُونُوا كالَّتِـي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثاً تَتَّـخِذُونَ أيـمَانَكُمْ دَخَلاً بَـيْنَكُمْ} قال: هي خَرْقَاءُ بـمكة كانت إذا أبرمت غزلها نقضته.

وقال آخرون: إنـما هذا مثل ضربه الله لـمن نقض العهد، فشبهه بـامرأة تفعل هذا الفعل. وقالوا فـي معنى نقضت غزلها من بعد قوّة، نـحوا مـما قلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تَكُونُوا كالَّتِـي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثاً} فلو سمعتـم بـامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتـم: ما أحمق هذه وهذا مثل ضربه الله لـمن نكث عهده.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَلا تَكُونُوا كالَّتِـي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} قال: غزلها: حبلها تنقضه بعد إبرامها إياه ولا تنتفع به بعد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {كالَّتِـي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} قال: نقضت حبلها من بعد إبرام قوّة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا تَكُونُوا كالَّتِـي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثاً} قال: هذا مثل ضربه الله لـمن نقض العهد الذي يعطيه، ضرب الله هذا له مثلاً بـمثل التـي غزلت ثم نقضت غزلها، فقد أعطاهم ثم رجع، فنكث العهد الذي أعطاهم.

وقوله: {أنكاثاً} يعنـي: أنقاضاً، وكلّ شيء نُقِض بعد الفتل فهو أنكاث، واحدها: نِكْث حبلاً كان ذلك أو غزلاً، يقال منه: نَكَث فلان هذا الـحبل فهو ينكُثُه نَكْثاً، والـحبل منتكِثٌ: إذا انتقضت قُواه. وإنـما عُنـي به فـي هذا الـموضع نكث العهد والعقد. وقوله: {تَتَّـخِذُونَ أيـمَانَكُمْ دَخَلاً بَـيْنَكُمْ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} يقول تعالـى ذكره: تـجعلون أيـمانكم التـي تـحلفون بها علـى أنكم موفون بـالعهد لـمن عاقدتـموه {دَخَلاً بَـيْنَكُمْ} يقول: خديعة وغروراً لـيطمئنوا إلـيكم وأنتـم مضمرون لهم الغدر وترك الوفـاء بـالعهد والنُّقلة عنهم إلـى غيرهم من أجل أن غيرهم أكثر عدداً منهم. والدَّخَـل فـي كلام العرب: كلّ أمر لـم يكن صحيحاً، يقال منه: أنا أعلـم دَخَـلَ فلان ودُخْـلُلَهُ وداخِـلةَ أمره ودُخْـلَتَهُ ودَخِيـلَتَهُ.

وأما قوله: {أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} فإن قوله أرَبى: أفعل من الربـا، يقال: هذا أربى من هذا وأربأ منه، إذا كان أكثر منه ومنه قول الشاعر:

وأسْمَرَ خَطِّيّ كأنَّ كُعُوبَهُنَوى القسْبِ قد أرْبَى ذرَاعاً علـى العَشْرِ

وإنـما يقال: أربى فلان من هذا وذلك للزيادة التـي يريدها علـى غريـمه علـى رأس ماله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} يقول: أكثر.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} يقول: ناس أكثر من ناس.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} قال: كانوا يحالفون الـحلفـاء، فـيجدون أكثر منهم وأعزّ، فـينقضون حِلْف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ منهم، فنُهوا عن ذلك.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد.

وحدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تَتَّـخِذُونَ أيـمَانَكُمْ دَخَلاً بَـيْنَكُمْ} يقول: خيانة وغدراً بـينكم. {أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أن يكون قوم أعزّ وأكثر من قوم.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا أبو ثور، عن معمر، عن قتادة: {دَخَلاً بَـيْنَكُمْ} قال: خيانة بينكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {تَتَّـخِذُونَ أيـمَانَكُمْ دَخَلاً بَـيْنَكُمْ} يغرّ بها، يعطيه العهد يؤمنه وينزله من مأمنه، فتزلّ قدمه وهو فـي مأمن، ثم يعود يريد الغدر، قال: فأوّل بدو هذا قوم كانوا حلفـاء لقوم تـحالفوا وأعطى بعضهم بعضاً العهد، فجاءهم قوم قالوا: نـحن أكثر وأعزّ وأمنع، فـانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلـينا ففعلوا، وذلك قول الله تعالـى:

{ وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُـمُ اللَّهَ عَلَـيْكُمْ كَفِـيلاً } {أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} هي أربى: أكثر من أجل أن كانوا هؤلاء أكثر من أولئك نقضتـم العهد فـيـما بـينكم وبـين هؤلاء، فكان هذا فـي هذا، وكان الأمر الآخر فـي الذي يعاهده فـينزله من حِصْنه ثم ينكث علـيه، الآية الأولـى فـي هؤلاء القوم وهي مبدؤه، والأخرى فـي هذا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} يقول: أكثر، يقول: فعلـيكم بوفـاء العهد.

وقوله: {إنَّـمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ} يقول تعالـى ذكره: إنـما يختبركم الله بأمره إياكم بـالوفـاء بعهد الله إذا عاهدتـم، لـيتبـين الـمطيع منكم الـمنتهي إلـى أمره ونهيه من العاصي الـمخالف أمره ونهيه. {وَلَـيُبِـينَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ ما كُنْتُـمْ فِـيهِ تَـخْتَلِفُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولـيبـينن لكم أيها الناس ربكم يوم القـيامة إذا وردتـم علـيه بـمـجازاة كلّ فريق منكم علـى عمله فـي الدنـيا، الـمـحسن منكم بإحسانه والـمسيء بإساءته، {ما كُنْتُـمْ فـيه تَـخْتَلِفُونَ} والذي كانوا فـيه يختلفون فـي الدنـيا أن الـمؤمن بـالله كان يقرّ بوحدانـية الله ونبوّة نبـيه، ويصدق بـما ابتعث به أنبـياءه، وكان يكذّب بذلك كله الكافر فذلك كان اختلافهم فـي الدنـيا الذي وعد الله تعالـى ذكره عبـاده أن يبـينه لهم عند ورودهم علـيه بما وصفنا من البـيان.

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٩٣

يقول تعالـى ذكره: ولو شاء ربكم أيها الناس للطف بكم بتوفـية من عنده، فصرتـم جميعاً جماعة واحدة وأهل ملة واحدة لا تـختلفون ولا تفترقون ولكنه تعالـى ذكره خالف بـينكم فجعلكم أهل ملل شتـى، بأن وفَّق هؤلاء للإِيـمان به والعمل بطاعته فكانوا مؤمنـين، وخذل هؤلاء فحَرَمَهم توفـيقه فكانوا كافرين، ولـيسألنكم الله جميعاً يوم القـيامة عما كنتـم تعملون فـي الدنـيا فـيـما أمركم ونهاكم، ثم لـيَجازينكم جزاء الـمطيع منكم بطاعته والعاصي له بـمعصيته.

وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٩٤

يقول تعالى ذكره: ولا تتـخذوا أيـمانكم بينكم دَخَلاً وخديعة بـينكم، تَغُرّون بها الناس {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها} يقول: فتهلكوا بعد أن كنتـم من الهلاك آمنـين. وإنـما هذا مثل لكلّ مبتلـي بعد عافـية، أو ساقطٍ فـي ورطة بعد سلامة، وما أشبه ذلك: «زلَّت قدمه»، كما قال الشاعر:

سيَـمْنَعُ منكَ السَّبْقُ إنْ كُنْتَ سابِقاًوتُلْطَعُ إنْ زَلَّتْ بكَ النَّعْلانِ

وقوله: {وَتَذُوقُوا السُّوءَ} يقول: وتذوقوا أنتـم السوء وذلك السوء هو عذاب الله الذي يعذّب به أهل معاصيه فـي الدنـيا، وذلك بعض ما عذّب به أهل الكفر. {بِـمَا صَدَدْتُـمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ} يقول: بـما فَتنتـم من أراد الإيـمان بـالله ورسوله عن الإيـمان. {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ} فـي الآخرة، وذلك نار جهنـم. وهذه الآية تدلّ علـى أن تأويـل برَيُدة الذي ذكرنا عنه فـي قوله: { وأوْفُوا بعَهْدِ اللَّهِ إذَا عاهَدْتُـمْ }والآيات التـي بعدها، أنه عُنِـي بذلك: الذين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الإسلام، عن مفـارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك هو الصواب، دون الذي قال مـجاهد أنهم عنوا به، لأنه لـيس فـي انتقال قوم تـحالفوا عن حلفـائهم إلـى آخرين غيرهم صدّ عن سبـيـل الله ولا ضلال عن الهدى، وقد وصف تعالـى ذكره فـي هذه الآية فـاعِلِـي ذلك أنهم بـاتـخاذهم الأيـمان دخلا بـينهم ونقضهم الأيـمان بعد توكيدها، صادّون عن سبـيـل الله، وأنهم أهل ضلال فـي التـي قبلها، وهذه صفة أهل الكفر بـالله لا صفة أهل النُّقْلة بـالـحلف عن قوم إلـى قوم.

وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٩٥ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٩٦

يقول تعالـى ذكره: ولا تنقضوا عهودكم أيها الناس وعقودكم التـي عاقدتـموها من عاقدتـم مؤكِّديها بأيـمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضاً من الدنـيا قلـيلاً ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بـالوفـاء به يثبكم الله علـى الوفـاء به، فإن ما عند الله من الثواب لكم علـى الوفـاء بذلك هو خير لكم إن كنتـم تعلـمون فضل ما بـين العِوَضين اللذين أحدهما الثمن القلـيـل الذي تشترون بنقض عهد الله فـي الدنـيا والآخر الثواب الـجزيـل فـي الآخرة علـى الوفـاء به. ثم بـين تعالـى ذكره فَرْق ما بـين العِوَضين وفضل ما بـين الثوابـين، فقال: ما عندكم أيها الناس مـما تتـملكونه فـي الدنـيا وإن كَثُر فنافدٌ فـانٍ، وما عند الله لـمن أوفـى بعهده وأطاعه من الـخيرات بـاق غير فـان، فلـما عنده فـاعملوا وعلـى البـاقـي الذي لا يفنى فـاحرصوا. وقوله: {وَلَنَـجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولـيثـيبنّ الله الذين صبروا علـى طاعتهم إياه فـي السرّاء والضرّاء، ثوابهم يوم القـيامة علـى صبرهم علـيها ومسارعتهم فـي رضاه، بأحسن ما كانوا يعملُون من الأعمال دون أسوئها، ولـيغفرنّ الله لهم سيئها بفضله.

مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٩٧

يقول تعالـى ذكره: من عمل بطاعة الله، وأوفـى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بنـي آدم {وهُوَ مُؤْمِنٌ} يقول: وهو مصدّق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته علـى الطاعة، وبوعيد أهل معصيته علـى الـمعصية {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً}.

واختلف أهل التأويـل فـي الذي عَنَى الله بـالـحياة الطيبة التـي وعد هؤلاء القوم أن يُحْيـيهموها، فقال بعضهم: عنـي أنه يحيـيهم فـي الدنـيا ما عاشوا فـيها بـالرزق الـحلال. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيـل بن سَميع، عن أبـي مالك، عن ابن عبـاس: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيَّبَةً} قال: الـحياة الطيبة: الرزق الـحلال فـي الدنـيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيـل بن سَمِيع، عن أبـي مالك وأبـي الربـيع، عن ابن عبـاس، بنـحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل بن سَمِيع، عن أبـي الربـيع، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيَّبَةً} قال: الرزق الـحسن فـي الدنـيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن إسماعيـل بن سَمِيع، عن أبـي الربـيع، عن ابن عبـاس: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: الرزق الطيب فـي الدنـيا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل بن سَمِيع، عن أبـي الربـيع، عن ابن عبـاس: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: الرزق الطيب فـي الدنـيا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} يعنـي فـي الدنـيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن مطرف، عن الضحاك: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: الرزق الطيب الـحلال.

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا عون بن سلام القرشيّ، قال: أخبرنا بشر بن عُمارة، عن أبـي رَوْق، عن الضحاك، فـي قوله: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: يأكل حلالاً ويـلبس حلالاً.

وقال آخرون: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} بأن نرزقه القناعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن الـمنهال بن خـلـيفة، عن أبـي خزيـمة سلـيـمان التـمَّار، عمن ذكره عن علـيّ: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: القنوع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو عصام، عن أبـي سعيد، عن الـحسن البصريّ، قال: الـحياة الطيبة: القناعة.

وقال آخرون: بل يعنـي بـالـحياة الطيبة الـحياة مؤمناً بـالله عاملاً بطاعته. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} يقول: من عمل عملاً صالـحاً وهو مؤمن فـي فـاقة أو ميسرة، فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله فلـم يؤمن ولـم يعمل صالـحاً، عيشته ضنكة لا خير فـيها.

وقال آخرون: الـحياة الطيبة السعادة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: السعادة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الـحياة فـي الـجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هَوْذة، عن عوف، عن الـحسن: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: لا تطيب لأحد حياة دون الـجنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الـحسن: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: ما تطيب الـحياة لأحد إلا فـي الـجنة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} فإن الله لا يشاء عملاً إلا فـي إخلاص، ويوجب من عمل ذلك فـي إيـمان، قال الله تعالـى: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} وهي الـجنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} قال: الآخرة يحيـيهم حياة طيبة فـي الآخرة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيَّبَةً} قال: الـحياة الطيبة فـي الآخرة: هي الـجنة، تلك الـحياة الطيبة، قال: {وَلَنَـجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} وقال: ألا تراه يقول:

{ { يا لَـيْتَنِـي قَدَّمْتُ لِـحَياتـي } }؟ قال: هذه آخرته. وقرأ أيضاً: { { وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الـحَيَوَانُ } } قال: الآخرة دار حياة لأهل النار وأهل الـجنة، لـيس فـيها موت لأحد من الفريقـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قال: الإيـمان: الإخلاص لله وحده، فبـين أنه لا يقبل عملاً إلا بـالإخلاص له.

وأولـى الأقوال بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: فلنـحيـينه حياة طيبة بـالقناعة وذلك أن من قنعه الله بـما قسم له من رزق لـم يكثر للدنـيا تعبه ولـم يعظم فـيها نَصَبه ولـم يتكدّر فـيها عيشه بـاتبـاعه بغية ما فـاته منها وحرصه علـى ما لعله لا يدركه فـيها.

وإنـما قلت ذلك أولـى التأويلات فـي ذلك بـالآية لأن الله تعالـى ذكره أوعد قوماً قبلها علـى معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء فـي الدنـيا والعذاب فـي الآخرة، فقال تعالـى:

{ { وَلا تَتَّـخِذُوا أيـمَانَكُمْ دَخَلاً بَـيْنَكُمْ فَتزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِـمَا صَدَدَتُـمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } } فهذا لهم فـي الدنـيا، ولهم فـي الآخرة عذاب عظيـم، فهذا لهم فـي الآخرة. ثم أتبع ذلك ما لـمَن أوفـى بعهد الله وأطاعه فقال تعالـى: ما عندكم فـي الدنـيا ينفد، وما عند الله بـاق، فـالذي هذه السيئة بحكمته أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بـالإحسان فـي الدنـيا، والغفران فـي الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالـى ذكره.

وأما القول الذي رُوِي عن ابن عبـاس أنه الرزق الـحلال، فهو مـحَتـمَل أن يكون معناه الذي قلنا فـي ذلك، من أنه تعالـى يقنعه فـي الدنـيا بـالذي يرزقه من الـحلال وإن قلّ فلا تدعوه نفسه إلـى الكثـير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثـير من الـحلال، وذلك أن أكثر العاملـين لله تعالـى بـما يرضاه من الأعمال لـم نرهم رُزِقوا الرزق الكثـير من الـحلال فـي الدنـيا، ووجدنا ضيق العيش علـيهم أغلب من السعة.

وقوله: {وَلَنَـجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} فذلك لا شكّ أنه فـي الآخرة وكذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيـل بن سميع، عن أبـي مالك، عن ابن عبـاس: {وَلَنَـجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} قال: إذا صاروا إلـى الله جزاهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيـل بن سُمَيع، عن أبـي مالك، وأبـي الربـيع، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن إسماعيـل بن سُمَيع، عن أبـي الربـيع، عن ابن عبـاس: {وَلَنَـجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ} قال: فـي الآخرة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل بن سُمَيع، عن أبـي الربـيع، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَلَنَـجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} يقول: يجزيهم أجرهم فـي الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون.

وقـيـل: إن هذه الآية نزلت بسبب قوم من أهل مِلَل شتـى تفـاخروا، فقال أهل كلّ ملة منها: نـحن أفضل، فبـين الله لهم أفضل أهل الـملل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يعلـى بن عبـيد، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح، قال: جلس ناس من أهل الأوثان وأهل التوراة وأهل الإنـجيـل، فقال هؤلاء: نـحن أفضل وقال هؤلاء: نـحن أفضل فأنزل الله تعالـى: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُـحْيِـيَنَّهُ حَياةً طَيَّبَةً وَلَنَـجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.

فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ۝٩٨ إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٩٩ إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ ۝١٠٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وإذا كنت يا مـحمد قارئاً القرآن، فـاستعذ بـالله من الشيطان الرجيـم. وكان بعض أهل العربـية يزعم أنه من الـمؤخر الذي معناه التقديـم. وكأن معنى الكلام عنده: وإذا استعذت بـالله من الشيطان الرجيـم، فـاقرأ القرآن. ولا وجه لـما قال من ذلك، لأن ذلك لو كان كذلك لكان متـى استعاذ مستعيذ من الشيطان الرجيـم لزمه أن يقرأ القرآن، ولكن معناه ما وصفناه. ولـيس قوله: {فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيـمِ} بـالأمر اللازم، وإنـما هو إعلام وندب وذلك أنه لا خلاف بـين الـجميع أن من قرأ القرآن ولـم يستعذ بـالله من الشيطان الرَّجيـم قبل قرأته أو بعدها أنه لـم يضيع فرضاً واجبـاً. وكان ابن زيد يقول فـي ذلك نـحو الذي قلنا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فإذَا قَرأتَ القُرآنَ فـاسْتَعِذ بـاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيـمِ} قال: فهذا دلـيـل من الله تعالـى دلّ عبـاده علـيه.

وأما قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلـى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فإنه يعنـي بذلك: أن الشيطان لـيست له حجة علـى الذين آمنوا بـالله ورسوله وعملوا بـما أمر الله به وانتهوا عما نهاهم الله عنه. {وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يقول: وعلـى ربهم يتوكلون فـيـما نابهم من مهمات أمورهم. {إنّـمَا سُلْطَانُه عَلـىَ الَّذِينَ يتَولَّونَهُ} يقول: إنـما حجته علـى الذين يعبدونه، {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} يقول: والذين هم بـالله مشركون.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إنَّـمَا سُلْطانُهُ} قال: حجته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {إنَّـمَا سُلْطانُهُ علـى الَّذِينَ يتَوَلَّوْنَهُ} قال: يطيعونه.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي من أجله لـم يسلط فـيه الشيطان علـى الـمؤمن. فقال بعضهم بـما:

حُدثت عن واقد بن سلـيـمان، عن سفـيان، فـي قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلـى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} قال: لـيس له سلطان علـى أن يحملهم علـى ذنب لا يغفر.

وقال آخرون: هو الاستعاذة، فإنه إذا استعاذ بـالله منع منه ولـم يسلط علـيه. واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الله تعالـى:

{ وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ منَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ إنَّه سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } وقد ذكرنا الرواية بذلك فـي سورة الـحِجْر.

وقال آخرون فـي ذلك، بـما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلـى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} إلـى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} يقال: إن عدوّ الله إبلـيس قال:

{ { لاَغْوِيَنَّهُمْ أجَمعينَ إلاَّ عبـادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْـلَصِينَ } } فهؤلاء الذين لـم يجعل للشيطان علـيهم سبـيـل، وإنـما سلطانه علـى قوم اتـخذوه ولـيًّا وأشركوه فـي أعمالهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلـى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يقول: السلطان علـى من تولـى الشيطان وعمل بـمعصية الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّـمَا سُلْطانُهُ عَلـى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: إنه لـيس له سلطان علـى الذين آمنوا فـاستعاذوا بـالله منه، بـما ندب الله تعالـى ذكره من الاستعاذة {وَعَلـى رَبهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} علـى ما عرض لهم من خطراته ووساوسه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات بـالآية لأن الله تعالـى ذكره أتبع هذا القول: {فإذَا قَرأتَ القُرآنَ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيـمِ} وقال فـي موضع آخر:

{ { وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } } فكان بـينا بذلك أنه إنـما ندب عبـاده إلـى الاستعاذة منه فـي هذه الأحوال لـيُعيذهم من سلطانه.

وأما قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم فـيه بـما قلنا إن معناه: والذين هم بـالله مشركون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} قال: يعدلون بربّ العالـمين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} قال: يعدلون بـالله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فـي قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} عدلوا إبلـيس بربهم، فإنهم بـالله مشركون.

وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان فـي أعمالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} أشركوه فـي أعمالهم.

والقول الأوّل، أعنـي قول مـجاهد، أولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنـما يشركونه بـالله فـي عبـادتهم وذبـائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بـالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربـيع، لكان التنزيـل: الذين هم مشركوه، ولـم يكن فـي الكلام «به»، فكان يكون لو كان التنزيـل كذلك: والذين هم مشركوه فـي أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام إلـى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان ويشركون الله به فـي عبـادتهم إياه، فـيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيـل به فـي سائر القرآن وذلك أن الله تعالـى وصف الـمشركين فـي سائر سور القرآن أنهم أشركوا بـالله ما لـم ينزل به علـيهم سلطاناً، وقال فـي كل موضع تقدّم إلـيهم بـالزجر عن ذلك: لا تشركوا بـالله شيئاً، ولـم نـجد فـي شيء من التنزيـل: لا تشركوا الله بشيء، ولا فـي شيء من القرآن خبراً من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فـيجوز لنا توجيه معنى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} إلـى والذين هم بـالشيطان مشركو الله. فبـين إذا إذ كان ذلك كذلك أن الهاء فـي قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ} عائدة علـى «الربّ» فـي قوله: {وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.

وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٠١

يقول تعالـى ذكره: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم أخرى، {والله أعْلَـمُ بـما يُنَزِّلُ} يقول: والله أعلـم بـالذي هو أصلـح لـخـلقه فـيـما يبدِّل ويغير من أحكامه، {قالوا إنـما أنْتَ مُفْتَرٍ} يقول: قال الـمشركون بـالله الـمكذبو رسوله لرسوله: إنـما أنت يا مـحمد مفتر أي مكذب تـخرص بتقوّل البـاطل علـى الله. يقول الله تعالـى: بل أكثر هؤلاء القائلـين لك يا مـحمد إنـما أنت مفتر جهالٌ بأنّ الذي تأتـيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه لا يعلـمون حقـيقة صحته.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله: {وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ} رفعناها فأنزل غيرها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ} قال: نسخناها، بدّلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ} هو كقوله:

{ { ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها } }.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ} قالوا: إنـما أنت مفتر، تأتـي بشيء وتنقضه، فتأتـي بغيره. قال: وهذا التبديـل ناسخ، ولا نبدّل آية مكان آية إلا بنسخ.

قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ۝١٠٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للقائلـين لك إنـما أنت مفتر فـيـما تتلو علـيهم من آي كتابنا: أنزله روح القُدُس يقول: قل جاء به جبرَئيـل من عند ربـي بـالـحقّ. وقد بـيَّنت فـي غير هذا الـموضع معنى روح القُدس، بـما أغنى عن إعادته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا جعفر بن عون العمَريّ، عن موسى بن عبـيدة الرَّبَذيّ، عن مـحمد بن كعب، قال: روح القُدُس: جبرئيـل.

وقوله: {لِـيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} يقول تعالـى ذكره: قل نزل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه روح القدس علـيّ من ربـي، تثبـيتاً للـمؤمنـين وتقوية لإيـمانهم، لـيزدادوا بتصديقهم لناسخه ومنسوخه إيـماناً لإيـمانهم وهدى لهم من الضلالة، وبُشرى للـمسلـمين الذين استسلـموا لأمر الله وانقادوا لأمره ونهيه وما أنزله فـي آي كتابه، فأقرّوا بكلّ ذلك وصدّقوا به قولاً وعملاً.

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ ۝١٠٣

يقول تعالـى ذكره: ولقد نعلـم أن هؤلاء الـمشركين يقولون جهلاً منهم: إنـما يعلّـم مـحمداً هذا الذي يتلوه بشر من بنـي آدم، وما هو من عند الله. يقول الله تعالـى ذكره مكذّبهم فـي قـيـلهم ذلك: ألا تعلـمون كذب ما تقولون؟ إن لسان الذين تلـحدون إلـيه، يقول: تـميـلون إلـيه. بأنه يعلـم مـحمداً، أعجميّ. وذلك أنهم فـيـما ذُكر كانوا يزعمون أن الذي يعلِّـم مـحمداً هذا القرآن عبد روميّ، فلذلك قال تعالـى: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهذَا لِسانٌ عَرَبـيّ مُبِـينٌ} يقول: وهذا القرآن لسان عربـيّ مبـين.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي اسم الذي كان الـمشركون يزعمون أنه يعلِّـم مـحمداً صلى الله عليه وسلم هذا القرآن من البشر، فقال بعضهم: كان اسمه بَلْعام، وكان قَـيْناً بـمكة نصرانـيًّا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أحمد بن مـحمد الطُّوسِيّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا إبراهيـم بن طَهْمان، عن مسلـم بن عبد الله الـمَلائي، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّـم قـيناً بـمكة، وكان أعجميّ اللسان، وكان اسمه بَلْعام، فكان الـمشركون يَرَوْن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدخـل علـيه وحين يخرج من عنده، فقالوا: إنـما يعلِّـمه بَلْعام فأنزل الله تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ نَعْلَـمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّـمَا يُعَلِّـمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ}.

وقال آخرون: اسمه يعيش. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن حبـيب، عن عكرمة، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقرىء غلاماً لبنـي الـمغيرة أعجميًّا قال سفـيان: أراه يقال له: يَعِيش قال: فذلك قوله: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَـمُ أنَّهُم يَقُولُونَ إنَّـمَا يُعَلِّـمُهُ بَشَرٌ} وقد قالت قريش: إنـما يعلـمه بشر، عبد لبنـي الـحَضْرميّ يقال له يعيش، قال الله تعالـى: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ} وكان يعيش يقرأ الكُتُب.

وقال آخرون: بل كان اسمهَ جْبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما بلغنـي كثـيراً ما يجلس عند الـمَرْوَة إلـى غلام نصرانـي يقال له جَبْر، عبد لبنـي بـياضةَ الـحَضَرِميّ، فكانوا يقولون: والله ما يعلِّـم مـحمداً كثـيراً مـما يأتـي به إلا جَبْرٌ النصرانـيّ غلام الـحضرميّ فأنزل الله تعالـى فـي قولهم: {وَلَقَدْ نَعْلَـمُ أنَّهُم يَقُولُونَ إنَّـمَا يُعَلِّـمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثـير: كانوا يقولون: إنـما يعلـمه نصرانـيّ علـى الـمَرْوة، ويعلـم مـحمداً رُوميّ يقولون اسمه جَبْر وكان صاحب كُتُب عبد لابن الـحضرميّ، قال الله تعالـى: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ} قال: وهذا قول قريش إنـما يعلـمه بشر، قال الله تعالـى: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ}.

وقال آخرون: بل كانا غلامين اسم أحدهما يسار والآخر جَبْر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن حُصَين، عن عبد الله بن مسلـم الـحضرميّ: أنه كان لهم عبدان من أهل عير الـيـمن، وكانا طفلـين، وكان يُقال لأحدهما يسار والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربـما جلس إلـيهما، فقال كفـار قريش: إنـما يجلس إلـيهما يتعلـم منهما، فأنزل الله تعالـى: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا معن بن أسد، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن حصين، عن عبد الله بن مسلـم الـحضرميّ، نـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن حصين، عن عبد الله بن مسلـم، قال: كان لنا غلامان فكان يقرآن كتابـاً لهما بلسانهما، فكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يـمرّ علـيهما، فـيقوم يستـمع منهما، فقال الـمشركون: يتعلـم منهما، فأنزل الله تعالـى ما كذّبهم به، فقال: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ}.

وقال آخرون: بل كان ذلك سَلْـمان الفـارسي. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ} كانوا يقولون: إنـما يعلِّـمه سَلْـمان الفـارسي.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَلَقَدْ نَعْلَـمُ أنَّهُم يَقُولُونَ إنَّـمَا يُعَلِّـمُهُ بَشَرٌ} قال: قول كفـار قريش: إنـما يعلِّـم مـحمداً عبدُ بن الـحضرمي، وهو صاحب كتاب، يقول الله: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ}.

وقـيـل: إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّ عن الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي سعيد بن الـمسيب: أن الذي ذكر الله إنـما يعلـمه بشر إنـما افتتن إنه كان يكتب الوحي، فكان يـملـي علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سميع علـيـم» أو «عزيز حكيـم» وغير ذلك من خواتـم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو علـى الوحي، فـيستفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـيقول: أعزيز حكيـم، أو سميع علـيـم، أو عزيز علـيـم؟ فـيقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيّ ذلك كتبت فهو كذلك». ففتنه ذلك، فقال: إن مـحمداً يكل ذلك إلـيّ، فأكتب ما شئت. وهو الذي ذكر لـي سعيد بن الـمسيب من الـحروف السبعة.

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {يُـلْـحِدُونَ} فقرأته عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة: {لِسانُ الَّذِي يُـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ} بضم الـياء من ألـحد يـلـحد إلـحاداً، بـمعنى يعترضون ويعدلون إلـيه ويعرجون إلـيه من قول الشاعر:

قَدْنِـيَ منْ نَصْرِ الـخُبَـيْبَـيْنِ قَدِيلَـيْسَ أميرِي بـالشَّحيحِ الـمُلْـحِدِ

وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة: «لِسانُ الَّذِي يَـلْـحِدُونَ إلَـيْهِ» بفتـح الـياء، يعنـي: يـميـلون إلـيه، من لَـحَدَ فلان إلـى هذا الأمر يَـلْـحِدُ لَـحداً ولُـحوداً. وهما عندي لغتان بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـيهما الصواب. وقـيـل: {وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِـيّ مُبِـينٌ} يعنـي: القرآن كما تقول العرب لقصيدة من الشعر يعرضها الشاعر: هذا لسان فلان، تريد قصيدته كما قال الشاعر:

لِسانُ السُّوءِ تُهْدِيها إلَـيْناوحِنْتَ وَما حَسِبْتُكَ أنْ تَـحِينا

يعنـي بـاللسان القصيدة والكلـمة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٠٤ إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ ۝١٠٥

يقول تعالـى: إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته فـيصدّقون بـما دلَّت علـيه، {لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ} يقول: لا يوفقهم الله لإصابة الـحقّ ولا يهديهم لسبـيـل الرشد فـي الدنـيا، {ولَهُمْ فِـي الآخِرَةِ} وعند الله إذا وردوا علـيه يوم القـيامة عذاب مؤلـم موجع. ثم أخبر تعالـى ذكره الـمشركين الذين قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنـما أنت مفتر، أنهم هم أهل الفرية والكذب، لا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنون به، وبرّأ من ذلك نبـيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: إنـما يتـخرّص الكذب ويتقوّل البـاطل، الذين لا يصدّقون بحجج الله وإعلامه لأنهم لا يرجون علـى الصدق ثوابـاً ولا يخافون علـى الكذب عقابـاً، فهم أهل الإفك وافتراء الكذب، لا من كان راجياً من الله علـى الصدق الثواب الـجزيـل، وخائفـاً علـى الكذب العقاب الألـيـم. وقوله: {وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ} يقول: والذين لا يؤمنون بآيات الله هم أهل الكذب لا الـمؤمنون.

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٠٦

اختلف أهل العربـية فـي العامل فـي «مَن» من قوله: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ} ومن قوله: {وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً}، فقال بعض نـحويـي البصرة: صار قوله: {فَعَلَـيْهِمْ} خبراً لقوله: {وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً}، وقوله: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ مِنْ بَعْدَ إيـمانِهِ} فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ علـى الـمعنى. وقال بعض نـحويـي الكوفة: إنـما هذان جزءان اجتـمعا، أحدهما منعقد بـالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بـمعنى: من يحسن مـمن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتـمعا الثانـي منعقد بـالأوّل، فـالـجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ} مرفوع بـالردّ علـى «الذين» فـي قوله: {إنَّـمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللَّهِ} ومعنى الكلام عنده: إنـما يفتري الكذب من كفر بـالله من بعد إيـمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بـالإيـمان. وهذا قول لا وجه له وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالـى ذكره قد أخرج مـمن افترى الكذب فـي هذه الآية الذين وُلدوا علـى الكفر وأقاموا علـيه ولـم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا فـي حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيـمان والتنزيـل يدلّ علـى أنه لـم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر الـمشركين الذين كانوا علـى الشرك مقـيـمين، وذلك أنه تعالـى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراء الكذب، فقال:

{ { وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا يُنَزّلُ قَالُوا إنـمَا أنْتَ مُفْترٍ، بَلْ أكْثرُهُمْ لاَ يَعْلَـمُونَ } } وكذّب جميع الـمشركين بـافترائهم علـى الله وأخبر أنهم أحقّ بهذه الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: { { إنـما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ } }. ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بـالله من بعد إيـمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بـالله بعد الإيـمان خاصة دون غيرهم من سائر الـمشركين لأن هذه فـي سياق الـخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائلٌ فبـين فساده مع خروجه عن تأويـل جميع أهل العلـم بـالتأويـل.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الرافع لـ «من» الأولـى والثانـية، قوله: {فَعَلَـيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} والعرب تفعل ذلك فـي حروف الـجزاء إذا استأنفت أحدهما علـى آخر.

وذكر أن هذه الآية نزلت فـي عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلـموا ففتنهم الـمشركون عن دينهم، فثبت علـى الإسلام بعضهم وافتتن بعض. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيـمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بـالإيـمَانِ...} إلـى آخر الآية. وذلك أن الـمشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّثه بـالذي لقـي من قريش والذي قال فأنزل الله تعالـى ذكره عذره: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيـمَانِهِ}... إلـى قوله: {ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيـمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بـالإيـمَانِ} قال: ذُكر لنا أنها نزلت فـي عمار بن ياسر، أخذه بنو الـمغيرة فغطوه فـي بئر ميـمون وقالوا: اكفر بـمـحمد فتابعهم علـى ذلك وقلبه كاره، فأنزل لله تعالـى ذكره: {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بـالإيـمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً}: أي من أتـى الكفر علـى اختـيار واستـحبـاب، {فَعَلَـيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ}.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريـم الـجزري، عن أبـي عبـيدة بن مـحمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ الـمشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتـى بـاراهم فـي بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

كَيْفَ تَـجدُ قَلْبَكَ؟ قال: مطمئناً بـالإيـمان. قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:فإنْ عادُوا فَعُدْ

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن حصين، عن أبـي مالك، فـي قوله: {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بـالإِيـمَانَ} قال: نزلت فـي عمار بن ياسر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـي، قال: لـما عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلا خبـاب بن الأرت، كانوا يضجعونه علـى الرضف فلـم يستقلوا منه شيئاً.

فتأويـل الكلام إذن: من كفر بـالله من بعد إيـمانه، إلا من أكره علـى الكفر فنطق بكلـمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بـالإيـمان، موقن بحقـيقته صحيح علـيه عزمه غير مفسوح الصدر بـالكفر لكن من شرح بـالكفر صدراً فـاختاره وآثره علـى الإيـمان وبـاح به طائعاً، فعلـيهم غضب من الله ولهم عذاب عظيـم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك ورد الـخبر عن ابن عبـاس.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بـالإيـمَانِ} فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيـمانه، فعلـيه غضب من الله وله عذاب عظيـم. فأما من أكره فتكلـم به لسانه وخالفه قلبه بـالإيـمان لـينـجو بذلك من عدوّه، فلا حرج علـيه، لأن الله سبحانه إنـما يأخذ العبـاد بـما عقدت علـيه قلوبهم.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ