انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النحل

تفسير البغويالآيات 73–128

تفسير سورة النحل آية آية، من تفسير البغوي.

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝٧٣ فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٧٤

{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ}، يعني المطر، {وَٱلأَرْضِ}، يعني النبات، {شَيْئًا}، قال الأخفش: هو بدل من الرزق، معناه: أنهم لا يملكون من أمر الرزق شيئاً، قليلاً ولا كثيراً.

وقال الفراء: نصب "شيئاً" بوقوع الرزق عليه، أي: لا يرزق شيئاً، {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}، ولا يقدرون على شيء، يذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع أو دفع ضر.

{فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ}، يعني: الأشباه. فتشبِّهونه بخلقه، وتجعلون له شريكاً، فإنه واحدٌ لا مثل له، {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، خطأ ما تضرِبُون من الأمثال، ثم ضرب مثلاً للكافرين والمؤمنين.

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُۥنَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٧٥ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٧٦

فقال جل ذكره: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ} هذا مَثَلُ الكافر، رزقه الله مالاً، فلم يقدِّم فيه خيراً، {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا}، هذا مَثَلُ المؤمن، أعطاه الله مالاً، فعمل فيه بطاعة الله، وأنفقه في رضاء الله، سراً وجهراً، فأثابه الله عليه الجنة. {هَلْ يَسْتَوُونَ}، ولم يقل هل يستويان لمكان "من" وهو اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع، وكذلك قوله: "لا يستطيعون" بالجمع لأجل ما.

معناه: هل يستوي هذا الفقير البخيل والغنيُّ السخي؟ كذلك لا يستوي الكافر العاصي والمؤمن المطيع.

وروى ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا}، أي: أبو جهل بن هشام. {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ثم قال:

{ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، يقول ليس الأمر كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما الحمد الكامل لله عزّ وجلّ، لأنه المنعِم والخالق والرازق، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون. ثم ضرب مثلاً للأصنام فقال:

{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاَهُ} كَلٌّ ثقل ووبال "على مولاه" ابن عمه، وأهل ولايته، {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ}، يرسله، {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ}، لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يفهم عنه، هذا مَثَلُ الأصنام، لا تسمع، ولا تنطق ولا تعقل، {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ} عابده، يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه.

{هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ}، يعني: الله فإنه قادر، متكلم، يأمر بالتوحيد، {وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، قال الكلبي: يعني يدلكم على صراط مستقيم.

وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.

وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، يرويه عطية عن ابن عباس.

وقال عطاء: الأبكم: أُبيّ بن خلف، ومن يأمر بالعدل: حمزة، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون.

وقال مقاتل: نزلت في هاشم بن عمرو بن الحارث بن ربيعة القرشي، وكان قليل الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: نزلت في عثمان بن عفان ومولاه، كان عثمان ينفق عليه، وكان مولاه يكره الإِسلام.

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٧٧ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٧٨

{وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ}، في قرب كونها، {إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ}، إذا قال له: "كن" فيكون، {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}، بل هو أقرب، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}، نزلت في الكفار الذين يستعجلون القيامة استهزاء.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ}، قرأ الكسائي "بطون إمهاتكم" بكسر الهمزة. وقرأ حمزة بكسر الميم والهمزة، والباقون بضم الهمزة وفتح الميم، {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا}، تم الكلام، ثم ابتدأ فقال جلّ وعلا، {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ}، لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمهات وإنما أعطاهم العلم بعد الخروج، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، نعمة الله.

أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٧٩ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَٰثًا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍ ۝٨٠ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ۝٨١

{أَلَمْ يَرَوْاْ}، قرأ ابن عامر، وحمزة، ويعقوب: بالتاء، والباقون بالياء لقوله: "ويعبدون". {إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ}، مذللات، {فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ} وهو الهواء بين السماء والأرض، عن كعب الأحبار أن الطير ترتفع اثنى عشر ميلاً، ولا ترتفع فوق هذا، وفوق الجو السكاك، وفوق السكاك السماء {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في الهواء {إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ} التي هي من الحجر والمدر {سَكَنًا} أي: مسكناً تسكنونه، {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا}، يعني الخيام، والقباب، والأخبية، والفساطيط من الأنطاع والأدم، {تَسْتَخِفُّونَهَا} أي: يخف عليكم حملها، {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ}، رحلتكم في سفركم، قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، ساكنة العين، والآخرون بفتحها، وهو أجزل اللغتين، {وَيَوْمَ إِقَـامَتِكُمْ}، في بلدكم لا تثقل عليكم في الحالين.

{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ}، يعني أصواف الضأن، وأوبار الإِبل، وأشعار المعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، {أَثَـٰثاً}، قال ابن عباس: مالاً. قال مجاهد: متاعاً.

قال القتيبي: "الأثاث": المال أجمع، من الإِبل والغنم والعبيد والمتاع.

وقال غيره: هو متاع البيت من الفرش والأكسية.

{وَمَتَـٰعاً}، بلاغاً ينتفعون بها، {إِلَىٰ حِينٍ} يعني الموت. وقيل: إلى حين تبلى.

{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلاً} تستظلُّون بها من شدة الحرّ، وهي ظلال الأبنية والأشجار، {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰناً}، يعني: الأسراب، والغيران، واحدها كَنٌّ {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} قمصاً من الكتان والقَزّ، والقطن، والصوف، {تَقِيكُمُ}، تمنعكم، {ٱلْحَرَّ}، قال أهل المعاني: أراد الحرَّ والبَرْدَ فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه. {وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}، يعني: الدروع، والبأس: الحرب، يعني: تقيكم في بأسكم السلاح أن يصيبكم.

{كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}، تخلصون له الطاعة.

قال عطاء الخراساني: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم، فقال: وجعل لكم من الجبال أكناناً، وما جعل لهم من السهول أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب جبال كما قال: "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها" لأنهم كانوا أصحاب وَبَرٍ وشَعْر، وكما قال:

{ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ }[النور: 43] وما أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج. وقال: "تقيكم الحرّ" وما تقي من البرد أكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حرٍّ.

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝٨٢ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨٣

{فَإِن تَوَلَّوْاْ} فإن أعرضوا فلا يلحقك في ذلك عَتَبٌ ولا سِمَةُ تقصير، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}.

{يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللهِ}، قال السُّدي يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}، يكذبون به.

وقال قوم: هي الإِسلام.

وقال مجاهد، وقتادة: يعني ما عدَّ لهم من النِّعم في هذه السورة، يقرُّون أنها من الله، ثم إذا قيل: لهم تصدَّقُوا وامتثِلوا أمر الله فيها، ينكرونها فيقولون: ورثناها من آبائنا.

وقال الكلبي: هو أنه لمّا ذكر لهم هذه النِّعم قالوا: نعم، هذه كلها من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا.

وقال عوف بن عبدالله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان لما كان كذا.

{وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}، الجاحدون.

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ۝٨٤ وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ۝٨٥ وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝٨٦ وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٨٧ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ ۝٨٨

قوله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا}، يعني رسولاً {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ}، في الاعتذار. وقيل: في الكلام أصلاً، {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}، يسترضون، يعني: لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون. وحقيقة المعنى في الاستعتاب: أنه التعرض لطلب الرضا، وهذا الباب مُنسدٌّ في الآخرة على الكفار.

{وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، كفروا، {ٱلْعَذَابَ}، يعني جهنّم، {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}.

{وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}، يوم القيامة، {شُرَكَآءَهُمْ}، أوثانهم، {قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ}، أرباباً ونعبدهم، {فَأَلْقَوُاْ}، يعني الأوثان، {إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ}، أي: قالوا لهم، {إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ}، في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا.

{وَأَلْقَوْاْ} يعني المشركين {إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ}، استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم، ولم تُغْنِ عنهم آلهتهم شيئاً، {وَضَلَّ}، وزال، {عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}، من أنها تشفع لهم.

{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، منعوا الناس عن طريق الحق {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ}، قال عبدالله: عقارب لها أنياب أمثال النخل الطوال.

وقال سعيد بن جبير: حيَّات أمثال البُخْت، وعقارب أمثال البغال، تلسع إحداهن اللسعةَ يجد صاحبُها حمَّتها أربعين خريفاً.

وقال ابن عباس ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صُفْرٍ مذاب كالنار تسيل من تحت العرش، يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير، فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها.

وقيل: يضاعف لهم العذاب. {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ}، في الدنيا بالكفر وصدِّ الناس عن الإِيمان.

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ۝٨٩ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٩٠

{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ}، يعني نبيها من أنفسهم، لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأسم منها.

{وَجِئْنَا بِكَ}، يا محمد، {شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ}، الذين بُعْثِتَ إليهم.

{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا}، بياناً، {لِّكُلِّ شَىْءٍ}، يحتاج إليه من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدُود والأحكام، {وَهُدًى}، من الضلالة، {وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ}، بشارة {لِلْمُسْلِمِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ}، بالإِنصاف، {وَٱلإِْحْسَانِ}، إلى الناس.

وعن ابن عباس: "العدل": التوحيد، و"الإِحسان": أداء الفرائض.

وعنه: "الإِحسان": الإِخلاص في التوحيد، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه .«

وقال مقاتل: "العدل": التوحيد، و"الإِحسان": العفو عن الناس.

{وَإِيتَآءِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ}، صلة الرحم.

{وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} ما قَبُحَ من القول والفعل. وقال ابن عباس: الزنا، {وَٱلْمُنكَرِ}، مالا يُعْرف في شريعةٍ ولا سنة، {وَٱلْبَغْىِ}، الكبر والظلم.

وقال ابن عيينة: "العدل" استواء السر والعلانية، و"الإِحسان" أن تكون سريرته أحسن من علانيته، و"الفحشاء والمنكر" أن تكون علانيته أحسن من سريته.

{يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}،تتعظون.

قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن هذه الآية.

وقال أيوب عن عكرمة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} إلى آخر الآية فقال له: يا ابن أخي أعِدْ فأعاد عليه، فقال: إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.

وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ۝٩١ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٩٢

قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ}، والعهد هاهنا هو: اليمين.

قال الشعبي: العهد يمين وكفارته كفارة يمين، {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}، تشديدها، فتحنثوا فيها، {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً}، شهيداً بالوفاء.

{إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}، واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاماً؟.

قيل: نزلت في الذين بايعوا رسول الله، أمرهم الله بالوفاء بها.

وقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية. ثم ضرب الله مثلاً لنقض العهد فقال:

{وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ}، أي: من بعد غزله وإحكامه.

قال الكلبي، ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها: "ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم"، وتلقب بجعر،وكانت بها وسوسة، وكانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع وصنارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة، على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوَبَرِ، وتأمر جواريها بذلك، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلنَ فهذا كان دأبها.

ومعناه أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفَّت عن النقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد، لا كففتم عن العهد، ولا حين عاهدتم وفيتم به.

{أَنكَـٰثًا}، يعني أنقاضاً واحدها "نكث" وهو ما نقض بعد الفتل، غزلاً كان أو حَبْلاً.

{تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ}، أي: دَخَلاً وخيانة وخديعة، و"الدَّخَل" ما يدخل في الشيء للفساد.

وقيل: "الدَّخَل" و"الدَّغَل": أن يظهر الوفاء ويبطن النقض.

{أَن تَكُونَ} أي: لأن تكون، {أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى}، أي: أكثر وأعلى، {مِنْ أُمَّةٍ} قال مجاهد: وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوماً أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر، فمعناه: طلبتم العز بنقض العهد، بأن كانت أمة أكثر من أمة. فنهاهم الله عن ذلك.

{إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ}، يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد، {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، في الدنيا.

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٩٣ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٩٤

{وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً}، على ملة واحدة، وهي الإِسلام، {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ}، بخذلانه إيَّاهم، عدلاً منه، {وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ}، بتوفيقه إيَّاهم، فضلاً منه، {ولَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، يوم القيامة.

{وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً}، خديعة وفساداً، {بَيْنَكُمْ}، فتغرون بها الناس، فيسكنون إلى أيمانكم، ويأمنون، ثم تنقضونها، {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}، فتهلكوا بعد ما كنتم آمنين، والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلَّت قدمه، {وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، قيل: معناه سهَّلتم طريق نقض العهد على الناس بنقضكم العهد، {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٩٥ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٩٦ مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٩٧

{وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، يعني لا تنقضوا عهودكم، تطلبون بنقضها عَرَضاً قليلاً من الدنيا، ولكن أوفوا بها. {إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ}، من الثواب لكم على الوفاء، {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فَضْل ما بين العوضين، ثم بيَّن ذلك. فقال:

{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ}، أي: الدنيا وما فيها يفنى، {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}.

{وَلَنَجْزِيَنَّ}، قرأ أبو جعفر وابن كثير وعاصم بالنون والباقون بالياء {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ}، على الوفاء في السراء والضراء، {أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرتِه، ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى.«

قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً}، قال سعيد ابن جبير وعطاء: هي الرزق الحلال.

قال الحسن: هي القناعة.

وقال مقاتل بن حيان: يعني العيش في الطاعة.

قال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة.

وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. ورواه عوف عن الحسن. وقال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ۝٩٨

قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ}، أي: إذا أردت قراءة القرآن {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ}، كقوله تعالى:

{ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فَٱغْسِلُواْ } [المائدة: 6].

والاستعاذة سنة عند قراءة القرآن.

وأكثر العلماء على أن الاستعاذة قبل القراءة.

وقال أبو هريرة: بعدها.

ولفظه: أن يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت عاصماً

عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيهأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، قال: فكبَّر، فقال: الله أكبر كبيراً، ثلاث مرات، والحمد لله كثيراً، ثلاث مرات، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، ثلاث مرات اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من هَمْزِهِ ونَفْخِه، ونَفْثِه.

قال عمروٌ: ونفخُه: الكِبْر، ونَفْثُه: الشعر وهَمْزه: الموتة، والموتة الجنون، والاستعاذة بالله هي الاعتصام به.

إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٩٩ إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ ۝١٠٠ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٠١

{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ}، حجة وولاية، {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يُغفر.

{إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ}، يطيعونه ويدخلون في ولايته، {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}، أي: بالله مشركون. وقيل: الكناية راجعة إلى الشيطان، ومجازه الذين هم من أجله مشركون بالله.

{وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ}، يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكماً آخر، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ}، أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يغير ويبدل من أحكامه، {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ}، يا محمد، {مُفْتَرٍ}، مُخْتَلِق، وذلك أن المشركين قالوا: إن محمداً يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غداً، ما هو إلاَّ مفترٍ، يتقوّله من تلقاء نفسه.

قال الله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، حقيقة القرآن، وبيان الناسخ من المنسوخ.

قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ۝١٠٢ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ ۝١٠٣

{قُلْ نَزَّلَهُ}، يعني القرآن، {رُوحُ ٱلْقُدُسِ}، جبريل، {مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ}، بالصدق، {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، أي: ليثبت قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً ويقيناً، {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}.

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}، آدمي، وما هو من عند الله، واختلفوا في هذا البشر: قال ابن عباس: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قيناً بمكة، اسمه "بَلْعَام"، وكان نصرانياً، أعجميَّ اللسان، فكان المشركون يرون رسول الله يدخل عليه ويخرج، فكانوا يقولون إنما يعلمه "بَلْعام".

وقال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقرِىء غلاماً لبني المغيرة يقال له: "يعيش"، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما يعلمه " يعيش".

وقال الفرَّاء: قال المشركون إنما يتعلم من عايش مملوك كان لحويطب بن عبدالعزى، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وكان أعجمَ اللسان.

وقال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني، عبدٍ لبعض بني الحضرمي، يقال له "جبر"، وكان يقرأ الكتب.

وقال عبدالله بن مسلم الحضرمي كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال لأحدهما يسار، ويكنى "أبا فكيهة"، ويقال للآخر جبر، وكانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإِنجيل، فربما مرَّ بهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما يقرآن، فيقف ويستمع.

قال الضحاك: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقعد إليهما ويستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما، فنزلت هذه الآية.

قال الله تعالى تكذيباً لهم: {لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ}، أي يميلون ويشيرون إليه، {أَعْجَمِىٌّ}، "الأعجمي" الذي لا يفصح وإن كان ينزل بالبادية، والعجمي منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحاً، والأعرابي البدوي، والعربي منسوب إلى العرب، وإن لم يكن فصيحاً، {وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ}، فصيح وأراد باللسان القرآن، والعرب تقول: اللغة لسان، وروي أن الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه.

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٠٤ إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ ۝١٠٥ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٠٦

{إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ}، لا يرشدهم الله، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ثم أخبر الله تعالى أن الكفار هم المفترون.

فقال: {إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ}، لا محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: قد قال: "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون"، فما معنى قوله: "وأولئك هم الكاذبون"؟

قيل: "إنما يفتري الكذب": إخبار عن فعلهم، و"هم الكاذبون" نعت لازم لهم، كقول الرجل لغيره: كذبت وأنت كاذب، أي: كذبت في هذا القول، ومن عادتك الكذب.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد الجوهري، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عمر بن حفص، حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق، حدثنا سعيد بن عبدالحميد بن جعفر، حدثنا يعلى بن الأشدق،

عن عبدالله بن جراد قال: قلت: يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك، قال قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك، قلت: المؤمن يكذب؟ قال: لا"، قال الله: "إِنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله".

{مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ}.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عمار، وذلك أن المشركين أخذوه، وأباه ياسراً، وأمه سميّة،وصهيباً، وبلالاً، وخبَّاباً، وسالماً، فعذبوهم، فأما سُمية: فإنها ربطت بين بعيرين ووُجِىء قُبُلَها بحربة فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قُتِلا في الإِسلام، وأما عمار: فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً.

قال قتادة:

أخذ بنو المغيرة عماراً وغطُّوه في بئر ميمون، وقالوا له: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك، وقلبه كاره،فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عماراً كفر فقال: كلا، إن عماراً مُلِىء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإِيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، نلتُ منك وذكرت آلهتهم، قال: كيف وجدت قلبك، قال: مطمئناً بالإِيمان، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يمسح عينيه وقال: إن عادُوا لَكَ فعُدْ لهم بما قلت، فنزلت هذه الآية.

قال مجاهد: نزلت في ناسٍ من أهل مكة، آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطريق فكفروا كارهين.

وقال مقاتل: نزلت في جَبْرٍ، مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرهاً، {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ}، ثم أسلم مولى جبر، وحسن إسلامه، وهاجر جبر مع سيده، {وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أي: فتح صدره للكفر بالقبول واختاره، {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

وأجمع العلماء على: أن من أُكره على كلمة الكفر، يجوز له أن يقول بلسانه، وإذا قال بلسانه غيرَ معتقدٍ لا يكون كفراً، وإن أبى أن يقوله حتى يقتل كان أفضل.

واختلف أهل العلم في طلاق المكره. فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقع.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٠٧ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ ۝١٠٨ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝١٠٩ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١١٠

{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، لا يرشدهم.

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ}، عمّا يراد بهم.

{لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرونَ}، أي المغبونون.

{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ}، عذبوا ومنعوا من الإِسلام، فتنهم المشركون، {ثُمَّ جَـٰهَدُواْ وَصَبَرُواْ} على الإِيمان والهجرة والجهاد، {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا}، من بعد تلك الفتنة والغفلة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل من الرضاعة، وفي أبي جندل بن سهيل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبدالله بن أسيد الثقفي، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا.

وقال الحسن وعكرمة: نزلتْ في عبدالله بن سعد بن أبي سرح، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فاستزلَّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، بقتله فاستجاره له عثمان، وكان أخاه لأمه من الرضاعة، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، فأنزل الله هذه الآية.

وقرأ ابن عامر {فَتَنوا} بفتح الفاء والتاء، وردَّه إلى من أسلم من المشركين فتنوا المسلمين.

يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١١١ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ۝١١٢

{يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ}، تخاصم وتحتج، {عَن نَّفْسِهَا}، بما أسلفت من خير وشر، مشتغلاً بها لا تتفرغ إلى غيرها، {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

روي أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: خوِّفنا، قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، لو وافيتَ يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبياً لأتت عليك ساعات وأنت لا تهمك إلا نفسك، وإن لِجهنم زفرةً لا يبقى مَلَك مقرَّب، ولا نبي مرسل منتخب، إلا وقع جاثياً على ركبتيه، حتى إبراهيم خليل الرحمن، يقول: يا رب لا أسألك إلاَّ نفسي، وإن تصديق ذلك: الذي أنزله الله عليكم "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها".

وروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة، حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: يا ربِّ، لم يكن لي يدٌ أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عينٌ أبصر بها، ويقول الجسد: خلقتَني كالخشب ليست لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، فجاء هذا كشعاع النور، فبه نطق لساني، وأبصرتْ عيني، ومشت رجلي. فيضربُ الله لهما مَثَلاً: أعمى ومُقْعَد، دخلا حائطاً فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يناله، فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر فعليهما العذاب.

قوله تعالى: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً}، يعني: مكة، كانت آمنة، لا يهاج أهلها ولا يُغار عليها، {مُّطْمَئِنَّةً}، قارّة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه سائر العرب، {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ}، يُحمل إليها من البر والبحر نظيره:

{ { يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ } [القصص: 57]. {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ}، جمع النعمة، وقيل: جمع نعماء مثل بأساء وأبؤس، {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ}، ابتلاهم الله بالجوع سبع سنين، وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة، والجِيَفَ، والكلاب الميتة، والعهن، وهو الوبر يعالج بالدم، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، ثم إن رؤساء مكة كلّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: هذا عَاديتَ الرجال، فما بال النساء والصبيان؟ فأذِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. وذكر اللباس لأن ما أصابهم من الهزال والشحوب وتغير ظاهرهم عما كانوا عليه من قبل كاللباس لهم، {وَٱلْخَوْفِ}، يعني: بعوث النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه التي كانت تطيف بهم. {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}.

وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ ۝١١٣ فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًا طَيِّبًا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ۝١١٤ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١١٥ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ۝١١٦

{وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ}، محمد صلى الله عليه وسلم، {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ}.

{فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰـلاً طَيِّباً وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }.

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ} أي: لا تقولوا لوصف ألسنتكم، أو لأجل وصفكم الكذب، أي: أنكم تُحلّون وتُحرّمون لأجل الكذب لا لغيره، {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ}، يعني البحيرة والسائبة، {لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}، فتقولون إن الله أمرنا بهذا، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}، لا ينجون من عذاب الله.

مَتَٰعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١١٧ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝١١٨ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١١٩ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٢٠

{مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ}، يعني: الذي هم فيه متاع قليل، أو لهم متاع قليلٌ في الدنيا. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، في الآخرة.

{وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ}، يعني في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى:

{ { وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } [الأنعام: 146] الآية.

{وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ} بتحريم ذلك عليهم، {وَلـَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فحرمنا عليهم ببغيهم.

{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ} معنى الإِصلاح: الاستقامة على التوبة، {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا}، أي: من بعد الجهالة، {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً} قال ابن مسعود: الأمة، معلّم الخير، أي: كان معلماً للخير، يأثمُّ به أهل الدنيا، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة.

قال مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار.

قال قتادة: ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه.

{قَـٰنِتًا لِّلَّهِ}، مطيعاً له، وقيل: قائماً بأوامر الله تعالى، {حَنِيفًا} مسلماً مستقيماً على دين الإِسلام. وقيل: مخلصاً. {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}.

شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝١٢١ وَءَاتَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٢٢ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٢٣ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝١٢٤

{شَاكِراً لأَِنْعُمِهِ ٱجْتَبَـٰهُ}، اختاره، {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، أي: إلى دين الحق.

{وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً}، يعني الرسالة والخلة وقيل: لسان الصدق والثناء الحسن.

وقال مقاتل بن حيان: يعني الصلوات في قول هذه الأمة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم.

وقيل: أولاداً أبراراً على الكبر.

وقيل: القبول العام في جميع الأمم.

{وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، مع آبائه الصالحين في الجنة. وفي الآية تقديم وتأخير مجازه: وآتيناه في الدنيا والآخرة حسنة، وإنه لمن الصالحين.

{ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ}، يا محمد، {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا}، حاجَّاً مسلماً، {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}.

وقال أهل الأصول: كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ في شريعته، وما لم ينسخ صار شرعاً له.

قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} قيل: معناه إنما جعل السبت لعنةً على الذين اختلفوا فيه أي: خالفوا فيه.

وقيل: معناه ما فرض الله عليهم تعظيم السبت وتحريمه إلا على الذين اختلفوا فيه أي: خالفوا فيه فقال قوم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت.

وقال قوم: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم، وقد افترض الله عليهم تعظيم يوم الجمعة.

قال الكلبي: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة، فقال: تفرَّغوا لله في كل سبعة أيام يوماً، فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه لصنعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدَّد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة، فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا - يعنون اليهود - فاتخذوا الأحد، فأعطى الله الجمعةَ هذه الأمةَ، فقبلوها وبُورك لهم فيها.

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، أنبأنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

نحن الآخِرُون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، وأُوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تَبَعُ، فاليهود غداً، والنصارى بعد غد

قال الله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}. قال قتادة: الذين اختلفوا فيه هم اليهود، استحلَّه بعضُهم، وحرّمه بعضهم.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.

ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ۝١٢٥

{ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ}، بالقرآن، {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}، يعني مواعظ القرآن.

وقيل: الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب.

وقيل: هو القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعنيف.

{وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}، وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن،أي: أعرِضْ عن أذاهم، ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق، نسختها آية القتال.

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}.

وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّٰبِرِينَ ۝١٢٦

{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ}، هذه الآيات نزلت بالمدينة في شهداء أُحد، وذلك أن المسلمين لمّا رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد، من تبقير البطون، والمُثْلة السيئة - حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلاَّ مُثِّلَ به غير حنظلة بن الراهب، فإن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك - فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أَظْهَرَنَا الله عليهم لنزِيْدَنَّ على صنيعهم، ولنُمَثِّلن بهم مُثْلة لم يفعلها أحدٌ من العرب بأحد،

فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة ابن عبدالمطلب، وقد جدعوا أنفه وأذنه، وقطعوا مذاكيره، وبقرُوا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إنها لو أكلتها لم تدخل النار أبداً، حمزة أكرم على الله تعالى من أن يُدْخِل شيئاً من جسده النار، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة، ونظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رحمة الله عليك فإنك ما علمت ما كنت إلا فاعلاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرَّني أن أدعك حتى تحشر من أفواجٍ شتى، أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك»، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ} الآية. {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرينَ}، أي: ولئن عفوتم لهو خير للعافين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل نصبر، وأمسك عما أراد وكفَّر عن يمينه.

قال ابن عباس والضحاك: كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال، فلما أعز الله الإِسلام وأهله نزلت براءة، وأُمروا بالجهاد نسخت هذه الآية.

وقال النَّخعَيُّ، والثوريُّ، ومجاهد، وابن سيرين: الآية محكمة نزلت في من ظلم بظلامه، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه، أمر بالجزاء والعفو، ومنع من الاعتداء. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:

وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ۝١٢٧ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ۝١٢٨

{وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي: بمعونة الله وتوفيقه، {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، في إعراضهم عنك، {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}، أي: فيما فعلوا من الأفاعيل.

قرأ ابن كثير هاهنا وفي النمل {ضِيق} بكسر الضاد وقرأ الآخرون بفتح الضاد، قال أهل الكوفة: هما لغتان مثل رِطْل ورَطل.

وقال أبو عمرو: "الضيَّق" بالفتح: الغم، وبالكسر: الشدة.

وقال أبو عبيدة: "الضيق" بالكسر في قلة المعاش وفي المساكن، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه بالفتح.

وقال ابن قتيبة: الضيق تخفيف ضيِّق مثل هَيْن وهَيِّن، ولِيْن ولَيِّن، فعلى هذا هو صفة، كأنه قال: ولا تك في أمر ضيق من مكرهم.

{إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}، المناهي، {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} بالعون والنصرة.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ